Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عقيدة الأوريشا الوسطاء الروحيين في المنظومة الدينية لليوروبا

الكاتب

هيئة التحرير

عقيدة الأوريشا الوسطاء الروحيين في المنظومة الدينية لليوروبا

نظام الأوريشا هو كائنات وسيطة بين الإله الأسمى والبشر في الديانة اليوروبية، مع بيان موقف الإسلام الرافض لمبدأ الوساطة.

ماهية الأوريشا وموقعها في النظام الديني اليوروبي

تشكل عقيدة الأوريشا العمود الفقري للنظام الديني لشعب اليوروبا في غرب أفريقيا، حيث تمثل هذه الكائنات الروحية الوسيطة حلقة الوصل بين الإله الأعلى "أولودوماري" والعالم المادي والإنساني، والأوريشا مصطلح جامع يشير إلى مجموعة من الكائنات الإلهية الأدنى التي خلقها الإله الأسمى ووكل إليها إدارة جوانب محددة من الكون والحياة البشرية، وفقًا للتصنيف الأنثروبولوجي الذي قدمه ويليام باسكوم في دراسته الموسعة عن اليوروبا [William Bascom, "The Yoruba of Southwestern Nigeria", Holt, Rinehart and Winston, ١٩٦٩, pp. ٦٨-٧٢].

ينبغي فهم نظام الأوريشا في إطار الرؤية الكونية الشاملة لليوروبا، التي ترى الوجود متسلسلًا هرميًا يبدأ من الإله الأوحد وينتهي بالمادة، مع وجود طبقات وسيطة من الكائنات الروحية التي تنفذ وتطبق القوانين الكونية، وهذا النظام لا يلغي فكرة التوحيد كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل يعيد صياغتها في قالب يسمح بالتفاعل المباشر بين الإنسان والعالم الروحي، إذ يعتبر أولودوماري كبيرًا ومتعاليًا بحيث لا يتدخل مباشرة في الشؤون الدنيوية التفصيلية، بل يفوض ذلك إلى الأوريشا [E. Bolaji Idowu, "Olodumare: God in Yoruba Belief", Longmans, ١٩٦٢, pp. ٤٥-٤٩].

الأسس العقدية لنظام الأوريشا بين التعدد الظاهري والوحدة الباطنية

تقوم عقيدة الأوريشا على مجموعة من الأسس العقدية التي تشكل نظامًا متماسكًا داخليًا، وإن بدا متعددًا من الخارج.

أول هذه الأسس هو مبدأ التفويض الإلهي، حيث إن الإله الأعلى أولودوماري خلق الأوريشا وكلفهم بمهام محددة في إدارة الكون، مع احتفاظه بالسيادة المطلقة والسلطة النهائية، وهذا التفويض ليس انسحابًا من الإله الأعلى، بل هو أسلوب في التدبير يتناسب مع عظمته وجلاله، إذ لا يليق به أن يتدخل في التفاصيل الصغيرة للوجود. [J. O. Awolalu, "Yoruba Beliefs and Sacrificial Rites", Longman, ١٩٧٩, pp. ١١٢-١١٥].

أما الأساس الثاني فهو مبدأ التخصص الوظيفي، حيث يتم توزيع المهام الكونية بين الأوريشا بشكل دقيق ومنظم، فلكل أوريشا مجال اختصاص محدد ووظائف معينة، وهذا التوزيع لا يعني التجزئة في الإرادة الإلهية، بل يعكس التنوع في مظاهر القوة الواحدة.

 وثالث الأسس هو مبدأ الوساطة الضرورية، الذي يرى أن الاتصال المباشر بين الإنسان والإله الأعلى غير ممكن لاختلاف المراتب، وبالتالي تحتاج البشرية إلى وسطاء يسهلون هذا الاتصال وينقلون الطلبات والعبادات [N. S. Booth, "God and the Gods in West Africa", Nok Publishers, ١٩٧٧, pp. ٨٧-٩١].

يؤكد الباحث اليوروبي "واندي أبيبولا" في دراساته عن التراث الديني لشعبه أن نظام الأوريشا يمثل محاولة فلسفية عميقة لحل إشكالية العلاقة بين المطلق والمحدود، بين الخالق والمخلوق، بين اللامتناهي والمتناهي [Wande Abimbola, "Ifa Divination Poetry", Nok Publishers, ١٩٧٧, pp. ٣٤-٣٨].

فبدلًا من إنكار وجود الإله الأعلى أو جعله مباشر التدبير، ابتكر اليوروبا هذا النظام الوسيط الذي يحافظ على هيبة الإله من جهة، ويوفر قنوات اتصال عملية بين الإنسان والعالم الروحي من جهة أخرى.

الأدوار الوظيفية الروحية الرئيسية للأوريشا

يمثل كل أوريشا في المنظومة اليوروبية قوة كونية محددة ويمارس دورًا وظيفيًا دقيقًا في نظام الوجود، ومن خلال دراسة هذه الأدوار يمكن فهم الفلسفة الدينية الكامنة وراء النظام. فـ"أوباتالا" يعد أبرز الأوريشا وأقربهم إلى الإله الأعلى، وهو المسؤول عن خلق الأجساد البشرية وعن النظام الأخلاقي والعدالة. [Robert Farris Thompson, "Flash of the Spirit: African & Afro-American Art & Philosophy", Random House, ١٩٨٣, pp. ٢٣-٢٧].

أما "شانغو" فهو أوريشا الرعد والبرق والعدالة، ويمثل قوة القانون والعقاب في الكون؛ و"أوشون" ربة الأنهار والجمال والخصوبة، وترمز إلى قوة الأنوثة والحياة؛ و"ييموجا" أم البحر والأمومة والرحمة، وهي الحامية للأطفال والأسرة، و"أوغون" إله الحديد والتكنولوجيا والحرب، ويمثل قوة التقدم المادي والصراع.

هذا التوزيع الوظيفي الدقيق يعكس رؤية شاملة للكون، حيث لكل قوة طبيعية أو بشرية ممثل روحي يديرها وينظمها. [Joseph E. Murphy, "Santería: African Spirits in America", Beacon Press, ١٩٩٣, pp. ٤٥-٥١].

الإشكاليات العقدية لفكرة الوساطة في المنظور المقارن

تطرح عقيدة الأوريشا جملة من الإشكاليات العقدية العميقة التي تستحق التحليل النقدي في إطار الدراسات الدينية المقارنة.

أولى هذه الإشكاليات تتعلق بطبيعة العلاقة بين الوسيط والمُوَسَّط له، فإذا كانت الأوريشا مجرد أدوات تنفيذية لإرادة الإله الأعلى، فما هو مصدر استقلاليتها النسبية وقدرتها على التصرف؟ وإذا كانت مستقلة بشكل كبير، فكيف تبقى خاضعة للسيادة الإلهية المطلقة؟ هذه المعضلة الفلسفية تشغل حيزًا كبيرًا في نقاشات دارسي الدين المقارن [Mircea Eliade, "Patterns in Comparative Religion", Sheed & Ward, ١٩٥٨, pp. ١٥٦-١٦٢].

الإشكالية الثانية تتمثل في إمكانية تحول الوسيط إلى غاية في ذاته، فالممارسة الدينية لليوروبا غالبًا ما تركز على عبادة الأوريشا مباشرة، مع إهمال نسبي للإله الأعلى أولودوماري، وهذا التحول من الوسيلة إلى الغاية يشكل انحرافًا عن الأصل النظري للنظام، ويقربه من أشكال التعدد الديني. [John S. Mbiti, "African Religions and Philosophy", Heinemann, ١٩٦٩, pp. ١٧٨-١٨٤].

أما الإشكالية الثالثة فتكمن في تناقض فكرة الوساطة مع مفهوم المسؤولية الأخلاقية المباشرة للإنسان، فإذا كان الإنسان يتعامل مع وسطاء وليس مع المصدر النهائي للقيم والأخلاق، فكيف يمكن محاسبته على أفعاله؟ وكيف تكون علاقته الأخلاقية مع الإله الأعلى وهي علاقة غير مباشرة؟ هذه الأسئلة تشكل تحديًا فلسفيًا لنظام الوساطة. [Barry Hallen, "The Good, the Bad, and the Beautiful: Discourse about Values in Yoruba Culture", Indiana University Press, ٢٠٠٠, pp. ٦٧-٧٣].

الموقف الإسلامي من عقيدة الوساطة من النصوص الشرعية والمقاصد العقدية

يقدم الإسلام رؤية واضحة ومتماسكة حول قضية الوساطة بين الخالق والمخلوق، تقوم على أساس عقدي راسخ مستند إلى النصوص الشرعية الصحيحة.

 فمن ناحية النصوص، نجد أن القرآن الكريم يرفض فكرة الوساطة رفضًا قاطعًا في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدࣰا﴾ [الجن: ١٨]  ، وقوله سبحانه: ﴿قُلِ ٱدۡعُوا۟ ٱلَّذِینَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا یَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةࣲ فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِیهِمَا مِن شِرۡكࣲ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِیرࣲ ﴾ [سبأ: ٢٢] ، هذه الآيات وغيرها تؤسس لمبدأ العلاقة المباشرة بين العبد وربه، دون حاجة إلى وسيط من أي نوع.

من الناحية العقدية، يرى الإسلام أن فكرة الوساطة تشكل انتقاصًا من سيادة الله تعالى وكمال قدرته، فالله تعالى هو القريب المجيب الذي يسمع دعاء الداعي ويجيب سؤال السائل مباشرة، دون حاجة إلى وسيط ينقل أو يشفع. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِیبٌۖ أُجِیبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

أما من ناحية المقاصد الشرعية، فإن رفض الوساطة يحقق عدة مقاصد عظمى.

 أولها حفظ التوحيد الخالص لله تعالى من أي شائبة شركية.

 ثانيها تمكين العلاقة المباشرة بين العبد وربه، التي تقوم على المحبة والخشية والرجاء.

 ثالثها حفظ الكرامة الإنسانية، حيث يصبح الإنسان مسؤولًا مباشرة أمام خالقه دون وسطاء يتصرفون نيابة عنه.

ومع هذا الموقف الواضح، فإن الإسلام لا يرفض كل أنواع الشفاعة، بل يقر شفاعة مقيدة بشروط دقيقة، كما في حديث  أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -  أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» [رواه البخاري:٩٩]، لكن هذه الشفاعة تختلف جوهريًا عن وساطة الأوريشا، فهي ليست وسيلة للاتصال بالله، ولا قناة لنقل الدعاء، ولا وكالة في التدبير الكوني، بل هي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الصالحين يوم القيامة، بعد إذن الله تعالى.

الخلاصة

تُمثِّلُ عقيدة الأوريشا في الديانة اليوروبية نموذجًا معقدًا للوساطة الروحية القائمة على ضرورة وجود كائنات وسيطة بين الإله المتعالي والبشر، وفق تصور فلسفي يعتبر الاتصال المباشر مستحيلًا، ويقوم هذا النظام على تخصص دقيق لكل أوريشا في إدارة جانب من جوانب الكون والحياة الإنسانية، مما يولّد إشكالات عقدية عميقة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الوسيط والموَسَّط له، بينما يرفض الإسلام مبدأ الوساطة جملة وتفصيلًا، مستندًا إلى نصوص قرآنية صريحة كقوله تعالى:  ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدࣰا﴾ [الجن: ١٨]  ، والتي تؤسس لعلاقة مباشرة بين العبد وربه دون وسيط. ويبقى الإسلام محافظًا على صفاء التوحيد ووضوح العلاقة مع الخالق، مع احترام حق الآخرين في الاعتقاد ضمن أطر الحوار الحضاري القائم على الحكمة والبيان الواضح للحقائق العقدية الثابتة.

موضوعات ذات صلة

نظام إيفا العرافي عند شعب اليوروبا، له فلسفته في تفسير الغيب والتنبؤ، كما له تأثيره في تشكيل الوعي الاجتماعي.

نتناول المظاهر التعبدية وطقوس تقديم القرابين في الديانة اليوروبية، مع تحليل أبعادها الوثنية وتقييمها في ميزان الشريعة الإسلامية.

لدراسة النظام العقدي لشعب اليوروبا في غرب أفريقيا، لابد من تركيز خاص على مفهوم الإله الأعلى "أولودوماري"

موضوعات مختارة