Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

كتابَة الحَديثِ وَضبطها

الكاتب

هيئة التحرير

كتابَة الحَديثِ وَضبطها

كان العرب في الجاهلية أُميين في غالبيتهم، لكنهم تمتعوا بملكة حفظ قوية، ومع مجيء الإسلام، ارتفع شأن العلم والكتابة بشكل كبير، إلا أن كتابة الأحاديث النبوية لم تكن منتشرة في بداية الأمر بسبب قوة الحفظ والنهي عنها خشية اختلاطها بالقرآن، ثم نسخ هذا النهي وأجمعت الأمة لاحقًا على جواز كتابة الحديث.

حال العرب في القراءة والكتابة

كان العرب في جملتهم قومًا أُميين لا يعرف القراءة والكتابة منهم إلا القليل، وقد وصفهم الله تبارك وتعالى بالأميين في القرآن فقال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِی بَعَثَ فِی ٱلۡأُمِّیِّۦنَ رَسُولࣰا مِّنۡهُمۡ...﴾. الآية [الجمعة: ٢]. وقد ساعدهم ذلك في تنمية ملكة الحفظ عندهم، والملكة متى استعملت عظُمت ونمت فكانوا يحفظون أشعارهم وأنسابهم ومفاخرهم، فكان العرب من أحفظ الأمم التي عرفها التاريخ.

اهتمام الإسلام بالعلم ورفع شأنه

لمَّا أرسل الله نبيه- صلى الله عليه وسلم - كان أول ما أنزل عليه: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، فرفع الإسلام قدر العلم وجعل طلبه فريضة وأعلى شأن العلماء، وكانت عناية النبي- صلى الله عليه وسلم -  بتعليم أمته شديدة فحثهم على طلبه ورغبهم فيه حتى إنه جعل فداء الأسرى الذين يجيدون القراءة والكتابة ولا يملكون مالًا في غزوة بدر أن يقوم الواحد منهم بتعليم عشرة من صبيان المسلمين القراءة والكتابة.

كتابة الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

واتخذ النبي – صلى الله عليه وسلم - كُتابًا يكتبون له المعاهدات والمواثيق والرسائل التي يوجهها إلى الملوك والحكام، كما يكتبون بين يديه ما ينزل عليه من قرآن، ومن ثم انتشرت الكتابة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكثر الكاتبون.

ولم تكن الأحاديث النبوية جميعها مدونة في ذلك العصر بل كانوا يسمعون كلام النبي – صلى الله عليه وسلم - ويحفظونه ويعملون به، وكان لذلك سببان:

 الأول: أنهم كانوا يعتمدون على قوة حفظهم وسيلان أذهانهم مع قلة الكُتاب بينهم وصعوبة توفر أدوات الكتابة.

الثاني: الأحاديث الواردة في النهى عن كتابة الحديث، ومن أصحها:

(أ) حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تَكْتُبُوا عَنِّي، ومَن كَتَبَ عَنِّي غيرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ». [مسلم:  ٣٠٠٤]، وهذا أصح ما ورد في هذا الباب.

(ب) وعنه قال: «جَهَدْنَا بالنَّبِيِّ أنْ يَأْذَنَ لَنَا في الكِتابِ فَأَبَى» [الإلماع، للقاضي عياض، ص ٢٨، تقييد العلم، للخطيب البغدادي، ص ٣٢، ٣٣]، وفي رواية قال: استأذنّا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في الكتابةِ فلمْ يأذنْ لنا [نفس المرجع السابق.].

(ج) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ونحن نَكْتُبُ الأحاديثَ، فقال: «ما هذا الذي تَكْتُبُون؟» قلنا: أحاديثُ نَسْمَعُها مِنك. قال: «أَكِتابٌ غَيْرُ كِتابِ اللَّهِ؟ أَتَدْرُون؟ ما ضَلَّتِ الأُمَمُ قَبْلَكُم إلّا بِما كَتَبُوا مِنَ الكُتُبِ مَعَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى». [تقييد العلم، ص ٤٣].

وهناك أحاديث أخرى ولكن أسانيدها لا تخلو من مقال، وبالمقابل وردت أحاديث تبيح الكتابة، ومن أهمها:

(أ) حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قال: كُنتُ أكتُبُ كُلَّ شَيءٍ سمَعته مِن رَسولِ اللَّهِ - صلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ - أُريدُ حِفظَه، فنَهَتْني قُرَيشٌ، وقالوا: أتَكتُبُ كُلَّ شَيءٍ تَسمَعُه مِن رَسولِ اللَّهِ - صلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ - ورَسولُ اللَّهِ - صلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ - بَشَرٌ يَتكَلَّمُ في الغَضَبِ والرِّضا؟ فأمسَكتُ عنِ الكِتابة، فذَكَرتُ ذلك لِرَسولِ اللَّهِ -صلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- فأومَأ بإصبَعِه إلى فيهِ، فقال: «اكتُبْ، فوالذي نَفْسي بيَدِه، ما يَخرُجُ منه إلّا الحَقٌّ». [أبو داود: ٣٦٤٦].

(ب) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما فتح مكة قال: «اكتُبوا لأبي شاهٍ».[البخاري: ١٣٥٥]

(ج) قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : لَمّا اشْتَدَّ بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وجَعُهُ قالَ: «ائْتُونِي بكِتابٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ». [البخاري: ١١٤، مسلم: ١٦٣٧].

التوفيق بين أحاديث النهي والإذن لكتابة الحديث النبوي

وقد حاول العلماء أن يجمعوا بين هذه الأحاديث فذكروا خمسة أوجه للجمع:

الوجه الأول: الطعن في أحاديث النهي عن الكتابة، والقول بأن حديث أبي سعيد موقوف عليه، فلا يصلح للاحتجاج به، ويروى هذا عن البخاري وغيره، وهذا خطأ؛ لأن حديث أبي سعيد صحيح ثابت عند الإمام مسلم.

الوجه الثاني: أن النهي كان عن كتابة غير القرآن مع القرآن في صحيفة واحدة، والإذن كان بكتابة ذلك متفرقًا حتى يؤمن الالتباس.

الوجه الثالث: أن النهي في حق من وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتاب، وأن الإذن في حق من لا يوثق في حفظه كأبي شاه.

الوجه الرابع: أن يكون النهي عامًّا والإذن خاصًّا بمن كان قارئًا كاتبًا لا يخطئ ولا يُخشى عليه الغلط.

الوجه الخامس: أن النهي كان في أول الإسلام خشية أن يختلط الحديث بالقرآن، فلما عرف المسلمون القرآن وحفظوه وميزوه عن الحديث زال هذا الخوف، فنسخ النهي وصار الأمر إلى الجواز.

قال ابن قتيبة: هذا من منسوخ السنة بالسنة، كأنه نهى في أول الأمر أن يكتب قوله ثم رأى بعد لما علم أن السنن تكثر وتفوت الحفظ أن تكتب وتقيد. [تأويل مختلف الحديث: ص ٢٨٦].

وقال الخطابي: يشبه أن يكون النهي متقدمًا وآخر الأمرين الإباحة.

وقد قيل: إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ، فأما أن يكون نفس الكتاب محظورًا وتقييد العلم بالخط منهيًا عنه فلا. [معالم السنن: ٥/٢٤٦]

وقد ذهب إلى هذا القول جمهور العلماء، وردوا حديث أبي سعيد رضي الله عنه بكونه منسوخا، وأنه كان في أول الأمر حين خيف اشتغالهم عن القرآن وحين خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن، وحديث أبي شاهٍ في أواخر حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وكذلك إخبار أبي هريرة وهو متأخر الإسلام أن عبد الله بن عمرو كان يكتب وأنه هو لم يكن يكتب يدل على أن عبد الله كان يكتب بعد إسلام أبي هريرة، ولو كان حديث أبي سعيد في النهي متأخرًا عن هذه الأحاديث في الإذن والجواز لعرف ذلك عند الصحابة يقينًا صريحًا.

فهذه أقوى الطرق في الجمع بين الأحاديث، أصحها هو الوجه الأخير.

فيمكن أن يقال: إن النبي نهاهم في بداية الأمر عن كتابة القرآن والحديث معًا في صحيفة واحدة؛ خشية الغلط والاختلاط وخشية انشغالهم عن كتابة القرآن خاصة مع قلة الكتاب منهم وقلة أدوات الكتابة، ولكن أذن في ذلك لمن وثق به، فلما حفظ المسلمون القرآن، وميزوه عن الحديث، وكثر الكتاب زالت علة النهي، فأباح الكتابة.

وإعمال النصوص جميعًا أولى من إهمالها، والجمع مقدم على الترجيح، كما هو معروف عند الأصوليين، تبعًا لاختلاف هذه النصوص، وتنوع الآراء في فهمها والجمع بينها.

موقف السلف من كتابة الحديث

اختلف السلف في حكم الكتابة على ثلاثة مذاهب:

 المذهب الأول: القائلون بكراهة كتابة العلم مطلقًا، ومن أشهر القائلين بذلك: أبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - والشعبي، ويونس بن عبيد، وغيرهم.

 المذهب الثاني: القائلون بإباحة الكتابة، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين، ومن أشهر القائلين بذلك: عمر، وعلي، وعبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وسمرة بن جندب - رضي الله عنهم - وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم.

 المذهب الثالث: جواز الكتابة لضرورة الحفظ مع وجوب محوها بعد الحفظ، حكاه الرامهرمزي، ولم يذكر القائلين به.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الخلاف قد انتهى وزال، واجتمعت الأمة على جواز الكتابة.

 قال ابن الصلاح: "ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة".

وقال النووي بعد حكاية الخلاف: "ثم أجمعوا على جوازها".

 وقال ابن كثير: "وقد حكى إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث وهذا أمر مستفيض ذائع من غير نكير".

ضبط الحديث

حرص المسلمون على حفظ الحديث ونقله وضبطه منذ الصدر الأول، ولم يكن ذلك اتفاقًا وإنما كان وفق قواعد علمية واضحة استنبطوها بعقولهم ثم دونوها في صحائفهم وتعاملوا مع النصوص من خلالها، فلم يترك العلماء شيئًا يتعلق بالحديث إلا بينوه ودونوه حتى قال بعض العلماء: "لقد نضجت علوم الحديث حتى احترقت لكثرة ما قدمها العلماء واعتنوا بها".

قواعد العلماء في ضبط الحديث

وقد استن المحدثون للكتابة آدابًا تحقق الضبط الكامل لما يكتب في الصحف وتكفل سلامة النصوص، ووضعوا لذلك قواعد وأصولًا ساروا عليها وألزموا الكُتَّاب باتباعها، وإن كانت الطباعة الحديثة قد أغنت عن كثير منها إلا أنه يلزم معرفتها؛ لتحقق الوثوق بسلامة النصوص، وللوقوف على طريق القراءة من المخطوطات القديمة، وللاستفادة من مناهجهم في ضبط النصوص وتحقيقها.

وسأورد بعض قواعدهم ومصطلحاتهم في ضبط الحديث:

 (أ) الاهتمام بضبط الحديث وتحقيقه شكلًا ونقطًا يؤمن معه اللبس عند الأداء؛ ليؤديه كما سمعه، ولا يعتمد على حفظه ويقظته، فذلك وخيم العاقبة فإن الإنسان معرض للنسيان.

(ب) العناية بضبط الأسماء خاصة الملتبس منها؛ لأن الأسماء لا تدرك بالمعنى ولا يدخلها القياس، ولا يستدل عليها من سياق الكلام.

(ج) صرف العناية إلى ضبط الحروف المهملة بعلامة تدل على عدم نقطها، وقد وضعوا لذلك اصطلاحات خاصة بذلك تعرف في كتبهم وتؤكد تحرزهم واحتياطهم عند نقل النصوص.

(د) ضبط الألفاظ المشكلة في متن الكتاب مع كتابتها في الحاشية وضبطها، فإن ذلك أبلغ وأحوط لسلامة النص.

(هـ) الاعتناء بضبط مختلف الروايات وتمييزها فيجعل كتابه على رواية معينة ثم ما كان في غيرها من زيادات ألحقها في الحاشية أو نقص أعلم عليه أو خلاف كَتَبَه معينًا في كل ذلك من رواه بتمام اسمه لا رامزًا إلا أن يبين رموزه أول الكتاب أو آخره.

(و) تحقيق الخط وتوضيحه وترك السرعة في الكتابة، وعدم تدقيق الحروف وتصغيرها، وقد قال الإمام أحمد لابن عمه حنبل بن إسحاق، وقد رآه يدقق الخط: لا تفعل أحوج ما تكون إليه يخونك.

(ز) مقابلة كتابه بالأصل الذي أسمعهم الشيخ منه حتى يتحقق من سلامة النص ويصلح ما وقع عنده من خطأ، وقد بالغوا في أهمية ذلك حتى قال عروة بن الزبير لابن هشام: أكتبت؟ قال: نعم. قال: عرضت كتابك؟ قال: لا. قال: لم تكتب، وقال الأخفش: إذا نسخ الكتاب ولم يعارض ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميًّا.

(ح) وضع دائرة فارغة تفصل بين كل حديثين أو بين كل فقرتين حتى لا يختلط الكلام بعضه ببعض.

(ط) المحافظة على ذكر الثناء على الله - سبحانه وتعالى - كلما ذكر، فيقول - عز وجل - ونحوه، وإن لم يكن في الأصل، والمحافظة على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره كل مرة، ولا يرمز إليه ولا يقتصر على ذكر الصلاة دون التسليم عليه، والترضي والترحم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار.

(ك) وضع الرموز للألفاظ المتكررة في الإسناد، فيرمزون إلى (حدثنا) فيقولون: (ثنا)، وإلى (أخبرنا) فيقولون: (نا)، ويكتبون للتحول من إسناد إلى آخر حرف الحاء المهملة (ح).

ولهم غير ذلك من القواعد التي وضعوها للحفاظ على سلامة النص حتى إنهم أفردوا ذلك بمؤلفات خاصة، أهمها: (الكفاية في علم الرواية) للخطيب البغدادي، و(الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع) للقاضي عياض وغيرها.

الخلاصة

كان غالب العرب قبل الإسلام أميين، لكنهم تمتعوا بحافظة قوية، فحفظوا الشعر والأنساب، فلما جاء الإسلام رفع شأن العلم، واهتم النبي -صلى الله عليه وسلم- بتعليم الأمة، فانتشرت الكتابة في عهده، ورغم ذلك لم تُكتب الأحاديث - أولًا - بسبب قوة الحفظ والنهي الوارد عن كتابتها خشية اختلاطها بالقرآن ثم جاءت أحاديث تبيح الكتابة، واختلف السلف في حكم كتابة الحديث، ثم زال الخلاف وأجمعت الأمة على الجواز.

موضوعات ذات صلة

شاءت العناية الربانية أن يُصان الدين بنور السنة، فنهض التابعون وأتباعهم خير خلف لخير سلف، يحملون إرث النبوة بصدق وأمانة.

تُعد الصحف الحديثية كنوزًا علمية حفظت لنا السنة النبوية المطهرة عبر العصور.

نشأت عناية المحدثين بعلامات الضبط، لتبقى كلمات النبي -صلى الله عليه وسلم- نقية من التحريف والتصحيف.

موضوعات مختارة