تفوق العرب في فن التصوير، ولا سيما في العصر الفاطمي، حيث زخرت العمارة والمخطوطات بأعمال فنية تعبّر عن ذوق رفيع ووعي حضاري متقدم.
تفوق العرب في فن التصوير، ولا سيما في العصر الفاطمي، حيث زخرت العمارة والمخطوطات بأعمال فنية تعبّر عن ذوق رفيع ووعي حضاري متقدم.
لقد أثبتت الدراسات أن العرب فاقوا في ميادين الطب والفلك والرياضة والكيمياء وعلوم الاجتماع، كما سموا أيضًا في ميادين الفن، وكانوا روادًا لهم شخصيتهم، وطابعهم الخاص، وأسلوبهم الممتاز الذي أثر في فنون أوربا في عصر نهضتها، وقد كان من بين الفنون التي فاقوا فيها سواهم فن التصوير واستعماله في مجالات كثيرة، حيث نفذت الصور على الجص، والحجر، والخزف، والخشب، والنسيج، والفسيفساء. والمعادن، وفي جميع الخامات.
لقد كان من مظاهر الحضارة والثقافة بالقاهرة في العصر الفاطمي ازدهار فن
التصوير، وخصوصًا الصور الجدارية، فقد عثر في حمام بحي أبي السعود بالقاهرة على صور جدارية ملونة لفتيان وفتيات، ويلاحظ فيها الاهتمام بإبراز الملابس، وتحديد قسمات الوجه.
ومن أحسن الصور، وأكملها الصور المرسومة بالألوان المائية على الجص، ومنها: رسم يمثل شابًا يقعد متربعًا، ويمسك بيده اليمنى كاسًا، ويلبس رداء تزينه حليات على هيئة أزهار، وعلى رأسه هالة مستديرة، وحول ظهره وشاح يخرج طرفاه من تحت الإبطين، ويتدلى من رأس الشاب خصلتان من الشعر، ويحيط بالرسم كله شريط من الأشكال الكروية.
ولم يقتصروا على الرسم بالألوان المائية على الجص، بل استخدم الرسامون أيضًا الفسيفساء، أو الرسم بواسطة لصق فصوص من الزجاج الملون على طبقة من الملاط الملونة، مرصوصة رصًا يحقق صور الأشياء المطلوب رسمها، ولقد زينت جدران المسجد الأموي بدمشق بصور الفسيفساء التي تمثل المناظر الطبيعية لمدينة دمشق وقت إنشاء المسجد، كما كانت قصور الأمويين وسقوفها وأرضياتها تحلى بالصور، ومع النماذج الرائعة للرسوم المختلفة ذات البريق المعدني على الخزف الفاطمي، نجد من الفن القاهري مجموعة من نسخ لكتب مختلفة مزوقة بالتصاوير موزعة بين متاحف العالم، ودور الكتب المختلفة.
وقد وصلت إلينا مجموعة من مخطوطات الكتب العربية المزوقة بالتصاوير التي يمكن نسبتها إلى القاهرة، على أساس الموازنة بين أسلوبها، وأسلوب الفن القاهري، واستقراء القرائن الاجتماعية والتاريخية المختلفة للعصر الذي أبدعت فيه، كما عثر على بضع صور من العصر الفاطمي في مصر، منها: صورة تمثل جنديين بينهما شجرة زخرفية، وفوقهما طراز من الكتابة الكوفية.
أما في عصر المماليك فقد شهدت القاهرة نوعًا آخر من التصوير، هو التصوير على صفحات الكتب، وبخاصة الرسوم المزينة للمصاحف المخطوطة من القرآن الكريم، فهي على درجة من الدقة والثراء ففي المفاهيم الزخرفية إلى حد جعل من هذه النسخ نماذج لأجمل ما أبدعه الفن الإسلامي في ميدان الكتب المصورة، وقد كان لهذا النوع من الرسوم المزينة للمصاحف نجاح عظيم خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين / الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، الأمر الذي يدل على التعاون الوثيق بين الخطاطين والمصورين والمزخرفين في إخراج تلك المصاحف، ولقد عرف هؤلاء الخطاطون والمزخرفون كيف يستغلون كل الخصائص الزخرفية للخط الكوفي أحسن استغلال، على الرغم من أنه لم يكن من خطوط الكتابة الشائعة في العصر المملوكي، وأحاطوا الخطوط الكوفية بنماذج رائعة لشتى أنواع التوريقات والزخارف النباتية، وحليت كذلك برسوم لأزهار اللوتس وغيرها على الطراز الصيني، وهو ما اقتبسه هؤلاء الفنانون من التحف الخزفية الصينية التي كادت ترد كثيرًا في ذلك العصر.
ولا يضارع الثراء الفني الذي يميز رسوم تلك المصاحف وزخارفها إلا فخامة تجليدها، والتي كانت تفرغ أرضية الزخرف أحيانًا في طبقة الجلد، بحيث تظهر خلفها أرضية من الحرير مزينة بأسلاك من الذهب؛ أما تصميمات الزخارف فكانت في بعض الأحيان أشبه بجامات بها عناصر نباتية مسروقة، وأحيانًا تزدان بأشرطة متشابكة تضم أشكالًا هندسي متعددة الأضلاع تحيط بها زخارف مجدولة.
أما المخطوطات التي أنجزت في هذا العصر: فمخطوط من كتاب "كليلة ودمنة"، به صور للحيوان صادقة التعبير عن الموضوعات بأسلوب مبسط، كذلك نسخ من كتاب "مقامات الحريري" التي تبدو فيها صور الشخصيات معبرة حية على الرغم من أن أسلوب الأداء زخرفي، إلا أن هناك مجموعة من الصور الفنية، يرجع تاريخها إلى الفترة ما بين عامي ٨٩٢ - ٩٤٠ه٠ ٤٨٨ ١ - ١٥٣٣م تمثل أسلوب مرحلة من مراحل تطور فن التصوير الإسلامي ببلاد فارس، قام بعملها بهزاد الذي فاق في مهارته جميع أبناء عصره من أهل صناعته.
وقد كانت التصاوير التي تنسب إلى المدرسة العربية تمتاز بخصائص عامة، أهمها: بروز الطابع العربي، والبساطة، والروح الزخرفية، والتحوير في محاكاة الطبيعة، ومن الملاحظ أن القاهرة ظلت محافظة على التقاليد العربية في التصوير حتى القرن السادس عشر الميلادي، في الوقت الذي تحول فيه التصوير بإيران والعراق عن الطابع العربي، أي منذ منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، نتيجة تأثره بالتقاليد المغولية والصينية التي سرت في هذين القطرين على إثر حكم المغول لهما، وهكذا ظلت القاهرة المركز الرئيسي في العالم للفن الإسلامي بالنسبة لزخرفة المخطوطات العربية بالتصاوير، وقد ساعدها على ذلك أحوال تاريخية واجتماعية مختلفة، ومن هذه الأحوال أن القاهرة نجت من غزو المغول الذي غير فن التصوير في العراق وإيران تغييرا جوهريًا.
فظل التصوير في القاهرة عربي الطابع محتفظًا بخصائصه الرئيسة، ولقد انفرد التصوير في القاهرة بخصائص تميزه عن سائر أساليب التصوير العربية في العراق وإيران، ومن لهم هذه الخصائص: المبالغة في اتخاذ الأسلوب الزخرفي المتأنق، والألوان المضيئة، وطابع الفخامة، وروعة التصميم، وقوة التأثير، وتبسيط العناصر، والتقليل من عددها، وتكبير حجم الأشخاص، والمبالغة في تحويرهم، والتقيد في حركاتهم، والبعد عن الركاكة في الأداء والتنفيذ.
كان فن التصوير من أبرز الفنون التي تفوق فيها العرب على غيرهم، إذ استُخدم في مجالات متعددة، ونُفّذ على الجص والحجر والخزف والخشب والنسيج والفسيفساء والمعادن، مما يعكس تنوع المهارات الفنية وثراء الخيال العربي، وقد شهد العصر الفاطمي في القاهرة ازدهارًا لافتًا لفن التصوير، ولا سيما الصور الجدارية، حيث عُثر في حمّام بحي أبي السعود على لوحات جدارية ملوّنة لفتيان وفتيات، تُظهر عمق الحس الجمالي ودقة التصوير، أما في مجال المخطوطات، فقد تميز هذا العصر بمخطوطات مصوّرة مثل نسخة من "كليلة ودمنة" التي تضم صورًا حيوانية معبرة بأسلوب فني مبسط، فضلًا عن نسخ مصوّرة من "مقامات الحريري" تظهر فيها الشخصيات حية نابضة، تعكس التفاعل مع النص بطريقة بصرية بارعة.