اللّغة العربيّة وُلدت من رحم الجزيرة، فحملتها القبائل وخلّدها القرآن الكريم، فصارت لسان الدين والشعر والحضارة، ومن صراع اللهجات وتأثير الأسواق بزغت لهجة قريش لتتوّج بالفصحى التي حملت تراث العرب للأجيال.
اللّغة العربيّة وُلدت من رحم الجزيرة، فحملتها القبائل وخلّدها القرآن الكريم، فصارت لسان الدين والشعر والحضارة، ومن صراع اللهجات وتأثير الأسواق بزغت لهجة قريش لتتوّج بالفصحى التي حملت تراث العرب للأجيال.
تُعَدُّ اللغة العربية من اللغات السامية نشأةً ومضمونًا، وقد أكسبها القرآن الكريم خلودًا على مر الزمن وانتشارًا عمَّ الخافقين، وقد حملتها القبائل المهاجرة من الجزيرة العربية في رحلاتها المتعددة إلى خارجها؛ إذ لم يقتصر العرب على شبه الجزيرة العربية وحدها كموطن لهم، بل هاجر كثير منهم إلى البلاد المجاورة لشبه الجزيرة العربية قبل الإسلام بقرون.
ولما كانت هذه البلاد نفسها موطنًا لأناس بينهم وبين العرب صلة شديدة القوة، كالأنباط والآشوريين والكلدانيين، فقد سهل على المهاجرين من شبه الجزيرة الاستقرار بهذه البلاد، وكونوا في ظل الحكم الروماني والفارسي بعض الممالك التي اشتهرت، كمملكة الحيرة في القرن الخامس قبل الميلاد ومملكة غسان.
فَلَمْ يكن العرب يعيشون منكمشين على أنفسهم، بل كانت لهم علاقات وطيدة بمدينة الفرس والروم، وهذا ينطبق - أيضًا - على سكان الحجاز، وعرب الشام والعراق.
ولقد كان لعرب الحجاز تجارة واسعة مع الفرس والروم، وبعبارة أدق مع العراق والشام، والتجار يحتاجون إلى تعلم لغة البلاد التي لهم علاقة تجارية بها، ومن ثم كان لابد أن تدخل ألفاظ كثيرة إلى اللغة العربية من الفارسية والرومانية، وهذه الألفاظ التي تطعمت بها اللغة العربية معظمها من الألفاظ الحضارية.
ولغة العرب ظلت ترتبط في الجاهلية إلى حد ما بالمحسوسات التي يقع عليها بصر العربي، ولكن الذي يثير انتباه الباحث هو أن كل ما يرتبط بظواهر الطبيعة في حدود شبه الجزيرة العربية يمثل ثروة لغوية لا تقدر، وإذا كانت قريش زعيمة قبائل العرب؛ حيث كانت تتولى أمور الكعبة وتسيطر على تجارة الحجاز، فإن لهجتها استطاعت - في النهاية - أن تصهر كل اللهجات العربية لتخلق منها لغةً مشتركةً، ونقول لهجة قريش، ولا نقول لغة؛ لأنها لم تكن ذات علم مكتوب.
وقد ذكر جماعة من الباحثين أن قريشًا أفصح العرب، وبلسانها نزل القرآن الكريم؛ وذلك لأنها كانت تجتاز أفضل لغات العرب، وهذا الرأي منسوب إلى قتادة المتوفى سنة ١١٧هـ.
كان القرآن الكريم يكتب بالخط الكوفي (كما يبدو من هذه الصفحة من قرآن مكتوب في القرن الثالث الهجري) مع أشكال دائرية ساطعة الألوان تفصل بين الأبيات.
ويقول الفرَّاء المتوفى سنة ٣٠٧هـ: "كانت العرب تحضر المواسم في كل عام، وتحج البيت في الجاهلية وقريش تسمع لغات العرب؛ فخلت لغتهم من مستبشع اللغات، ومستقبح الألفاظ".
وقال أحمد بن فارس المتوفى سنة ٣٩٥هـ عن إسماعيل بن أبي عبيدة: "أجمع علماؤنا بكلام الرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومجالسهم أن قريشًا أفصح العرب ألسنةً، وأصفاهم لغةً، وذلك أن الله - جل ثناؤه - اختارهم من جميع العرب، واختار منهم نبيَّ الرحمة محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فجعلهم قُطَّانَ حرمه، وجيران بيته الحرام وولاته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم، وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة لسانها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسنَ لغاتهم وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها؛ فصاروا بذلك أفصح العرب".
الاهتمام بجمال الأسلوب في اللغة العربية يتجلى – أيضًا - على صورة مرئية في فن الخط العربي
وجاء في مقدمة ابن خلدون أن "لغة قريش كانت أفصح اللغات العربية وأصرحها؛ لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزاعة وبني كنانة وغطفان وبني أسد وبني تميم".
وأما من بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وإياد وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم، وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية.
وقد توسع العلماء المحدثون في إثر ما كان لعكاظ في تثقيف قريش، وفي تأثر من كان يحضر فيه من الشعراء والأدباء بلغة قريش.
ونظرية أن القران الكريم جاء بلغة قريش وجدت لها أنصارًا من العلماء المعاصرين، مثل: الدكتور طه حسين ومصطفى صادق الرافعي وعدد كبير من المستشرقين، فلهجة قريش على رأي هذا الفريق من العلماء هي أفصح اللهجات.
وهناك روايات تصف لهجات أخرى بالفصاحة، قال أبو عمرو بن العلاء: "أفصح العرب عُليا هوازن، وسُفلى تميم".
وقال أبو عبيدة: "وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر، وذلك، لقول الرسول – صلى الله عليه وسلم: «أنا أفْصَحُ العَرَبِ بَيدَ أَنِّي من قُرَيش، وَأَنِّي نَشَأتُ فِي بَنِي سَعد بنِ بَكرٍ» وَكَانَ مسترضعًا فيهم، وهم الذين يقول فيهم عمرو بن العلاء: أفصح العرب عُليا هوازن وسُفلى تميم".
وقد عدت هوازن وتميم من أفصح القبائل في الإسلام؛ ولذلك رحل إليهما علماء اللغة للأخذ منهما، مثل: الخليل والكسائي والأزهري وأمثالهم من العلماء.
وجاء في كتاب (المزهر) أن أبا نصر الفارابي قال في مقدمة كتابه المسمى بـ(الألفاظ والحروف): "كانت قريش أجود العرب انتقاءً للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا، وأبينها إبانةً عما في النفس، والذين نقلوا اللغة، وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي - من بين القبائل هم: قيس وتميم وأسد - فان هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف ثم هذيل وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ من غيرهم من سائر قبائلهم".
قال الدكتور جواد علي - عضو المجمع العلمي العراقي: "والقائلون بأن اللغة العربية الفصحى هي لسان قريش متأثرون من كون الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قريش، وبأن القرآن نزل بين قريش، فهو إذن بلغة قريش، وبما أورده علماء اللغة من انتقاء قريش لأدق الألفاظ وأعذبها".
أما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم – من قريش فهذا أمر مفروغ منه، وأما أن القرآن بلسان قريش فمسألة فيها نظر وقضية تحتاج إلى بحث.
درس في اللغة في الجامع الأزهر
فلو كان القرآن بلسان قريش لمَ سأل رجال منهم عن تفسير كلمات من كلام الله؟
ولمَ لجأ المفسرون إلى الاستشهاد بشعر غير قرشي، وبلغات قبائل أخرى لتفسير كلمة من كلام الله؟ ولِمَ ندر الشعر في قريش؟
وقد ورد أن قريشًا كانت أقل العرب شعرًا في الجاهلية فاضطرها ذلك إلى أن تكون أكثر العرب انتحالًا للشعر في الإسلام.
وورد - أيضًا - أن العرب كانت تقر لقريش بالتقدم في كل شيء إلا في الشعر فإنها كانت لا تقر لها به، حتى كان عمرو بن أبي ربيعة فأقرت له الشعراء بالشعر.
ولِمَ استشهد العلماء في اللغة بأبيات من الشعر وبكلام الأعراب بدلًا من الاستشهاد بلغة قريش؟ ثم من يثبت مقالة من قال: إن قريشًا كانت تتخير الكلام فتنتقي منه أعذبه وأصفاه، وليس لهم دليل جاهلي مكتوب، ولا أثر عتيق يمكن الاعتماد عليه؟
ثم ما قولنا في حديث طال بحث العلماء فيه، وهو: «أُنزِل القُرآنُ علَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ»، وقد قيل: إن خمسة منها لعجز هوازن، واثنين منها لقريش وخزاعة. وقيل: نزل القرآن الكريم بلسان قريش ولسان خزاعة؛ لأن الدار واحدة. وقيل: إن القرآن نزل بلسان قريش.
وقد أجمل الطبري في تفسيره رأيه في لغة القران بقوله: "القرآن كله عربي، وإنه نزل بألسن بعض العرب دون ألسن جميعها، وإن قراءة المسلمين اليوم ومصاحفهم التي بين أظهرهم ببعض الألسن التي نزل بها القرآن دون جميعها".
وذهب أبو عبيدة المتوفى سنة ٢٢٣هـ إلى أن في القرآن لهجات: لهجة قريش، ولهجة هذيل، ولهجة هوازن، ولهجة يمن، وإنني لأرى أن لهجة قريش لها من المقومات ما جعلها تصهر في بوتقتها اللهجات الأخرى.
وقد تفاعلت مع اللهجات الأخرى تفاعلًا أفاد العربية، ومن الواضح أن المتكلمين بالعربية لم يكونوا طائفة واحدة رغم انتسابهم إلى العرب، ولكنهم كانوا قبائل متفرقة في أنحاء الجزيرة العربية، وقد اضطرت هذه القبائل إلى الاتصال ببعضها لتبادل المنافع من تجارة وغيرها، فاجتمعت في الأسواق، واتصلت عند شن الغارات والحروب.
وهذه الاتصالات أوجدت سبيلًا لتصارع اللهجات فباد الضعيف وانتشر القوي، وما زالت اللهجات تتسارع حتى كتب للقرشية آخر الأمر المتغلب لأسباب هيأت لها سبيل الرسوخ والنصر، ومن هذه الأسباب:
١- النفوذ الديني: فقد كان لقريش مكانة دينية ممتازة؛ لقيامهم بسدانة البيت الحرام الذي يفد إليه العرب من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويقدموا قرابينهم، ويقدسوا آلهتهم؛ لهذا كان القرشيون موضع تقدير العرب جميعًا.
٢- النفوذ التجاري: وقد كان للقرشيين سلطان اقتصادي كبير، فقد كان زمام التجارة بأيديهم، فيجلبون البضائع من الشام صيفًا، ومن اليمن شتاءً، ويوزعونها على القبائل العربية؛ فأصبحوا قبلة أنظار العرب جميعًا، وقد حدثنا كتاب الله بذلك، فقال: {لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ * إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ} [قريش: ١-٢].
٣- النفوذ السياسي: وقد تهيأ لقريش مكانة سامية بفضل ما أوتوا به من نفوذ ديني واقتصادي وما حبوا به من حضارة، فأصبح لهم نفوذ عند العرب جميعًا، يرشد إلى هذا ما قاله أبو بكر الصديق في رده على الأنصار الذين رغبوا في الخلافة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم: "لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش فلا تشقوا على إخوانكم".
٤- النفوذ اللغوي: إن القرشيين لم يقفوا حجر عثرة في سبيل تقدم لغتهم بل عملوا على نموها، فأضافوا إليها ما هي في مسيس الحاجة إليه، وما رأوه أخف على أسماعهم، وأيسر على ألسنتهم.
فهذه العوامل قد هيأت للقرشية سبيل الفوز والنجاح ومكَّنَتْها من أن تصبح لغة العرب جميعًا، وقد اكتسبت من هذا الصراع أمورًا عظيمة، هيأت لها سبيل التقدم والرقي.
فأنت ترى أن قريشًا أفردت بعلو الكلمة، وسمة الزعامة، وسعة الجاه، ووفرة السلطان، وتمام النفوذ الروحي والاقتصادي بين العرب؛ لِمَا تأتى لهم من ثقافة وخبرة وحنكة.
والذي ورث من لغة الحميريين ليس كثير التميز عن لغة قريش، سواء في التصريف أم في الإعراب أم في الأسلوب، بل إن أكثره ظاهرًا في اختلاف بعض الألفاظ عن بعض في الدلالة على المعاني المتحدة، فلفظ (أنطى) في لهجة الحميريين معناه (أعطى) و(الكتع) عند الأولين هو (الذئب) عند الآخرين، و(الشناتر) عند حمير هي (الأصابع) عند قريش، و(سامدون) في لغة حمير هي (الغناء) في لهجة قريش ... إلى غير ذلك مما تجد له نظيرًا في لهجات مضر كـ(السدفة) فهي (الظلمة) عند تميم و(الضوء) في لغة قريش.
ولما كان الخلاف بين الحميرية والقرشية غير متشعب ذابت لغة الحميريين كسائر اللغات الأخرى في لغة قريش التي صارت ذات غلبة وسيادة على سائر اللغات.
وقد استفادت القرشية من صراعها مع اللهجات العربية الأخرى أمورًا كثيرةً، أهمها:
١- أنها استفادت كتيرًا من المفردات والأساليب، ولا سيما التي كانت تنقصها، فتنوعت فنون القول، وتمكنت من التعبير عن جميع الأغراض التي كانت تنقصها، وغنيت بالمترادف والمشترك والمتضاد، وغيرها من الأمور التي كانت كثيرةً الأثر في نمو اللغة وسمتها.
٢- أنها صارت اللغة القومية للعرب جميعًا؛ لأن اللغات أو اللهجات إذا تصارعت وكتب لإحداها الفوز اتجه الجميع إلى التكلم بها، وبذلك صارت اللهجة القرشية لغة الشعراء في أشعارهم والخطباء في خطبهم، ويؤكد ذلك أن العرب على اختلاف قبائلهم ورد إلينا شعرهم بلغة واحدة إلا في القليل النادر، وهو الذي كان عليه الاعتماد في تعرف البقية من لهجاتهم.
وأنت ترى بعد هذا الإعراب أن احتكاك اللهجات العربية أدى في نهاية الأمر إلى تغلب اللهجة القرشية على جميع اللهجات إلا أنه بقي لكل قبيلة بعض الألفاظ التي كانوا يستعملونها في كلامهم، وفي النادر من أشعارهم.
والذي يرشدنا إلى هذه البقية من اللهجات مصدران:
المصدر الأول: القراءات التي رويت في القرآن الكريم عن أئمة القراء الموثوق بهم، والذين نقلت إلينا قراءاتهم من طرق لا يتسرب الشك فيها.
المصدر الثاني: ما رواه الثقات في كتب النحو والأدب واللغة والتاريخ من آثار تلك اللهجات، ومما يذكر استطرادًا في هذا الصدد أن الخلاف بين اللهجات متعدد النواحي، متشعب الجهات، فتارة يكون الخلاف ناشئًا عن اختلاف الحروف، وأخرى من تباين الحركات، وثالثة من اختلاف حركات الإعراب والبناء، وآونة يتعلق بهيئة المنطق.
وبالنظر إلى ما وصلنا من لهجات العرب يمكننا أن نحصر مظاهر اختلاف اللهجات فيما يلي:
١- الإبدال: ويشمل إبدال الحروف من الحروف، والحركات من الحركات.
٢- التصحيح والإعلال.
٣- الاختلاف في الإعراب.
٤- التردد بين الإعراب والبناء.
٥- الزيادة والنقصان.
٦- الفك والإدغام.
٧- هيئة النطق، وهي تشمل الإمالة والترقيق والتفخيم والإخفاء والإظهار.
٨- تقديم بعض حروف الكلمة على بعض، وهو القلب المكاني.
٩- دلالة اللفظ على معنيين، وهو المشترك والتضاد.
١٠- دلالة عدة ألفاظ على معنى واحد وهو الترادف.
ومما سبق بيانه يتضح أن قريشًا كانت تحتكر التجارة الخارجية في شبه الجزيرة العربية، وكانت تقطن مكة، ومما لا يحتاج إلى دليل أن مكة من الزمان القديم هي العاصمة الروحية للعرب، أفلا يكون هذا كافيًا لأن تتفوق لهجة قريش على غيرها من اللهجات آنذاك.
وأما الشعر: فمصدر بالغ الأهمية للغة، حتى قيل: "إنه لولا الشعر لضاع نصف اللغة"، وإنما ظل الشعر مصدر اللغة؛ لسهولة حفظه وروايته، ولأنه لا يحتمل المكذوب والمدسوس مثلما يحتمله النثر، وإذا كان الشعر لم يسلم من التحريف والانتحال، فإن بعض الأدباء عمدوا إلى جمع كثير منه كتابة في وقت متأخر نسبيًّا، كأبي تمام (الحماسة) وأبي الفرج الأصفهاني (الأغاني) والذين تصدوا من جُمَّاع اللغة للتأليف في هذا الباب، عمدوا إلى الاستشهاد بالشعر، وقد كان ابن عباس يقول: "إذا قرأتم شيئًا من كتاب الله لم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب؛ لأن الشعر ديوان العرب".
والشعر هو الكلام الموزون على روي واحد، المقوم على حذو واحد لا يخالف بعضه بعضًا في الوزن والروي، وسموه شعرًا؛ لأنه الفطنة بالغوامض من الأسباب، وسموا الشاعر شاعرًا؛ لأنه كان يفطن لما لا يفطن له غيره من معاني الكلام وأوزانه، وتأليفه وأحكامه وتثقيفه، فكان لا يفوته من هذه الأسباب كلها شيء، قال عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم
فأي لغات الأمم لها كلغة العرب هذه الأسباب اللطيفة، والمناقب الشريفة التي خصت بها؟ وأي أمة جعلت للغتها الحوزة، واتخذت لها هذه الدواوين، واحتاطت لها هذا الاحتياط؟
فالعرب تكلموا بالشعر الرصين، المحكم المعاني، الموزون بالعروض، المقوم بالنحو من غير أن يعرفوا عَروضًا أو نحوًا، أيدهم الله بقوله، وألهمهم وزنه، حتى أبرزوه بألفاظ حسنة، ومعانٍ متقنة، وقواف موزونه، ومصاريع مستوية. فرواه أهل اللب والأدب منهم. وقَبِله أهلُ الشرف والحسب عنهم، وجعلوا روايته في ذكر الأحساب والمآثر، ومدح الملوك والعظماء، والنبلاء من الناس، وفي ذكر المثالب والسباب، وهجاء أهل الضغائن والأحقاد، وفي ذكر الوقائع والحروب.
ونشر كل شاعر محاسن قبيلته ومفاخرها، واستفتحوا كلامهم بذكر النسب، وبسطوه بصفات الديار والقفار والنجوع والأمطار، ونعت الخيل والإبل والوحش وغير ذلك.
فتقيدت بالشعر الألفاظ الغريبة والمعاني اللطيفة، وحفظ الرواة عنهم كثيرًا من ذلك الشعر، ودونوه ورواه السلف للخلف، واعتنى به الخلف عن السلف.
وأما الأمثال فتعتبر كذلك من المصادر الأصلية للغة العربية، وللعرب منها الشيء الكثير، وهي ذات أهمية بالغة من حيث ارتباطها اجتماعيًّا وأدبيًّا بحياة العرب، كما أن كثيرًا منها يصلح تطبيقه على غير العرب من الأمم والأفراد، كقولهم: "الحرب خدعة - ومعظم النار من مستصغر الشرر - ولا يطاع لقصير أمرًا"، وقد أخذت كثير من دول أوروبا عددًا من الأمثال العربية.
وأما القصص فوراء كل مثل قصة حفظت كتب الأمثال منها - وخصوصًا كتاب (مجمع الأمثال) للميداني - الكثير، والقصص تمثل بدورها نماذج صادقة من تفكير العرب وآدابهم، وأهميتها اللغوية تتمثَّلُ فيما شملته من غريب اللفظ، وجمال الأسلوب، وأحسن مرجع لها هو كتاب (الأمالي) لأبي عليٍّ القالي، وكتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب (البيان والتبيين) للجاحظ.
مراجع للاستزادة:
١- د. جواد علما: تاريخ العرب قبل الإسلام.
٢- جلال الدين السيوطي: الإتقان في علوم القرآن.
٣- د. إبراهيم نجا: اللهجات العربية.
٤- ابن جني: الخصائص.
اللغة العربية لغة سامية، اكتسبت خلودها بنزول القرآن الكريم بها، وكان للهجرة والتجارة والاحتكاك الحضاري دور فاعل في تشكيل ثرائها، وقد برزت لهجة قريش وسط هذا التنوع؛ لكونها الأكثر احتكاكًا بالقبائل والأسواق، ولقدرتها على انتقاء الألفاظ وتهذيب الأسلوب، ومع أن كثيرًا من العلماء أكدوا فصاحة قريش إلا أن هناك من يرى أن القرآن الكريم تضمن لهجات أخرى، وهو ما يثبته تنوع القراءات والاستشهاد بغير القرشي في التفسير، وقد لعب الشعر والأمثال والقصص دورًا رئيسًا في حفظ اللغة وغريبها، حتى صار ديوان العرب ومصدرها الأصيل.