وقد
استن المحدثون للكتابة آدابًا تحقق الضبط الكامل لما يكتب في الصحف وتكفل سلامة
النصوص، ووضعوا لذلك قواعد وأصولًا ساروا عليها وألزموا الكُتَّاب باتباعها، وإن
كانت الطباعة الحديثة قد أغنت عن كثير منها إلا أنه يلزم معرفتها؛ لتحقق الوثوق
بسلامة النصوص، وللوقوف على طريق القراءة من المخطوطات القديمة، وللاستفادة من
مناهجهم في ضبط النصوص وتحقيقها.
وسأورد
بعض قواعدهم ومصطلحاتهم في ضبط الحديث:
(أ) الاهتمام بضبط الحديث وتحقيقه شكلًا ونقطًا
يؤمن معه اللبس عند الأداء؛ ليؤديه كما سمعه، ولا يعتمد على حفظه ويقظته، فذلك
وخيم العاقبة فإن الإنسان معرض للنسيان.
(ب) العناية بضبط الأسماء خاصة الملتبس
منها؛ لأن الأسماء لا تدرك بالمعنى ولا يدخلها القياس، ولا يستدل عليها من سياق
الكلام.
(ج) صرف العناية إلى ضبط الحروف المهملة
بعلامة تدل على عدم نقطها، وقد وضعوا لذلك اصطلاحات خاصة بذلك تعرف في كتبهم وتؤكد
تحرزهم واحتياطهم عند نقل النصوص.
(د) ضبط الألفاظ المشكلة في متن الكتاب
مع كتابتها في الحاشية وضبطها، فإن ذلك أبلغ وأحوط لسلامة النص.
(هـ) الاعتناء بضبط مختلف الروايات وتمييزها
فيجعل كتابه على رواية معينة ثم ما كان في غيرها من زيادات ألحقها في الحاشية أو
نقص أعلم عليه أو خلاف كَتَبَه معينًا في كل ذلك من رواه بتمام اسمه لا رامزًا إلا
أن يبين رموزه أول الكتاب أو آخره.
(و) تحقيق الخط وتوضيحه وترك السرعة في
الكتابة، وعدم تدقيق الحروف وتصغيرها، وقد قال الإمام أحمد لابن عمه حنبل بن
إسحاق، وقد رآه يدقق الخط: لا تفعل أحوج ما تكون إليه يخونك.
(ز) مقابلة كتابه بالأصل الذي أسمعهم
الشيخ منه حتى يتحقق من سلامة النص ويصلح ما وقع عنده من خطأ، وقد بالغوا في أهمية
ذلك حتى قال عروة بن الزبير لابن هشام: أكتبت؟ قال: نعم. قال: عرضت كتابك؟ قال:
لا. قال: لم تكتب، وقال الأخفش: إذا نسخ الكتاب ولم يعارض ثم نسخ ولم يعارض خرج
أعجميًّا.
(ح) وضع دائرة فارغة تفصل بين كل حديثين
أو بين كل فقرتين حتى لا يختلط الكلام بعضه ببعض.
(ط) المحافظة على ذكر الثناء على الله - سبحانه
وتعالى - كلما ذكر، فيقول - عز وجل - ونحوه، وإن لم يكن في الأصل، والمحافظة على
كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره كل مرة، ولا يرمز إليه
ولا يقتصر على ذكر الصلاة دون التسليم عليه، والترضي والترحم على الصحابة والعلماء
وسائر الأخيار.
(ك) وضع الرموز للألفاظ المتكررة في الإسناد،
فيرمزون إلى (حدثنا) فيقولون: (ثنا)، وإلى (أخبرنا) فيقولون: (نا)، ويكتبون للتحول
من إسناد إلى آخر حرف الحاء المهملة (ح).
ولهم
غير ذلك من القواعد التي وضعوها للحفاظ على سلامة النص حتى إنهم أفردوا ذلك
بمؤلفات خاصة، أهمها: (الكفاية في علم الرواية) للخطيب البغدادي، و(الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع) للقاضي عياض وغيرها.