Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الخطابة

الكاتب

أ. د/ مي يوسف خليف

الخطابة

تطورت الخطابة في الإسلام بشكل جذري من الأساليب الجاهلية لتصبح فنًا إبداعيًا يخدم العقيدة والقيم، مستمدًا روعته من القرآن والسنة، تحولت مكانة الخطيب ليتناسب مع دورها الجديد في التوجيه والإصلاح، مع تطور أساليبها من البساطة إلى التعقيد.

تطور الخطابة

تطورت الخطابة بشكل لافت مع مجيء الإسلام، فبدلًا من الأنماط السائدة في الجاهلية من سجع الكهان والوصايا والأمثال والحكم وظهور بعض فصحاء الخطباء بما عرف عنهم من التباري في فن القول إلى حد القصد إلى الإغراق في الغموض والإبهام أحيانًا، بدأت تظهر خطابة متعددة الدوائر والمجالات لها طابعها المميز والمتميز، مما تجلى منه جائب في خدمة قضايا العقيدة الإسلامية من حيث العبادة والمعتقد والسلوك ومنظومة القيم الحاكمة، والمقاصد العليا للشريعة كما يبتغياها الدين الجديد.

من هنا كان تطور فن الخطابة بما يتناغم وإيقاع التحول الجديد بعد الرحلة التاريخية الخطيرة من الوثنية إلى التوحيد، من الجاهلية إلى الإسلام ومن ثم باتت طبيعة الفن الخطابي نموذجًا رفيعًا من نماذج الإبداع على المستويات اللغوية والتصويرية، إلى جانب استهداف الإقناع والإمتاع والهيمنة على ضمير الجمهور، وتوظيف أرقى فنون القول الشعري في مواطن الاستشهاد ومحاولة تبيين القول بما ورد في كتاب الله من آيات الحكمة والموعظة الحسنة.

التحول الحقيقي في الفن الخطابي

بدأ التحول الحقيقي في الماهية والطبيعة النوعية للفن الخطابي حين اتجه عبر المسار الديني في عصر المبعث والراشدين منذ استمدت خطابة الرسول الكريم روعة مادتها من المنابع المقدسة: القرآن الكريم وأحاديثه الشريفة؛ حيث كان نبيًا أميًا أوتي جوامع الكلم، فكان الاتساق بين ما ينطق به وحْيًا، وبين ما يسلكه عملًا، وبين ما يرويه حديثًا وقولًا تحول الخطباء إلى القدوة والمثل ينهلون من المصطفى تقنيات فن القول وموائمة الكلام لمقتضى الأحوال، ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، والعمد إلى الحجج والبراهين والأدلة والشواهد وسلوك سبيل الإقناع بعيدًا عن التكلف أو التقعر والتعقيد، وأخذًا بالبساطة الضامنة للفصاحة وروعة البيان.

انطلق خطباء الرعيل الأول من عباءة الدين، بما تدعو إليه من الوسطية وقيم الحق والخير والجمال، وما ينتهي إليه من شرف الغاية وحسن المقاصد، فجاء المنطلق من أصول دينية بحتة ترسخ المبادئ والقيم، وتشرع للمسلمين خطوط حياتهم الكبرى في أدق تفاصيلها من ذات المنطلقات.

 أما الأداء فكشف عن طبيعة التواصل بين النموذج الخطابي والمثال، حيث امتد الزمن إلى بقية عصور الأدب... وفن الكلمة هو القاسم المشترك على ما قد يصحبه - أحيانًا - من تطور في تصانيف الخطابة حسب دوائر الأداء بين دينية واجتماعية وحفلية تبعًا للمسارات السياسية ونظريات الحكم التي واكبتها. وربما تقارب الأداء الخطابي مع الشعري في بعض فترات الرحلة الأدبية، فكلاهما - أي الفنين - ينطلق من التفوق في فن القول، والقدرة على الأداء ونقل رسالة الخطيب إلى جمهوره، لا سيما إذا تشابهت الخلفية الثقافية والمنطلقات الفكرية للخطيب والشاعر، فبدا الشاعر خطيبًا والخطيب شاعرًا.

وانتقل مسار الخطابة من البساطة إلى التركيب طبقًا لجداول الفكر ومصادر الثقافة التي امتلكها الخطباء بدءًا من وحدة المصدر في الجاهلية، إلى ازدواجية المصدر مع عصر صدر الإسلام بين بقايا الوثني والمستحدث الإسلامي إلى تعقد الظاهرة الثقافية في المنعطف الحضاري مع الدولة الأموية ثم العباسية عبر نشاط المترجمين، وحركة الترجمة، والانفتاح على الثقافات الأخرى، وترجمة كتاب فن الشعر، وفن الخطابة لأرسطو مع غيرهما من توجهات فنية مالت - أحيانًا - بالصنعة الخطابية إلى التعقيد والتصنيع، وأخرى إلى استمرار التلقائية والبساطة طبقًا لمقتضيات الأحوال، واتساقًا مع حركة العصر وثقافة الفترة.

تحول مكانة الخطيب

تحولت مكانة الخطيب أحيانًا إلى رجل سياسة أو وظيفة رسمية، وامتد منحى التوظيف إلى ما أصاب جوهر علاقة الخطيب بجمهوره من تحولات قد تجنح أحيانًا إلى العنف والقسوة والشدة فتتسع الشقة بين الخطيب وجمهوره على غرار ما كان من كبار قادة بني أمية مع كبار ثوار المرحلة، ثم شهدت الحياة العربية ما شهدته من أنماط الفتن والصراعات التي لعبت الخطابة فيها دورًا بارزًا، وظهر أيضًا نفر من كبار خطباء المعارضة، كما ظهر خطباء متميزون على المستوى الديني أخذوا على عاتقهم التعبير عن فلسفة الزهد كما سنها الزاهد الأول، ثم جاء التحول إلى القضايا الفرعية والأحوال الجزئية، وانطلقت الخطبة رؤية سياسية في كثير من الأحيان الدينية إلى الانتصار لمذهب، أو قضية، أو رأي.

الخطابة لسان ناطق بالعقيدة

وفي ختام هذا العرض، يتضح أن الخطابة في ظل الإسلام لم تكن مجرد وسيلة للتأثير البياني، بل كانت لسانًا ناطقًا بالعقيدة، ومعبرًا عن روح الحضارة الإسلامية، ومنبرًا لترسيخ القيم والمبادئ. لقد انتقلت من طور البدايات الفطرية في الجاهلية إلى فن مؤسَّس له أصوله وغاياته، متأثرًا بالوحي، وموجهًا لحياة الأمة، فكان الخطيب في صدر الإسلام ناطقًا باسم القيم، ومع تطور العصور ظل لفن الخطابة أثره الفاعل وإن تباينت أغراضه ومساراته بتغير الأحوال والأنظمة.

 

مراجع للاستزادة:

١.     ابن الأثير: الكامل في التاريخ.

٢.     الجاحظ: البيان والتبيين.

٣.     القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشا.

٤.     أحمد زكي صفوت: جمهرة خطب العرب.

٥.     أنيس المقدسي: تطور الأساليب النثرية.

٦.     د. زكي مبارك: النثر الفني في القرن الرابع.

٧.     د. شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في النثر العربي.

٨.     د. طه حسين: من حديث الشعر والنثر.

٩.     د. كامل السوافيري: من روائع الأدب التبوي.

١٠.    عطية الإبراشي: عظمة الرسول في خطبه.

الخلاصة

تطورت الخطابة الإسلامية من أساليب الجاهلية إلى فن راقٍ يعتمد على الوضوح والفصاحة، مستمدًا قوته من القرآن والحديث، مع التركيز على الإقناع والبساطة وموائمة الكلام لمقتضى الحال، وتحولت الخطابة عبر العصور من بساطة صدر الإسلام إلى تعقيد العصور اللاحقة بتأثير الفلسفة والترجمات، وتنوعت بين الدينية والسياسية، مع احتفاظها بدورها في التعبير عن القيم ونقل الرسائل بفعالية.

موضوعات ذات صلة

اللّغة العربيّة وُلدت من رحم الجزيرة، فحملتها القبائل وخلّدها القرآن الكريم

نشأ علم البلاغة لإثبات إعجاز القرآن الكريم وتطوير أدوات الإقناع والتأثير

اللغة هي نظام رمزي عرف من الأصوات الصادرة عن جهاز النطق الطبيعي للإنسان

موضوعات مختارة