التأليف هو فن جمع العلماء والعلم في صورة تبرز الإبداع والتجديد، ولا على سرد النصوص التعاقدية. نتعمق في هذا المقال في تعريف التأليف وفرقته عن التحقيق والترجمة، ونستعرض أهم مراحل وأشكال التأليف عبر التاريخ العربي.
التأليف هو فن جمع العلماء والعلم في صورة تبرز الإبداع والتجديد، ولا على سرد النصوص التعاقدية. نتعمق في هذا المقال في تعريف التأليف وفرقته عن التحقيق والترجمة، ونستعرض أهم مراحل وأشكال التأليف عبر التاريخ العربي.
لغةً: هو جمع الشيء إلى نظيره تقول: ألفت بين الشيئين تأليفا فتألفا وائتلفا [الصحاح للجوهري - تحقيق أحمد عبد الغفور عطار - دار الكتاب العربي - سنة ١٣٧٧هـ ص١٣٣٢.].
وتقول: تألف القوم وائتلفوا أي اجتمعوا [القاموس المحيط للفيروز بادي المكتبة التجارية بالقاهرة ط٥ سنة ١٩٥٤م ٣/ ١١٨.].
واصطلاحًا: جمع مسائل علم في كتاب [محيط المحيط بطرس البستاني بيروت مكتبة لبنان سنة ١٩٧٧م ص١٤.] -، وهو مأخوذ من الألفة ومن الاجتماع أيضا، وقد يطلق اللفظ على المؤلف، وقد يسمى التأليف تصنيفا، ويسمى الكتاب المؤلف مصنفا.
والمؤلف صاحب رسالة يريد أن ينقلها إلى القارئ ولذا فإن الاقتصار على سرد الآراء وجمع النصوص المتعلقة بموضوع معين لا يعد تأليفا، لأنه لا يضيف فكرا جديدا.
كذلك فإن تحقيق النصوص القديمة وترجمة النصوص الأجنبية لا يسمى تأليفا [وكذلك الحال في الموسوعات، فالأصل فيها أن تفتت المعرفة إلى أبسط جزئياتها، وأن يعهد بكل جزئية إلى أحد المتخصصين لكى يكتب عنها، ومن ثم فان مؤلفي الموسوعة قد يصلون إلى مئات لا يذكر أي منهم في صفحة العنوان، وإنما الذي يذكر هو المحرر أو المحررون الذين أشرفوا على توزيع المواد على المتخصصين وعلى إصدار الموسوعة] لأن الفكرة الأصلية والإضافة الحقيقية هي لمؤلف النص الأصلي وليست للمحقق أو المترجم، ويقاس على هذا القوائم الببليوجرافية التي تحصى المؤلفات في موضوع معين، فإن القائم بها لا يعد مؤلفا وإنما جامعا. ولهذا نقول: إعداد فلان، ولا نقول: تأليف فلان.
ولعل هذا هو ما يفسر لنا ظهور مصطلح «السرقات الأدبية» في تراثنا الأدبي وظهور مصطلح "حق التأليف" وقوانين حماية حق المؤلف أو حق الملكية الفكرية في العصر الحديث، صيانة لثمرات العقول من أن تستباح فسرقة الأفكار، لا تقل شناعة عن سرقة المتاع.
والمؤلف - عادة - يجمع مادته العلمية من مصادرها المختلفة ويحللها ويناقشها، -(ويستثنى من ذلك الأعمال الفنية؛ كاللوحات المرسومة، والقطع الموسيقية، وفنون القول من شعر وقصة ورواية ومسرحية فليس مطلوبا من صاحبها أن يبنى على جهود سابقيه، وإنما المطلوب منه أن يبدع شيئا جديدا يختلف عما سبقه، ولهذا لا تختلف نصوص أي رواية أو ديوان شعر باختلاف الطبعات)- ويكتبها في صورة مبدئية تسمى "المسودة" وهذه المسودة تخضع للتغيير والتبديل والتقديم والتأخير والحذف والإضافة حتى إذا استقر صاحبها على الصيغة التي يرتضيها، بيضها في صورة نهائية ينشرها على الناس. وقد يعيد المؤلف النظر فيما كتب، وقد يعدل عن بعض آرائه فيصدر من كتابه إصدارة جديدة أو طبعة جديدة يصفها بأنها "مزيدة ومنقحة" وتلك ظاهرة صحية لا تعيب المؤلف وإنما تحسب له وتغلي من قدره وتدل على ما يتصف به فكره من تطور ونضج ونماء، وأمانة أيضا.
وفي العصور القديمة كان الإملاء إحدى طرق التأليف وكان العالم يجلس في المسجد أو أي مكان عام ومن حوله تلاميذه ومريدوه، يكتبون عنه ما يمليه فالسيوطي يذكر أن الإملاء كان أعظم وظائف الحفاظ من أهل الحديث [المزهر في علوم اللغة. جلال الدين السيوطي. تحقيق أحمد جاد المولى، وعلي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم - دار إحياء الكتب العربية]، وابن النديم يذكر أن ابن الأعرابي "أملى على الناس ما يحمل على أجمال " [الفهرست. محمد بن إسحاق النديم المكتبة التجارية سنة ١٣٤٨هـ، ص١٠٣]
وتراثنا العربي يحفل بكتب كثيرة تحمل في عناوينها كلمة "الأمالي" أو "المجالس" وقد أحصاها حاجي خليفة في كتابه "كشف الظنون" ومِن بعده إسماعيل البغدادي في "إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون" وأشهرها أمالي أبى علي القالي ومجلس ثعلب.
وقد انتشرت مجالس الإملاء في الحواضر الإسلامية خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين وتحدث الخطيب البغدادي في مواضع متفرقة من "تاريخ بغداد" عن تلك المجالس [انظر على سبيل المثال:٣/ ٢٨، ٩/ ٣٣، ١٤/ ١٥٠] ووصف ضخامتها وكيف أن بعضها كان يحضره عشرات الألوف وربما تجاوز عدد الحاضرين مائة ألف كمجلس عاصم الواسطي [ت ٢٢١هـ] [تاريخ بغداد أو مدينة السلام للخطيب البغدادي القاهرة مكتبة الخانجي سنة ١٩٣١م ١٢/ ٣٤٨]
وكان طبيعيا ألا يسمع صوت الشيخ تلك الأعداد الكبيرة من السامعين ولهذا ظهرت فئة " المستمليين " الذين يرددون كلام الشيخ وراءه كل منهم يبلغ صاحبه حتى تسمع جموع الحاضرين [تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٦/ ١٢١ - ١٢٢]، ومهما تكن في هذه الأرقام من مبالغة، فإنها تدل على تضخم تلك المجالس لدرجة تلفت الانتباه.
التأليف هو جمع علم ومعرفة في الشكل الجديد فكرًا أصليًا للمحتوى، مختلفًا عن التحقيق والترجمة. تتطلب إعداد المؤلفات جمع المواد وتحليلها بعناية، مع حق المؤلف في حماية جهده الفكري. كما كان الإملاء في التراث العربي وسيلة مهمة لتوثيق المعرفة ونشرها بين الأجيال.