سنقتصر على ذكر (طريقتين) من طرق
الإخراج التي كان لها عظيم الأثر في الفن الأوربي:
(١) تعدد الألوان: استخدمت
المواد المختلفة الألوان في زخرفة المباني الإسلامية منذ أوائل القرن الثاني الهجري
في عمارة قصر الحيرة الشرقي مثلًا، واستخدمت في بناء عقود بيت الصلاة في مسجد
قرطبة الجامع في سنة١٧٠هـ /٧٨٦م، وعند بناء باب لهذا المسجد في سنة ١ ٤ ٣هـ/٨٥٥، وحليت واجهته بقطع من الآجر متناوبة في أشكال زخرفية هندسية، مع قطع من الحجارة البيضاء، واستخدمت الحجارة السوداء بالتناوب مع الحجارة البيضاء في بناء قبة مسجد الزيتونة في تونس سنة ٢٥٠هـ /٠٨٦٤
وانتشر بعد ذلك استخدام المواد
المختلفة الألوان في زخرفة الأبواب، والقباب، والواجهات، والمآذن، والأرضيات انتشارًا
واسعًا في العمارة المغربية والأندلسية، وإذا كان الفن البيزنطي سبق أن اتبع هذا
الأسلوب الزخرفي في سالونتكا في منتصف القرن الخامس الميلادي، فإنه توقف بعد ذلك عن
استخدامه، ولم يظهر من جديد في آثاره إلا في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني
عشر، في مثل (تكفور سرايل) tekfour serail،
أي: بعد ثلاثة قرون من انتشار استخدامه في العمارة الإسلامية، الزخارف الإسلامية
المتعددة الألوان دون نظيراتها البيزنطية بتنسيق أشكالها في رسوم هندسية، من
مثلثات ومربعات ومعينات ودوائر ومضلعات نجمية تارة منفردة، وتارة متداخلة.
واقتبست بعض المناطق الأوروبية
أسلوب الزخرفة البيزنطي ولكن اقتباس مناطق أخرى من العمارة المسيحية الأوروبية للأسلوب
العربي كأن أعم وأبقى؛ إذ أصبح هذا الأسلوب عنصرا من أهم العناصر الزخرفية في
القرن الثاني عشر الميلادي في العمارة اللومباردية في إيطاليا.
وفى العمارة الرومانتيكية في فرنسا
وإسبانيا، واستمر التعلق بهذا العنصر الزخرفي في القرون التالية، وتكفيني الإشارة
إلى آثار ما زالت قائمة في مدن (ميلانو) و(لوك) و(فلونسة) و(فيرون) و(بولونيا)
و(بيزا) و (جنوا) و(سبينا) فى شمال إيطاليا، ولعل أوضحها تعبيرًا عن التأثيرات
الإسلامية واجهة كاتدرائية (بستوى) pistoie. حيث تتناوب الحجارة الحمراء والبيضاء على عقودها وعلى جدرانها،
وحيث ترسم قطع الرخام المختلفة الألوان أشكالاً هندسية، ونجد كذلك مثلاً لهذا
الأسلوب في كنيسة القديس بطرس- في (نورثميتن) في انجلترا Northampton.
وتكفى الإشارة في فرنسا إلى
منطقتين من مناطقها، هما: منطقتا (الأوفرنى)
Auvergne و (الفيليه) velay، حيث ينتشر استخدام تناوب المواد المتعددة الألوان في العقود، والنوافذ،
والأبواب، والوجهات، ومذابح الكنائس، مثل: تلك التي تشاهد في كفائس (ريوتارد) riotard و (بولينياك) polignac و (مناستييه)monastier و (سان ساتورنان) saint-saturnin
و
(ريوم) riom و (كليرمونت) وكثير غيرها.
ومن هاتين المنطقتين اقتبست مناطق
أخرى قريبة منها، وبعيدة عفها هذا المظهر الزخرفي، نشاهد نماذج منه مثلاً: فى
كنائس (فيين)vienne و (فالنس) valence و (تورنوس) tournus و (فيزلية) vezelay، وتتجمع أشكال الزخارف المختلفة الألوان في مجموعة الكنائس
البديعة في مدينة لبوى la puy بصورة لا تترك مجالًا
للشك، كما سنرى في اقتباسها من العمارة الإسلامية في المغرب والأندلس.
(٢) الزخارف
المنحوتة الفائدة:
ازدهرت المباني العربية الإسلامية منذ القرن
الأول الهجري / السابع الميلادي بالزخارف المنقوشة على الجص أو الحجارة أو الخشب، وحذق رجال الفن صنعة النحت على الحجارة والرخام، وكانوا يميلون إلى أسلوب النحت الغائر، وهو الأسلوب الذي تبدو فيه الزخارف المنحوتة مخرمة كان قاعها مفرغ بحيث تظهر العناصر الزخرفية ناصعة، واضحة المعالم، منبسطة على أرضية غائرة قائمة.
وقد امتاز الفن الإسلامي
بهذا الأسلوب المخرم من النحت، وبلغ النحاتون المسلمون في إجادته حدًّا بعيدًا من
الدقة والإتقان، وسموا بمكانته بين أساليب النقش الأخرى، ونجد أمثلة رائعة منه في
قصور الأمويين ببادية الشام من مستهل القرن الثاني الهجري - الثامن الميلادي،
وفى محراب مسجد القيروان، وفى قبة مسجد الزيتونة بتونس، من أوائل القرن الثالث الهجري ومنتصفه، وفى مسجد قرطبة الجامع وفى المدينة مجموعات لا حصر لعددها من الحجارة والرخام المنقوشة نقشًا رائعًا على هذا الأسلوب، وسنرى فيما بعد أن هذا الأسلوب الفني كان متبعًا في البلاد الإسلامية العربية في نحت الأخشاب، والتحف العاجية كذلك، وبلغ مبلغًا كبيرًا من دقة الصناعة، ورقة الإحساس الفني،
ووفرة التعبيرات الزخرفية.
وكذلك حاز هذا الأسلوب إعجاب رجال الفن في
بيزنطة وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا في القرون الوسطى؛ فاقتبسوا أصوله المتبعة في
الفن الإسلامي، وأدخلوها على فنونهم، واتبعوها في كثير من زخارفهم المعمارية المنحوتة،
والأمثلة الإسبانية على ذلك وفيرة يكفيني أن أذكر منها المجموعة البديعة من المنحوتات
التي تمتد على جانبي بوابة كاتدرائية (ليريدا) Lerida والمجموعة الأخرى التي تشاهد فى كنيسة (سانتو دومنجو ده سيليوس) Santo
Domingo de silos، والتقفيل عنها إنها تبدو كأنها صنعت بأيد
عربية.
وأما في الفن البيزنطي فتجسد أمثلة من
المنحوتات المخرمة البديعة فى إحدى الكنائس في أثينا pieties
metropolis، وفى كنيسة القديسين (سر جيوس وباكوس) saint serge et Bacchus،
وفى بعض التيجان والمنحوتات في آيا صوفيا، وفى بازيليكية (بارونز) parenzo، وفى مصلى (سان فيتال) في رأفنا san
vitale de rovenna، وجميعها من القرن الحادي عشر أو الثاني عشر
الميلادي، ولعل أبدع مثل لاقتباس الفن البيزنطي لأسلوب النحت المخرم، والذى يشاهد في
لوحة من القرن الحادي عشر الميلادي (الرابع الهجري) محفوظة بمتحف أثينا، وقد نحت عليها رسم
أسدين متقابلين على جانبي شجرة الحياة، وأحيطت اللوحة بزخارف نباتية على الطراز العربي، وكأن النحات البيزنطي أراد أن يسجل شهادة منه بمصدر اقتباسه الإسلامي، فأحاط رسومه بإطارين تمتد عليها زخارف تقليدًا للخط الكوفي.
وأما في فرنسا فقد أتبع الأسلوب نفسه، لا
فى العصر الرومانتيكي فحسب، بل كذلك في العصر القوطي، ونهدت النماذج التي تنطق
بالاقتباس الإسلامي في مشل دير (مواساك) moissac وكاتدرائية (تولوز) Toulouse وكنيستى (بريود) briodeو
(روايا) royat
وكاتدرائيات (رامس) و (أميانس) و (البوى) reims, amiens, le puy