منَ المعلوم أنّ الحديثَ المرسلَ من أقسام
الحديثِ الضعيف، حيثُ فقد شرطًا من شروط الصحة، وهو اتّصال السند، ولكن للعلماء مذاهب
في حكمه، وفي الأخذ به.
وقبل بيانِ مذاهب العلماء في الاحتجاجِ بالحديثِ المرسلِ، أو عدم الاحتجاج به نريدُ أن نوضحَ أن منَ الأحاديثِ المرسلة، ما
أرسلها الصحابيّ، ومنها ما أرسلها التابعيّ وهي الأكثر، وسنذكرُ مذاهبَ العلماء فيها،
ولكن في بادِئِ الأمر نوضّحُ حكمَ مراسيل الصحابة:
حكمُ إرسال الصحابة
الأحاديثُ المرسلة التي أرسلها الصحابة في حكم
الأحاديث المتصلة ويحتجُّ بها؛ وذلك لأنّ الصحابةَ - رضوان الله عليهم - إمّا أن يرووا
الأحاديثَ عنِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو عن
الصحابة، وكلهم عدول، فالجهالةُ بأشخاصهم لا تضرّ متى عُرف وصفهم بالصحبة.
ومثالُ مرسل الصحابي: روايتُه لما لم يدركه أو يحضره، كقول
السيدة عائشة - رضي الله عنها -: "أوَّلُ ما بُدِئَ بهِ رسولُ اللهِ - صلى الله
عليه وسلم - منَ الوَحيِ: الرُّؤيا الصَّالحةُ". [صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، حديث رقم:
٣ وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -]، لأنّ السيدة عائشة - رضي الله عنها - لم تحضر بدء الوحي.
ولكنّ بعضَ العلماء رأى خلاف ذلك،
لاحتمال أن يكونوا أخذوا عن بعضِ التابعين، والذي ذهبَ إلى هذا هو أبو إسحاق الإسفرائيني،
والحقيقةُ أنّ روايةَ الصحابة عن غيرهم نادرةٌ، وإذا رووا عن غيرهم بعض الروايات
بينوها، وأكثرُ مروياتهم عنِ التابعين ليست أحاديثَ مرفوعة، وإنما هي حكاياتٌ، أو
موقوفات لا غير.
وأمّا الأحاديثُ المرسلةُ التي أرسلها
التابعون، فمذاهب العلماء في الاحتجاج بها نوضحها فيما يأتي:
حكم إرسال التابعين
الأحاديثُ المرسلةُ التي أرسلها
التابعون، للعلماء فيها مذاهبُ بالنسبة لحكمها، والاحتجاج بها:
أولًا: مذهب الإمام أبي حنيفة وأحمد
ومالك في المشهور عنهما وكثير من الفقهاء بأنّه يحتجّ بها، ودليلُ أصحاب هذا
المذهبِ شهادةُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - للتابعين، وثناؤُه عليهم في قوله: «خيرُ
القُرُونِ قَرْني، ثمَّ الذين يَلُونَهم، ثمَّ الذين يَلُونَهم». رواه البخاري.
[صحيح
البخاري، كتاب الشهادات، حديث (٢٦٥١). وكتاب فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليه
وسلم -، حديث (٣٦٥٠). وكتاب الرقاق، حديث (٦٤٢٨- ٦٤٢٩). وكتاب الأيمان والنذور،
حديث (٦٦٥٨- ٦٦٩٥)].
وأيضًا فإنّ التابعيّ الذي لم يذكرِ الصحابي إن
كان غير عدل بطل الاحتجاج بحديثه لعدم عدالته بالدرجة الأولى، وإن كانَ عدلًا فإنه
لا يحذف اسم الصحابي إلا إذا كان عارفًا أنهُ صحابي، وإلا كان فعله هذا منافيًا
للعدالة، لكنّنا نتساءلُ: إذا كان الأمرُ كذلك فما الذي جعل الراوي الثقة يُرسل
الحديث عن الثقة؟
وللإجابةِ على ذلك نقولُ: إن هناك عدة
احتمالات من أهمها:
أن يكونَ التابعيّ مثلًا سمعَ الحديث عن
عددٍ من الصحابة والحديث صحيح عنده ولكنه أرسلَهُ معتمدًا على صحتِهِ عنهم كما قال
إبراهيم النخعي: ما حدثتك عن ابن مسعود فقد سمعته عن غير واحد، وما
حدثتكم به وسميت فهو عمن سميت.
ويحتملُ أن يكونَ التابعيّ مثلًا نسىَ شخصَ مَن حدّثه،
وعرف المتن فذكر الحديث مرسلًا؛ لأنّهُ معروف أنه لا يروي إلا عن ثقة، كما يحتملُ كذلك أنه لا يقصد التحديث به، وإنما يقصد ذكره على وجه المذاكرة أو نحوها.
ثانيًا: مذهبُ الكثيرين من المحدثين
والفقهاء:
هو أن الحديث المرسل لا يحتج به، وأنه حديث ضعيف
للجهل بحال الراوي المحذوف، فيحتمل أن يكون صحابيًا أو تابعيًا، ويحتمل أن يكون
تابعيًا ثقة أو غير ثقة؛ يقولُ ابن الصلاح: "وما ذكرناه من سقوط
الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماعة حُفاظ الحديث ونقاد
الأثر".
ثالثًا: مذهبُ الشافعي رضي الله عنه:
هو أن الأحاديثَ المرسلة التي أرسلها
كبارُ التابعين حجة إنْ جاءت من وجه آخر ولو مرسلة، أو اعتضدت بقولِ صحابي أو أكثر
العلماء، أو كان المُرسِل لو سَمَّى لا يُسمي إلا ثقة، فحينئذٍ يكونُ مرسله حجة، ولا
يكونُ في رتبة المتصل.
والمقصودُ بكبار التابعين: الذين كانت أكثرُ روايتهم عن الصحابة -
رضي الله عنهم-، وقد نصّ الإمامُ الشافعي على أنّ مرسلات سعيد بن المسيب
حِسَان؛ لأنّهُ تتبعها فوجدها مسندة، وأما مراسيلُ غير كبار التابعين فقد قالَ عنها الشافعيُّ:"
لا أعلمُ أحدًا قبلها".
والمرادُ بهم صغار التابعين الذين كانت
أكثر روايتهم عن غير الصحابة، وحكى ابنُ جرير إجماعَ التابعين بأسرهم على
قبولِ المرسل، وأنهُ لمْ يأتِ عن أحد منهم إنكاره، ولا عنْ أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس
المائتين الذين هم من القرون الفاضلة المشهود لها من الرسول - صلى الله عليه وسلم
- بالخيرية.
وبالغَ بعض القائلين بقبول الحديث
المرسل فقواه على المسنَد - بفتح النون - معللًا ذلك بأنّ من أسند فقد أحالك، ومن
أرسل فقد تكفل لك.
[فتح المغيث جـ١/ص٧٣].
وبعد تفصيلِ القول في بيان حكم الحديث المرسل
وتوضيح قبول بعض العلماء له، واحتجاجهم به نقول:" إن وروده في أقسام الحديث
الضعيف إنما هو موافقة لرأي الأكثرين الذين رأوا أنه قسم من أقسام الضعيف، وقد
اتضحت مذاهب العلماء في الأخذ به.
قبولُ الإمامِ مالك للحديث المرسل: كان الإمامُ مالك - رضي الله عنه - يقبلُ الحديثَ المرسلَ مثله في ذلك مثل أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأكثر فقهاء عصره.
مثالُ المرسل عنده: ما رواهُ في (الموطأ) قال مالك: عن جعفر بن محمد
عن أبيه: "أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بِالْيَمِينِ
وَالشَّاهِدِ". [موطأ
مالك، كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين مع الشاهد] ففي هذا السند جعفر الصادق بن محمد بن
علي زين العابدين، والصحابي ليس موجودًا في السند فهو حديث مرسل، ومع ذلك أخذ به مالك
واعتبره، ومعنى هذا أنه لا يُجيز قبول المرسل مطلقًا؛ بل يُجيز قبول المرسل إذا
كان الإرسال من مثل من قبل منهم، فالعبرةُ عنده بالشخص الذي أرسلَ لا بمطلق الإرسال،
وقبول الإمام مالك والإمام أبي حنيفة للمرسل عندما يكون الذين أرسلوهُ من الثقات.