وتعددت الوسائل التي يسرت لهم تلقي
الحديث، ومنها:
١-مجالس العلم النبوي: وكانت بحسب مقتضيات الحاجة، واستعداد
الحاضرين للتلقي والسماع، قال ابن مسعود - رضي الله عنه - فيما رواه البخاري: "كانَ
النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَتَخَوَّلُنا بالموعظةِ في الأيّامِ، كراهةَ
السَّآمَةِ علينا" [صحيح
البخاري - كتاب العلم - حديث (٦٨)].
وكانت خطبة الجمعة وسيلة للتعليم على
نظام ثابت لا يتخلف.
وكان -صلى الله عليه وسلم- يخص النساء
ببعض مجالس العلم، مع أنهن كن يستمعن لخطبة الجمعة وكثير من مجالس العلم عقب
الصلوات، روى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قالتِ
النِّساءُ للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: غَلَبَنا عليكَ الرِّجالُ، فاجعلْ لنا
يومًا من نفسِكَ، فوَعَدَهنَّ يومًا لَقِيَهُنَّ فيه، فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ،
فكانَ فيما قالَهُ لهنَّ: «ما مِنكُنَّ امرأةٌ تُقَدِّمُ ثلاثةً مِن وَلَدِها
إلّا كانَ لها حِجابًا مِنَ النّارِ»، فقالتِ امرأةٌ: واثنَيْنِ؟ فقالَ:
«واثنَيْنِ» [صحيح
البخاري - كتاب العلم - حديث (١٠٢)].
٢- أسئلة تَرِد عليه فيجيب عليها: روى الشيخان بسنديهما عن أبي موسى
الأشعري - رضي الله عنه - قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-
فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ما القِتالُ في سبيلِ اللهِ؟ فإنَّ أحدَنا يُقاتِلُ
غَضَبًا، ويُقاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إليهِ رأسَهُ، فقالَ: «مَن قاتَلَ
لِتكونَ كَلِمةُ اللهِ هيَ العُليا، فَهُوَ في سَبيلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ» [صحيح البخاري - كتاب العلم -
حديث (١٢٣)، وصحيح مسلم - كتاب الإمارة - حديث (١٩٠٤)].
٣- تصحيح أخطاء وقعت منهم بإرشادهم إلى
الصواب:
روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: تَخَلَّفَ عَنَّا
النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- في سَفْرَةٍ سافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ
أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ... فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى
أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ
النَّارِ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا [صحيح البخاري - كتاب العلم -
حديث (٦٠)، وصحيح مسلم - كتاب الطهارة - حديث (٢٤١)].
وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة - رضي
الله عنه - قالَ: قامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ في المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ
النَّاسُ. فَقالَ لهمُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا
علَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِن مَاءٍ (أي دَلْوًا)، فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ،
ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» [صحيح البخاري - كتاب الوضوء - حديث (٢٢٠)].
وتعاون الصحابة في تلقي الحديث
وتبليغه، فما فات واحدًا أخذه عن طريق من طرق تلقي الحديث، فقد ثبت عن أبي بكر
وعمر وغيرهم طلب سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ممن هي عنده وتثبتهم في ذلك، وكان
لعمر صاحب، وكانا يتناوبان السماع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحضر هذا
يومًا وذاك يومًا، ومن حضر يخبر صاحبه عما فاته من حديث رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- [صحيح
البخاري - كتاب العلم - حديث (٨٩)].
وروى
الحاكم بسند صححه على شرط الشيخين وتابعه الذهبي عن البراء - رضي الله عنه - قال:
ليس كلنا سمع حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن
الناس كانوا لا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد عن الغائب [مستدرك الحاكم - كتاب العلم - ١/١٢٧].
وكيف يكذب راوٍ عن رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- في عهده، والوحي ينزل يكشف كل كذب، ويذكر كل نفاق؟ والسامع يستطيع أن
يتثبت من مصدر الحديث وهو الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
من هنا كانت السنة تنتشر عن طريق
الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعمن يبلغ عنه، حتى إن بعض من أسلم من الصحابة
وغيرهم روى ما تحمله من الحديث حال كفره مما تثبت من حفظه وقت روايته، وذلك كثير
في السنة.
وساعدهم على حفظ الحديث عدة عوامل
منها:
١-أسلوب الرسول -صلى الله عليه وسلم-
في التعليم والإلقاء: فقد كان يعيد الحديث ثلاثًا، وكان كلامه فصلًا يفقهه كل أحد، لم يكن
يسرده سردًا، وقد علم أصحابه التشهد كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وكان يجذب
الانتباه بالسؤال، ويتيح للسامع أن يسأل، ويستخدم وسائل التوضيح كالعد على الأصابع
أو عقد الأصابع بما يدل على العدد، أو الرسم بعصًا على الأرض رسمًا يبين ما يتحدث
عنه بصورة محسوسة، كما استعمل أسلوب التوضيح بالتشبيه والقصص وبيان العلة وتحديد
السبب والفصل بين المتضادين والمقارنة بين الناس في أحوالهم المختلفة.
٢- حبهم للرسول -صلى الله عليه وسلم- وحرصهم
على ما يصدر منه:
روى البخاري بسنده أن عروة بن مسعود
الثقفي قال عنه وعن أصحابه لقريش وقد كان وافدهم: إذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره،
وإذا توضأ كادوا يقتتلون على فضل وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون
إليه النظر تعظيمًا له - وهي شهادة من كافر ليس فيها مبالغة [صحيح البخاري - كتاب الشروط -
حديث (٢٧٣٤)].
وقال عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: "وما كانَ أحَدٌ أَحَبَّ
إِلَيَّ مِن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ولا أَجَلَّ في عَيْنَيَّ منه، وما
كُنتُ أُطِيقُ أن أَملأَ عَيْنَيَّ منه إجلالًا له، ولو سُئِلْتُ أن أَصِفَهُ ما
أَطَقْتُ، لأني لم أكن أَملأُ عَيْنَيَّ منه" [صحيح مسلم - كتاب الإيمان - حديث (١٢١)].
٣- بساطة الحياة وضعف الشواغل عن
الحفظ:
قال ابن عبد البر: "كان العرب قد طُبِعوا على الحفظ، وكان كثير من الصحابة
يكتفي بالسماع مرة واحدة" [جامع
بيان العلم وفضله، لابن عبد البر ١/٦٩].
٤- منزلة السنة من الدين: فهي المبينة للقرآن الكريم، بينت كيفية
الصلاة، ومقادير الزكاة، وأعمال الحج، وكيفية المعاملات الشخصية والاقتصادية
والاجتماعية. قال تعالى: {وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ
ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ} [سورة الحشر - آية (٧)]، و{وَإِن
تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ} [سورة
النور - آية (٥٤)].
فالدين قرآن وسنة، وضياع شيء من السنة
ضياع من الدين، قال تعالى: {إِنَّ عَلَيۡنَا
جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ *
فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ *
ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ} [سورة القيامة - الآيات
(١٧-١٩)].
وأجمع العلماء على أن السنة دين
كالقرآن سواء بسواء مع اختلافهما في بعض الخصائص والمراتب.
٥- اتصال السنة بحياتهم وسريانها في كل
شؤونهم: فهي
تنظم علاقة المؤمن مع ربه وعلاقته مع غيره من الخلق، وهي مع القرآن تمثل الرسالة
التامة العامة التي تشمل العقيدة والشريعة، والقول والعمل، والظاهر والباطن،
يستشعر الناس حاجتهم إليها وعدم استغنائهم عنها، ويرون ارتباطها بحياتهم في جميع
المجالات، ومن ذلك أن "كعب بن مالك وصاحبيه تخلفوا عن غزوة تبوك واعترفوا
بعدم العذر الدافع لهم إلى ذلك، فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس عن
مكالمتهم ومعاملتهم، فاجتنبهم الناس خمسين ليلة حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت،
وضاقت عليهم أنفسهم، ثم نزل القرآن بالتوبة عليهم" [صحيح البخاري - كتاب المغازي - حديث
(٤٤١٨)].
واستشفع كبار من قريش في دفع الحد عن
سارقة فقال -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لو أنَّ فاطِمَةَ
بنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ المَرْأَةِ
فَقُطِعَتْ يَدُهَا
[صحيح البخاري - كتاب المغازي - حديث (٤٣٠٤)، وصحيح مسلم - كتاب الحدود - حديث
(١٦٨٨)]».
٦- وجوب تعلم السنة وتعليمها ونشرها
وتبليغها:
فلم يكن أمر حفظ السنة ونشرها موكولًا إلى اختيارهم بل كان تكليفًا دينيًا لازمًا
لهم، قال تعالى: {كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ
رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ
وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ
تَعۡلَمُونَ} [سورة البقرة - آية ١٥١].
والتعليم إلزام للمتعلم وتحميل
لمسؤولية التبليغ.
من
هنا لزم من عنده فراغ من الصحابة أن يجالس الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليسمع
العلم ويتحمله قال تعالى: {فَلَوۡلَا نَفَرَ
مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ
وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ} [سورة التوبة - آية ١٢٢].
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - كما
في الدر المنثور [الدر
المنثور، للسيوطي ٣/٥٢١]: "ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا النبي -صلى الله
عليه وسلم- وحده، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة؟ يعني عصبة، فإذا رجعت وقد نزل
قرآن أو صدر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديث تعلمه القاعدون من النبي -صلى
الله عليه وسلم-، يتعلمون ما أنزل على نبيه (وما صدر منه) ويعلمونه السرايا إذا
رجعت إليهم".
وقد يتفرغ أناس لطلب العلم ثم يعودون
إلى قومهم بما تعلموه، كما حدث من الوفود التي كانت تفد إلى رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-.
إن العلم الديني ليس لحامله بل لكل من
يمكن أن يصل إليه، وكتمانه شر وظلم. قال تعالى: {إِنَّ
ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ
بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ
ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ *
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ} [سورة البقرة - الآيتان (١٥٩-١٦٠)]. وقال: {وَإِذۡ
أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ
لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ} [سورة آل عمران - آية (١٨٧)].
وفي حديث صحيح: «مَن سُئِلَ عن
عِلْمٍ فَكَتَمَه، أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِن نَارٍ» [سنن الترمذي - كتاب العلم - حديث (٢٦٤٩)،
وسنن ابن ماجه - المقدمة - حديث (٢٦٠)، ومستدرك الحاكم - كتاب العلم ١/١٠١،
والمعجم الكبير للطبراني ١١/١٤٥ - حديث (١١٣١٠)].
وقال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه
البخاري: «ألا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنكُمُ الغَائِبَ» [صحيح البخاري - كتاب العلم -
حديث (١٠٥)].
وقال أيضًا - فيما رواه البخاري: «بَلِّغُوا
عَنِّي وَلَوْ آيَةً» [صحيح
البخاري - كتاب أحاديث الأنبياء - حديث (٣٤٦١)].
وقال لوفد الشباب - فيما رواه البخاري:
«ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ» [صحيح البخاري - كتاب الأدب - حديث (٦٠٠٨)].
وقال - فيما رواه أبو داود، والترمذي
وقال: حسن صحيح، وابن ماجه: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا
فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» [سنن أبي داود - كتاب العلم -
حديث (٣٦٦٠)، وسنن الترمذي - كتاب العلم - حديث (٢٦٥٧)، وسنن ابن ماجه - المقدمة -
حديث (٢٤٦)، وراجع المستدرك ١/٨٧-٨٨].
وانتشرت السنة إلى الآفاق في عهد رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- عن طريق ولاته ورسله وقادة جيوشه ومن وفد عليه، ثم اتسع
ذلك بعده على يد الصحابة في جميع الأقطار.
قال الحاكم النيسابوري: فمن مشاهير
الصحابة بمكة: عبد الله بن السائب، وعثمان بن طلحة، وابن عباس، وكان بالكوفة: علي،
وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والنعمان بن بشير، وكان بمصر: عبد الله
بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهني، وكان بالبصرة: أنس بن مالك، وعمران بن
حصين، وأبو برزة الأسلمي، وكان بالشام: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وشُرَحْبِيل بن
حَسَنة - رضي الله عنهم أجمعين - [معرفة
علوم الحديث، للحاكم النيسابوري ص ١٩٠-١٩٤، واقتصرنا على من ذُكر].
هذا وكانت المدينة مجمع الصحابة في عهد
عمر بن الخطاب وما تلاه، واشتهر بها عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد
الخدري - رضي الله عنهم -.
وكان الاتصال بين هذه المدارس ميسورًا،
وكان أهل العلم إذا نزلوا ببلد رجعوا إلى الصحابة للتثبت والاستزادة مما عندهم من
العلم، ومن نماذج ذلك ما ذكره الحاكم في (معرفة علوم الحديث)، عن أبي أيوب
الأنصاري أنه رحل من المدينة إلى عقبة بن عامر بمصر، فقال له عقبة: ما
جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يبق
أحد ممن سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غيري وغيرك في "سَتْرِ
المُؤْمِنِ"، قالَ عُقْبَةُ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه
وسلم- يَقُولُ: «مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى خِزْيَةٍ،
سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
قال الحاكم: فهذا أبو أيوب، على تقدم
صحبته وكثرة سماعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، رحل إلى صحابي من أقرانه في
حديث واحد، لو اقتصر على سماعه من بعض أصحابه لأمكنه [المرجع السابق ص ٩، وراجع: جامع بيان
العلم وفضله - لابن عبد البر ١/٩٤].
ونتساءل: أكانت رحلة أبي أيوب ليستوثق
من حفظه الحديث، أم ليتأكد من حفظ رفيقه ليكون كل منهما سندًا لأخيه عند التثبت؟
وقال مسروق: جالست أصحاب محمد -صلى الله عليه
وسلم- فوجدتهم كالإخاذ (الغدير)، فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين،
والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم،
وكان مسروق رحالة في طلب العلم.
وقال أحمد: كان علقمة والأسود يبلغهما
الحديث عن عمر فلا يقنعهما حتى يخرجا إليه فيسمعانه منه.
وكان للرحلة أثر كبير في التثبت من
الروايات وبخاصة عند التشكك في لفظة أو جملة.
وفي مواجهة البدع والانحرافات، روى
مسلم بسنده عن يزيد الفقير قال: "كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجت في
عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس، فمررنا بالمدينة فإذا جابر بن
عبد الله - رضي الله عنهما - يحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا هو
قد ذكر الجهنميين (الذين يخرجون من جهنم بالشفاعة من المسلمين) فقلت له: يا صاحب
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: {إِنَّكَ
مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ} [سورة آل عمران - آية (١٩٢)]، ويقول: {كُلَّمَآ
أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ
أُعِيدُواْ فِيهَا} [سورة السجدة - آية (٢٠)]، فَما هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟
فَقَالَ: أَتَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ
مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- (المَقَامِ المَحْمُودِ)؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ:
فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- المَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ
اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، قَالَ: فَرَجَعْنَا
فَقُلْنَا: وَيْحَكُمْ، أَتَرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى
الله عليه وسلم؟ فَلا وَاللهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ" [صحيح مسلم - كتاب الإيمان -
حديث (١٩١)].
ووقع من ابن عمر ما يشبه ذلك عن
القدرية، حيث قال: "إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي
يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله
منه، حتى يؤمن بالقدر، وروى حديث الإيمان، وكانوا يقولون: لا قدر، وأن الأمر أُنُف" [صحيح مسلم - كتاب الإيمان -
حديث (٨)].
وأثمرت مدارس الحديث أئمة الحديث من التابعين فمن
بعدهم إلى الآن.