المحراب هو عنصر معماري وروحي هام في المساجد الإسلامية، يعبر عن اتجاه القبلة ومكان إقامة الصلاة. يتناول هذا المقال أصل المحراب، تطوره، ودوره الفريد في التاريخ والعمارة الإسلامية.
المحراب هو عنصر معماري وروحي هام في المساجد الإسلامية، يعبر عن اتجاه القبلة ومكان إقامة الصلاة. يتناول هذا المقال أصل المحراب، تطوره، ودوره الفريد في التاريخ والعمارة الإسلامية.
لغةً: الغرفة، وصدر البيت، أو المجلس، وأكرم موضع فيه، والموضع الذي ينفرد فيه الملك فيتباعد عن الناس. [لسان العرب].
وجاءت اللفظة في القرآن الكريم بصيغة المفرد في قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ} [آل عمران: ٣٧]. وكذلك في [آل عمران: ٣٩]، [مريم: ١١]، ومعنى المحراب هنا: الحجرة التي في مقدمة المعبد.
وجاءت اللفظة بصيغة الجمع (محاريب) في قوله تعالى: {يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ} [سبأ: ١٣]، وفسرت المحاريب في هذه الآية بالقصور، والمساجد يتعبد فيها.
واصطلاحًا: علامة القبلة في جدار المسجد، وجرت العادة أن تكون في وسط جدار القبلة.
وكانت القبلة عند بناء مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة أولًا في الجدار الشمالى نحو المسجد الأقصي، ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة الثامنة من الهجرة أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، ومن ثم نقلت القبلة من الجدار الشمالي إلى الجدار الجنوبي، وهكذا صارت قبلة جميع المساجد في الجدار الموجه نحو المسجد الحرام في مكة المكرمة، يقول الله تعالى: {قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ} [البقرة: ١٤٤].
ولم يكن المحراب في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مجوفًا، بل كان مسطحًا تسطح الجدار نفسه، ولكنه كان محددًا ومعلمًا، وظل في مكانه بعد توسعة المسجد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة بعد الهجرة، وكان من جراء ذلك أن صار أقرب إلى الجدار الشرقي منه إلى الجدار الغربي، وذلك لأن توسعة المسجد نحو الغرب كانت أطول من توسعته نحو الشرق.
وفي خلافة عمر بن الخطاب نقل جدار القبلة نحو الجنوب بمقدار خمسة أمتار تقريبًا، ومن ثم نقل مكان المحراب إلى الجدار الجديد، ولكن على نفس المحور.
وحدث الشيء نفسه في خلافة عثمان بن عفان حين نقل جدار القبلة إلى الجنوب نحو خمسة أمتار أخري، وبذلك صار في موضعه الحالي.
ومع ذلك فقد ظل مكان محراب النبي صلى الله عليه وسلم الأول موضع حفاوة المسلمين الذين يحرصون على الصلاة والدعاء أمامه، وقد أقيم في المكان نفسه محراب بعيد عن الجدار الحالي علي يد السلطان المملوكي قايتباي.
وقد ظل المحراب مسطحا إلى أن أجرى الوليد بن عبد الملك عمارته في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم سنة ٨٨هـ، حين أمر بإعادة بنائه، وتجديده تجديدًا شاملًا، ففي هذه العمارة أدخلت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وحدة معمارية جديدة هي المحراب المجوف، وكان ذلك إيذانًا بانتشاره بعد ذلك في المساجد.
وقيل بشأن الحكمة من المحراب المجوف: أنه يفيد في تعيين اتجاه القبلة، وفي تحديد مكان الإمام عند الصلاة، وفي توسيع طاقة المسجد بما يقرب من صف من المصلين في الصلاة الجامعة ويساعد على تجميع صوت الإمام وتكبيره، وإيصاله للمصلين الذين يوليهم ظهره أثناء الصلاة، لا سيما قبل اختراع مكبرات الصوت.
ونال المحراب عناية مؤسسي المساجد الجامعة من حيث العمارة والزخرفة، وإقامة المنبر إلى يمينه، وتزويده بمقصورة، والحفاوة بالبلاطة التي تليه، التي عرفت ببلاطة المحراب، وبالبلاطة المؤدية إليه من الصحن والتي أطلق عليها أحيانا المجاز القاطع.
وكان المحراب في بعض الأحيان يكتنفه عمودان من الرخام يحملان عقدًا، ويسقف أعلاه بنصف قبة تعرف بطاقية المحراب كانت تزين بالمقرنصات، وقد يكسى المحراب، بالجص المزخرف بالحفر البارز والغائر، أو بالرخام والمرمر، أو ببلاطات القاشاني، أو بالفسيفساء الرخامية أو الخزفية أو الزجاجية المشكلة بالحليات الهندسية والنباتية المحورة، وكان يكرم بالآيات القرآنية المناسبة لوظيفته.
وتتعدد المحاريب في بعض المساجد، ومن ذلك مسجد أحمد بن طولون بالقاهرة، إذ يشتمل على خمسة محاريب بالإضافة إلى المحراب الرئيسي في منتصف جدار القبلة، ومن هذه المحاريب أربعة محاريب مسطحة من الجص على بعض دعائم المسجد في رواق القبلة.
هذا، ولم تقتصر المحاريب علي المساجد بل وجدت أيضًا في الخانقاوات والمدارس والأضرحة وغيرها من الأماكن التي تقام بها الصلاة، أو يحتاج فيها إلى تعيين موضع القبلة.
إضافة إلى ذلك عرفت محاريب غير ثابتة يمكن نقلها من مكان إلى آخر عند الضرورة، فمثلًا في فصل الصيف الحار كانت تنقل إلى صحن المسجد، وكانت هذه المحاريب تصنع من الخشب، وكان يعتني بزخرفتها، ومن أمثلة هذه المحاريب محراب السيدة رقية بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة ٥٣٣هـ.
هذا، واستخدم شكل المحراب عنصرًا زخرفيًا في العمارة الإسلامية ولا سيما في المقرنصات.
وليس من شك في أن المحاريب تعد من أقيم الآثار الإسلامية سواء من حيث القيمة الروحية، أو من حيث الأهمية المعمارية والزخرفية، ومن المحاريب التي تتمثل فيها أساليبب العمارة والزخرفة الإسلامية:
- محراب قبة المنصور قلاوون بشارع المعز لدين الله بالقاهرة.
- محراب الجامع الأزرق بشارع باب الوزير بالقاهرة.
- محراب مسجد ابن طولون بالقاهرة.
- محراب مدرسة قجماس الإسحاقي بشارع الدرب الأحمر بالقاهرة.
- محراب جامع محمد علي بقلعة صلاح الدين بالقاهرة.
- محراب مسجد نابين بإيران (من القرن الرابع الهجري).
- محراب مسجد ميدان في قاشان بإيران.
- محراب ضريح بابا قاسم في أصفهان بإيران.
- محراب المسجد الجامع بصنعاء اليمن.
- محراب جامع قرطبة من عهد الخليفة الحاكم.
مراجع الاستزادة:
١ - تاريخ المساجد الأثرية، حسن عبد الوهاب.
٢ - موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية.
المحراب هو موضع محدد في جدار القبلة بالمساجد يعين اتجاه الصلاة ويتميز بأهمية دينية ومعمارية عميقة. تطور المحراب من كونه مسطحاً إلى تصميمه المجوف الذي يعزز الصوت ويوجه المصلين، ولاقى عناية كبيرة في العمارة والزخرفة الإسلامية. وانتشر استخدام المحاريب في المساجد وغيرها من الأماكن الدينية، مع تقديم نماذج بارزة تعكس التراث الإسلامي وفنونه.