يحدد الفقه الإسلامي الأحكام الشرعية للمسائل الاقتصادية، بينما يحلل الاقتصاد الإسلامي نتائج هذه الأحكام وتأثيرها على الواقع الذي يمنح النظام الاقتصادي قدرة على التجديد ومواجهة التحديات دون التفريط في القيم والمبادئ.
يحدد الفقه الإسلامي الأحكام الشرعية للمسائل الاقتصادية، بينما يحلل الاقتصاد الإسلامي نتائج هذه الأحكام وتأثيرها على الواقع الذي يمنح النظام الاقتصادي قدرة على التجديد ومواجهة التحديات دون التفريط في القيم والمبادئ.
لا شك أنه يوجد ارتباط عضوي بين علم الفقه وعلم الاقتصاد الإسلامي، هذه حقيقة لكن علم الاقتصاد الإسلامي ليس هو علم الفقه، والمقارنة بين علم الاقتصاد الإسلامي وعلم الفقه تتمثل في:
أولاً: الكتابة عن الاقتصاد الإسلامي، والنظام المالي الإسلامي؛ وفيها مرحلتان:
المرحلة الأولى: هي المرحلة التي يتم فيها التعرف على الحكم الفقهي.
المرحلة الثانية: هي المرحلة التي يتم فيها التعرف على الواقعة أو المتغيرات الاقتصادية والمالية التي ينشئها الحكم الفقهي.
أما الأولى: فهي المرحلة التي يبحث فيها عن الحكم الفقهي (المتعلق بالاقتصاد)، ما دام أن الحكم - هنا - هو الذي يبحث عنه، فإن هذه المرحلة تقع في نطاق علم الفقه؛ لأنه العلم الذي يبحث فيه عن الأحكام الفقهية، ويعرف بأنه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية أو هو مجموعة الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية باعتبار أن هذه المرحلة موضوعها الأحكام التي يعطيها علم الفقه؛ لذلك تسمى هذه المرحلة باسم (مرحلة الفقه الاقتصادي والمالي).
والثانية: أن الحكم الفقهي المتعلق بالاقتصاد ينشئ واقعة أو متغيرًا اقتصاديًّا، فيتم تحديد هذه الواقعة والتعرف عليها وتحليلها (اقتصاديًّا) والعمل عليها (بسياسات اقتصادية)، كل هذا وغيره يكون المرحلة الثانية في الاقتصاد الإسلامي، باعتبار أن هذه المرحلة موضوعها المتغيرات الاقتصادية أو الوقائع الاقتصادية (التي ينشئها الحكم الفقهي)، فهي دراسة تحليلية اقتصادية وليست دراسة فقهية لذلك يمكن أن تسمى هذه المرحلة باسم (مرحلة علم الاقتصاد الإسلامي)، فهذه المرحلة علم اقتصاد؛ لأنها تبحث في الواقعة الاقتصادية (تحليلًا وفكرًا)، وعلم اقتصاد إسلامي؛ لأن الواقعة الاقتصادية موضوع البحث أنشأها الفقه الإسلامي.
ثانيًا: مما تقدم فإن علم الفقه (الاقتصادي) وعلم الاقتصاد الإسلامي مرحلتان تكونان الاقتصاد الإسلامي، المرحلة الفقهية والمرحلة التحليلية الاقتصادية - للتمييز على نحو أوضح بين هذين العلمين الإسلاميين: علم الفقه الاقتصادي وعلم الاقتصاد الإسلامي.
يمكن القول بأن موضوع علم الفقه الاقتصادي: هو إعمال العقل في الدليل لاستنباط الحكم الذي يحكم المسألة الاقتصادية، وموضوع علم الاقتصاد الإسلامي: هو إعمال العقل في الحكم الذي حصلنا عليه لتحديد المتغيرات والوقائع الاقتصادية التي ينشئها الحكم وتحليلها والتأثير فيها والتنبؤ بها، ويترتب على هذا التمييز بين من هو فقيه له الصلاحية في أن يبحث عن الحكم الفقهي، ومن هو اقتصادي له الصلاحية في أن يبحث في المسالة الاقتصادية التي ينشئها الحكم الفقهي.
إن من له الصلاحية في البحث عن الحكم الفقهي يخضع للشروط التي ذكرها علماء أصول الفقه في الذي له حق الاجتهاد، وأما من له الصلاحية في أن يبحث المتغيرات أو الوقائع الاقتصادية التي ينشئها الحكم الفقهي فيشترط فيه أن يكون قادرًا على قراءة وفهم الفقه الذي يكتب عن اقتصاده، ويضاف إلى ذلك المعرفة التحليلية الاقتصادية.
ثالثًا: يمكن سياق بعض الأمثلة التي من خلالها نشرح هاتين المرحلتين في الاقتصاد الإسلامي ونفرق بينهما:
١.الربا: تعريف الربا، وحكمه، ودليل الحكم، وتحديد المعاملات الربوية: وكل ما يناقشه الفقهاء في موضوع الريا، وهذه العناصر كلها هي مرحلة الفقه لهذا الموضوع الاقتصادي، أي مرحلة الفقه الاقتصادي، ومرحلة الفقه الاقتصادي تعطى حكمًا، وهذا الحكم ينشئ واقعة اقتصادية أو يكون له آثاره على الوقائع والمتغيرات الاقتصادية، ومن أمثلة ذلك أن تحريم الربا له أثره على الوقائع والمتغيرات الاقتصادية، كما أن له أثره على عرض النقود، وهكذا فإن تحريم الربا له آثاره على النظرية النقدية.
٢- الاستهلاك: تكلم الفقهاء عن استهلاك المسلم للسلع والخدمات سواء باستخدام هذا المصطلح، أو بمصطلحات أخرى، وأذكر مثالًا مما قاله الفقهاء عن هذا الموضوع.
يقول الإمام الشيباني: "المسألة (أي الإشباع) على أربعة أوجه: ففي مقدار ما يسد به رمقه ويتقوى على الطاعة هو مثاب غير معاقب، وفيما زاد على ذلك إلى حد الشبع هو مباح له محاسب على ذلك حسابًا يسيرًا بالعرض، وفي قضاء الشهوات ونيل اللذات من حلال هو مرخص له محاسب على ذلك محاسب بشكر النعمة وحق الجائعين، وفيما زاد على الشبع فإن الأكل فوق الشبع حرام ".
ما قاله الإمام الشيباني هو من فقه الاستهلاك في الإسلام، وهو يدخل في الاقتصاد الإسلامي في مرحلة الفقه (الاقتصادي): أي في المرحلة التي نبحث فيها عن الأحكام المنظمة لتصرفات المسلم الاستهلاكية، هذه الأحكام المنظمة للاستهلاك تنشئ واقعة اقتصادية أو تعكس نفسها في المتغيرات الاقتصادية.
دراسة هذه الوقائع والمتغيرات الاقتصادية التي أنشأها الحكم الفقهي أو تأثرت به تدخل في المرحلة التي يمكن تسميتها باسم (علم الاقتصاد الإسلامي)، وفي هذه المرحلة تكون اللغة التي نتكلم بها هي اللغة الاقتصادية، نستخدم الأسلوب الرياضي، أو نستخدم أسلوب الرسوم البيانية، أو نستخدم الفروض للوصول إلى تكوين نظرية اقتصادية.
٣- الزكاة: لها أحكامها الفقهية والتي تعرف بها الأموال التي تخضع للزكاة، وكلمة مال هي المصطلح الذي يستخدمه الفقهاء، كما تعرف بأحكام الزكاة مصارفها، وكلمة مصارف هي المصطلح المستخدم في الدراسات الفقهية، أما عن الدراسة المالية والاقتصادية للزكاة فيدخل فيها التعرف على وعاء الزكاة. دخل أو ثروة، وتحديد الأنشطة الاقتصادية التي تخضع للزكاة، وكذلك التعرف على الآثار الاقتصادية للزكاة، على الادخار وعلى الاستهلاك وعلى الاستثمار وعلى توزيع الدخل والثروة.
رابعًا: تحديد طبيعة التطور التي يمكن تصورها أو قبولها في الاقتصاد الإسلامي من القضايا المثارة والتي تتعدد الآراء فيها، بل قد تتباين دون الدخول في تفصيلات هذه القضية، فأن ما ذكرته من وجود مرحلتين في الاقتصاد الإسلامي يجعلنا نصل إلى رأى في هذه القضية.
إن مرحلة الفقه الاقتصادي لا تخضع لقاعدة التطور الإلغائي الإحلالي، وهذا لا يصادر قدرة الفقه على أن يسع المستجدات بحيث يعطي لها حكمًا، كما لا يصادر قاعدة المرونة التي نتكلم عنها في فقه المعاملات.
أما مرحلة علم الاقتصاد الإسلامي فبسبب أنها تصور عقلي أو استنباط عقلي لما يمكن أن يترتب على هذا الحكم في المتغيرات الاقتصادية، وبسبب أن هذا التصور العقلي الاقتصادي يتأثر بالتطور في الحياة الاقتصادية، وبسبب أن هذا التصور العقلي يتأثر بالمعارف الاقتصادية وتراكمها عند الإنسان، بسبب كل ذلك فإن ما يقال في هذه المرحلة يقبل فيه إعمال التطور الإلغائي الإحلالي والارتقائي، وهذا لا يصادر ثبات الأحكام الفقهية.
خامسًا: الكتب الممثلة للتراث الاقتصادي الإسلامي تثبت أن الاقتصاد الإسلامي ونظامه المالي يتكونان من مرحلتين هما: مرحلة الفقه (الاقتصادي) ومرحلة علم الاقتصاد، كما وصل إلينا من التراث كتب في الفقه، وكتب في (التحليل) الاقتصادي.
سادسًا: التمييز في الكتابة عن الفقه الاقتصادي، والكتابة عن علم الاقتصاد الإسلامي يقدم إجابة عن اعتراض: إن العلم يبنى من نظريات، وهذه النظريات تتطور وتتغير، فهل يقبل القول ببناء الاقتصاد الإسلامي على نظريات من خصائصها الإلغاء والإحلال؟ إن تحديد علم الاقتصاد الإسلامي بأنه تفسير للواقع الاقتصادي يجعله يقبل الفرض كما يجعله يتأسس على النظريات، والتطور في هذا لا يخل بثبات الأحكام التي موضوعها الفقه الاقتصادي وكذلك لا يخل بثبات القيم التي يعتبرها الاقتصاد الإسلامي.
مراجع للاستزادة
١- عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه، دار القلم، الطبعة الحادية عشرة ،١٣٩٧هـ ،١٩٧٧م، ص١١
٢- الإمام محمد بن الحسن الشيباني: الاكتساب في الرزق المستطاب، نشر وتوزيع عبد الهادي صرصوني، دمشق، ١٤٠٠هـ - ١٩٨٠، ص٤٠٤
يوجد ارتباط وثيق بين علم الفقه والاقتصاد الإسلامي، فهما يمثلان وجهين لعملة واحدة، يتناول الأول استنباط الأحكام الشرعية المتعلقة بالمسائل الاقتصادية، في حين يركز الثاني على تحليل الوقائع والمتغيرات الاقتصادية الناتجة عن هذه الأحكام وتأثيراتها، يتميز الفقه بالثبات في أحكامه، بينما يقبل التحليل الاقتصادي التطور والارتقاء ليواكب المستجدات، هذا التمييز يوضح أدوار الفقهاء والاقتصاديين في هذا المجال، ويثبت قدرة الاقتصاد الإسلامي على تقديم حلول عملية للتحديات المعاصرة، مع الحفاظ على قيمه الأصيلة.