Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الرحمة وتحويلها إلى مؤسسات

الكاتب

أ.د/ أسامة الأزهرى

الرحمة وتحويلها إلى مؤسسات

الرحمة في الإسلام ليست شعورًا مجردًا، بل منظومة حضارية تجسدت في مؤسسات كالمستشفيات والأوقاف، وامتدت لتشمل الإنسان والحيوان والجماد، وقد أسهمت هذه الرؤية في تأسيس حضارة تشاركية، شارك في بنائها المسلمون والمسيحيون معًا، لتكون نموذجًا للرحمة العملية، أما التيارات المتطرفة، فقد شوهت هذه القيم، وأفرغت الدين من جوهره الرحيم، لتختزله في العنف والضيق.

الرحمة كقيمة دينية أساسية

تمثل الرحمة قيمة مركزية، وجوهرية في فهم الدين، تصنع الشخصية، وتحرك العقل، وتبني تصور الإنسان للكون والحياة، وهي الإطار الواسع الذي تنبثق منه منظومة التصرفات الإنسانية في مختلف وجوه العلاقات الإنسانية، وهي القيمة العليا التي تفيض منها منظومة الأخلاق، ويستصحبها الإنسان ويراعيها في مختلف انفعالاته، في الرضا والغضب، والسلم والحرب، والأخذ والعطاء، وكل فهم أو تصور أو تطبيق أو معاملة تكون خالية من الرحمة فإنها منقطعة الصلة بهذا الدين، خارجة عنه، وعلى ضوئها يفهم كل فروع هذا الدين وأحكامه وتطبيقاته، وإذا كانت منظومة الأخلاق شجرة لها أغصان وفروع فإن منظومة القيم كذلك، وبذرة شجرة منظومة الأخلاق هي الرحمة، فهي الأم لمنظومة القيم كلها.

الرحمة في القرآن والسنة النبوية

* قال تعالى: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ} [الأنعام: ١٢]، وقال سبحانه: {وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ} [الأعراف: ١٥٦]، وقال تعالى: {وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ} [الأنعام: ١٣٣]، قال تعالى: {قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الزمر: ٥٣].

* وقد لخص الله تعالى مقاصد الرسالة المحمدية بكل عقائدها وتشريعاتها ومبادئها وآدابها وقيمها في كلمة الرحمة، فقال سبحانه: {فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ} [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى {لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ} [التوبة: ١٢٨]، قال تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].

* وورد من الأحاديث النبوية ما يعبر عن ذلك، فكان من الأعراف العلمية المستقرة في مدارس العلم كالأزهر الشريف مثلا وغيره من مدارس العلم في المشرق والمغرب، أن يحافظ العلماء عبر الأجيال على أن يكون أول حديث نبوي يسمعه التلميذ من أستاذه هو الحديث النبوي الجليل المسمى بالحديث المسلسل بالأولية، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى»، فهو أول حديث يحرص الأستاذ على أن يلقنه للطالب في أول مجلس أو لقاء بينهما، وهو كذلك أول حديث سمعه الأستاذ من أستاذه، وهكذا، عبر نحو أكثر من عشرين جيلا من الأجيال، بيننا نحن الآن وبين زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يترتب على ذلك مضمون تربوي عميق، وهو أن يتفتح وعي طالب العلم على أن نقطة الانطلاق في فهمه لهذا الدين هي الرحمة.

والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة جدا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي»، [رواه البخاري ومسلم].

وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» [صحيح البخاري].

الرحمة تتحول إلى مؤسسات

وقد تشرب العقل المنير تلك النصوص، وغاصت فيه، وتفكر فيها طويلا، ونظر في كيفية تنفيذها، وكيف يعيش بها، وكيف تتحول من سلوك فردي يعيش به الإنسان في نطاق ضيق، ودائرة محدودة، إلى شعار عام، وسلوك شائع، يرى الإنسان أثره وهو يمشي في الطرقات، ويرى أثره في البيع والشراء، ويرى أثره في البحث العلمي، ويرى أثره في العلاقات الدولية، ويرى أثره في تشغيل المؤسسات.

ثم بدأ العقل المنير يفكر: ما هي أول شريحة من البشر تشتد حاجتها إلى الرحمة، وهو أشد الحالات الإنسانية ضعفا، وافتقاره إلى الرحمة افتقار عميق جدا، والجواب أنه المريض، فأي إنسان مريض من أي دين أو مذهب أو عرق أو لون أو جنس فإنه هو نقطة البداية التي لابد من بذل الرحمة لها، وتخفيف الألم عنها، وإعمال العقل المنير لابتكار الإجراءات والأدوات والآليات التي تحول كلمة الرحمة من كلمة إلى قيمة عظمى، يتم خدمتها بعشرات الإجراءات فتنهض على أساسها مؤسسها، وتكثر في المجتمع المؤسسات التي تستوحي ذلك فإذا بالحضارة قد بدأت تولد.

وبهذه الطريقة المنيرة من التفكير تحولت مواريث النبوة إلى مؤسسة، وتحولت منظومة القيم إلى حضارة، وتحولت الأخلاق إلى واقع يعيشه الناس ويرونه بأعينهم، والأرفع والأرقى من ذلك كله أن تتحقق به الرحمة في الدنيا، ويمتد به أثرها إلى الدار الآخرة، ويرى الإنسان نتيجتها يوم القيامة.

كل ذلك مع الهدي النبوي الواسع الوارد في الأمر بالتداوي والسعي في العلاج وزيارة المريض، لكن كل هذه الأحكام صور وفروع تدور في فلك المعني الكلي الجامع الكبير والذي هو الرحمة والشفقة والرفق.

اشتراك المسلمين والمسيحيين في صناعة هذه الحضارة

وتحويل معنى الرحمة من كلمة إلى قيمة إلى مؤسسة إلى حضارة أمر واسع من صناعة العلم وتطبيقاته، ولم يكن مقصورا على المسلمين فقط، بل شاركهم في صناعته أطباء بارعون مسيحيون، منهم جورجيس بن بختشيوع الجنديسابوري، الذي استقدمه الخليفة المنصور فصار طبيبه الخاص إلى أن توفي، وابنه بختشيوع الذي استقدمه الخليفة المهدي، وكان جليلا في صناعة الطب، فظل في خدمة الخلفاء المهدي والهادي والرشيد إلى أن توفي، وابنه جبريل بن بختشيوع، وكان طبيبا حاذقا نبيلا، الذي كان طبيبا لجعفر بن يحيى البرمكي، حتى قدمه إلى الخليفة الصالح هارون الرشيد، فجعله رئيس الأطباء وظل كذلك عند من جاء بعده من الخلفاء [انظر أخبارهم في كتاب: طبقات الأطباء والحكماء: ص٦٣-٦٤، لأبي داود سليمان بن حسان الأندلسي، المعروف بابن جُلجُل، ط: مطبعة دار الكتب ائوالوثق القومية، القاهرة، سنة ١٤٢٦هـ-٢٠٠٥م].

ومنهم الطبيب يوحنا بن ماسويه كان طبيبا أيام الخليفة الأمين، والمأمون، وبقي إلى أيام أمير المؤمنين المتوكل، وكانت ملوك بني هاشم يكرمونه ولا يأكلون إلا بوجوده، وقال المؤرخون المسلمون لعلوم الطب في تاريخ المسلمين عنه: (وله في الطب أسرار خلدها منافع للناس) [طبقات الأطباء والحكماء: ص٦٥]، وقسطا بن لوقا [طبقات الأطباء والحكماء: ص٧٦] ، وهؤلاء الأطباء يُذكرون جنبا إلى جنب مع عباقرة الطب من المسلمين كابن النفيس، وابن سينا، والإمام فخر الدين الرازي، وأبي القاسم الزهراوي، وابن الهيثم، وعلي بن رضوان المصري، وغيرهم كثير، مما يدل على أن هذه الحضارة العربية الإسلامية هي نسق إنساني واسع، يتسع للناس مهما اختلفت العقائد، وقد تضافر على صناعته المسلم وغير المسلم، وهكذا عشنا معا، وهكذا نعيش معا، ولا مجال لأحد أن يتدخل لينزغ ويفسد بين المسلمين والمسيحيين.

لمحات من قيامنا بتحويل خلق الرحمة إلى مؤسسة

[ومن أراد التوسع والقراءة في هذه الجزئية يمكنه الرجوع إلى كتاب: تاريخ البيمارستانات في الإسلام، تأليف أحمد عيسى بك، ط: دار الرائد العربي، سنة ١٤٠١هـ-١٩٨١م، وكتاب: الطب والأطباء في مختلف العهود الإسلامية، تأليف الدكتور محمود دياب، ط: مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، سنة ١٩٧٠م، وكتاب: من علماء الطب المسلمين والعرب، تأليف اللواء دكتور عثمان الخواص، ط (طبعة خاصة على نفقة المؤلف)، وكتاب: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية، للدكتور عامر النجار، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة ٢٠٠٧م.وكتاب: الطب والصيدلة عند العلماء العرب، دراسة في فلسفة العلوم، للدكتوره سماح فتحي، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة ٢٠٠٧م، وكتاب: أعلام الطب العربي في بلاد الأندلس بنو زهر نموذجا، تأليف تركي علي العزاوي، ط: دار النوادر، سنة ١٤٣٣هـ-٢٠١٢م]. 

فقد ذكر المقريزي أن أول مستشفى تأسس في الإسلام في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، الذي حكم من سنة ٨٦هـ إلى سنة ٩٦هـ، وكان هذا المستشفى متخصصًا في الجذام، وأنشئت بعد ذلك المستشفيات العديدة في العالم الإسلامي، وبلغ بعضها شأوًا عظيمًا، حتى كانت هذه المستشفيات تُعدّ قلاعًا للعلم والطب، وتُعتبر من أوائل الكليات والجامعات في العالم، بينما أُنشِئ أول مستشفى أوربي في باريس بعد ذلك بأكثر من تسعة قرون.

وكان منها الثابت ومنها المحمول المتنقّل؛ فالثابت هو الذي يُنشَأ في المدن، وقلَّما تجد مدينة إسلامية -ولو صغيرة- بغير مستشفى، أما المستشفى المتنقل فهو المجهز بجميع ما يلزم للمرضى والمداواة من أدوات وأطعمة وأشربة وملابس وأطباء وصيادلة، وكل ما يعين على ترفيه الحال على المرضى والعجزة والمزمنين والمسجونين، بحيث يحمل ذلك على ظهور الإبل ويجوب القرى البعيدة والصحارى والجبال، وكانت المستشفيات المتنقّلة تُحمَل على مجموعة كبيرة من الجِمال (وصلت في بعض الأحيان إلى أربعين جملاً!! وذلك في عهد السلطان محمود السلجوقي، الذي حكم من سنة ٥١١هـ إلى سنة ٥٢٥هـ)، وكانت هذه القوافل مُزوَّدة بالآلات العلاجية والأدوية، ويرافقها عدد من الأطباء، وكان بمقدورها الوصول إلى كل رقعة.

وقد وصلت المستشفيات الثابتة في المدن الكبرى إلى درجة راقية جدًّا في المستوى، وكان بقرطبة وحدها أكثر من خمسين مستشفى !!

وهنا طرأت قضية مهمة، وهي أن إعمار المستشفيات على هذا النحو لو اقتصر على إنشاء المباني وتقديم الخدمات الطبية لتحولنا إلى مستهلكين لابتكارات غيرنا من الأمم، ونصير عالة عليهم، فصار محتما على العقل المسلم أن يتحول إلى ابتكار العلوم والمعارف الطبية، واكتشاف العلاجات والأدوية للأمراض المستعصية، حتى نكون أمة تملك مفاتيح البحث العلمي، وتعتمد على ذاتها في الاكتشاف والإبداع، ثم تتأنق في توصيل ثمرة ذلك إلى المرضى من خلال الخدمات التي نصفها هنا.

ولذا لم تكن تلك المستشفيات مجرد دور علاج، بل كانت كلّيات طب حقيقية على أرقى مستوى؛ فكان الطبيب المتخصص يلقي درس الطب بجانب سرير المريض، فيمرُّ على الحالات في الصباح، ومعه الأطباء الذين هم في أولى مراحلهم الطبية، فيعلّمهم، ويدوّن ملاحظاته، ويصف العلاج، وهم يراقبون ويتعلمون، ويعرفون كيفية استدلاله على الأمراض، وجملة ما يصفه للمرضى، وما يكتب لهم، ويبحثون معه في كثير من الأمراض ومداواتها، ثم ينتقل الأستاذ بعد ذلك إلى قاعة كبيرة ويجلس وبين يديه الطلاب فيقرأ عليهم الكتب الطبية، ويشرح ويوضّح، ويجيب عن أسئلتهم، ولا يزال معهم في اشتغال ومباحثة ونظر في الكتب الطبية مقدار عدة ساعات، ويعقد لهم امتحانًا في نهاية كل برنامج تعليمي معين ينتهون من دراسته، ومن ثَمَّ يعطيهم إجازة في الفرع الذي تخصصوا فيه.

وكانت المستشفيات في الإسلام تضم في داخلها مكتبات ضخمة تحوي عددًا هائلاً من الكتب المتخصصة في الطب والصيدلة وعلم التشريح ووظائف الأعضاء، إلى جانب علوم الفقه المتعلقة بالطب، وغير ذلك من علوم تهمّ الطبيب، ومما يذكر على سبيل المثال -لنعرف ضخامة هذه المكتبات- أن مكتبة مستشفى ابن طولون بالقاهرة كانت تضم بين جنباتها أكثر من مائة ألف كتاب، كما ذكره ابن تغري بردي في كتاب: (النجوم الزاهرة).

وكانت تُزرَع -إلى جوار المستشفيات- المزارع الضخمة التي تنمو فيها الأعشاب الطبية والنباتات العلاجية؛ وذلك لإمداد المستشفى بما يحتاجه من الأدوية.

وكانت المستشفيات تقسم تقسيما فنيا لتجنُّب العدوى؛ فكان المريض إذا دخل المستشفى يُسلِّم ملابسه التي دخل بها، ثم يُعطَى ملابس جديدة مجانية لمنع انتقال العدوى عن طريق ملابسه التي كان يرتديها حين مرض، ثم يدخل كل مريض في عنبر مختص بمرضه، ولا يُسمح له بدخول العنابر الأخرى لمنع انتقال العدوى أيضًا، وينام كل مريض على سرير خاص به، وعليه ملاءات جديدة وأدوات خاصة!!

قارنْ كل ذلك بالمستشفى الذي أُنشئ في باريس بعد هذه المستشفيات الإسلامية بقرون، حيث كان المرضى يُجبرون على الإقامة في عنبر واحد، وذلك بصرف النظر عن نوعية أمراضهم، بل ويُضطرون لنوم ثلاثة أو أربعة، وأحيانًا خمسة من المرضى على سريرٍ واحد!! فتجد مريض الجدري إلى جوار حالات الكسور إلى جوار السيدة التي تلد!! كما كان الأطباء والممرضون لا يستطيعون دخول العنابر إلا بوضع كمّامات على الأنف من الرائحة شديدة العفونة في داخل هذه العنابر! بل كان الموتى لا يُنقلون إلى خارج العنابر إلا بعد مرور أربعٍ وعشرين ساعةً على الأقل من الوفاة!! ولك أن تتخيل مدى خطورة هذا الأمر على بقية المرضى !!

وقد وصف المستشرق الألماني ماكس مايرهوف [انظر بحثا مهما اسمه: (المستشرق الألماني ماكس مايرهوف (١٨٧٤-١٩٤٥) وتراث الطب العربي الإسلامي )، للأستاذ أحمد السري ، يعرف هذا البحث بواحد من أبرز علماء الاستشراق في عصره (١٨٧٤-١٩٤٥)، هو المستشرق الألماني ماكس مايرهوف، وذلك لكثرة كتاباته ذات الصلة بتراث الطب العربي الإسلامي وبخاصة علم طب العيون، ومما يزيد كتاباته أهمية هو اشتغال الرجل في الطب كمهنة (طبيب عيون) ثم اشتغاله باحثاً ومنقباً عن فرائد المؤلفات العربية ذات الصلة بعلم الطب وعلم طب العيون خاصة، وعندما يجمع مستشرق بين حنكة الطبيب وهمة الباحث فإن أهمية كتاباته تزداد على ضوء المعرفة التخصصية التي تؤهله لإصدار أحكام يعتد بها في ميدان علم الطب] حالة المستشفيات في أوربا في العصر الذي كانت فيه المستشفيات في حضارتنا بالصفة المذكورة: (إن المستشفيات العربية ونظم الصحة في البلاد الإسلامية الغابرة لتلقي علينا الآن درسًا قاسيًا مُرًّا لا نقدره حق قدره إلا بعد القيام بمقارنة بسيطة مع مستشفيات أوربا في ذلك الزمن نفسه، مرّ أكثر من ثلاثة قرون على أوربا، اعتبارًا من زمننا هذا، قبل أن تعرف للمستشفيات العامة معنى، ولا نبالغ إذا قلنا بأنه حتى القرن الثامن عشر (١٧١٠م) والمرضى يعالجون في بيوتهم أو في دور خاصة كانت المستشفيات الأوربية قبلها عبارة عن دور عطف وإحسان، ومأوى لمن لا مأوى لديه، مرضى كانوا أم عاجزين).

وبلغ الاهتمام بالمستشفيات ووجوه خدمتها حتى صار بعض الناس يتمارضون رغبة منهم في دخول البيمارستان (المستشفى) لما يجدونه من عناية ورعاية ومأكولات طيبة، وكان الأطباء يتغافلون عن ذلك، حتى صادف أن شخصا متمارضا كتب له الطبيب بعد ثلاثة أيام من دخوله: (الضيف لا يقيم فوق ثلاثة أيام) [التمريض في التاريخ الإسلامي/ص٢٩/ تأليف عكرمة سعيد صبري، ط: دار الثقافة، سنة ١٤٠٥هـ-١٩٨٥م]

الأوقاف وتوسيع نطاق الرحمة لتشمل كافة جوانب الحياة

وقد نشطت الأوقاف في هذه الحضارة، حتى قامت ببناء المدارس، والرباطات، والمستشفيات، حتى قال ابن بطوطة: (والأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها، فمنها أوقاف العاجزين عن الحج، يعطى لمن يحج عن الرجل منهم كفايته، ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن، ومنها أوقاف لفكاك الأسرى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل (المغتربين والمسافرين) يعطون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم، ومنها أوقاف على تعديل الطرق ورصفها لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المتارجلون (المشاة)، ويمر الركبان بين ذلك، ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير) [رحلة ابن بطوطة: ١ / ٣٣٠، ط: مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، سنة ١٤١٧هـ-١٩٩٧م].

وجد في تونس وقف لختان أولاد الفقراء، يختن الولد ويعطى كسوة ودراهم، ووقف توزع منه الحلوى مجانا في رمضان، ووقف لمن وقع على ثوبه زيت مصباح أو تلوث ثوبه بشيء آخر فيذهب للوقف المخصص ويأخذ منه ما يشتري به ثوبا آخر، والأعجب أنه كان بمراكش مؤسسة وقفية تسمى دار الدُّقُة، وهي ملجأ تذهب إليه النساء اللواتي يقع بينهن وبين أزواجهن نفور، فتقيم النساء فيه آكلات شاربات، إلى أن يزول ما بينهن وبين أزواجهن من أسباب الشحناء [الحضارة العربية الإسلامية: ص٣٣٦، تأليف شوقي أبو خليل] حتى يصل هذا الرخاء إلى حد مذهل، فيقول ابن بطوطة: (مررت يومًا ببعض أزقة دمشق، فرأيت به مملوكًا صغيرًا قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني، وهم يسمونها الصحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس، فقال له بعضهم: اجمع شقفها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني، فجمعها وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن، وهذا من أحسن الأعمال؛ فإن سيد الغلام لابد أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضًا يكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبرًا للقلوب، جزى الله خيرًا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا). [رحلة ابن بطوطة: ١ / ٣٣١].

ومن غرائب الأوقاف وأعجبها: قصر الفقراء، الذي عمره في رحاب دمشق نور الدين زنكي، فإنه لما المنتزه مقصورا على الأغنياء عزَّ عليه ألا يستمتع الفقراء مثلهم بالحياة، فعمر القصر، ووقف عليه قرية داريا، وهي أعظم الضياع هناك وأغناها.***

ولم يقتصر تحويل معنى الرحمة من كلمة إلى قيمة إلى مؤسسة إلى حضارة على بروز المستشفيات فقط رغم كل ما تمثله من صناعة عملية للرحمة، بل اتسع الأمر عندنا إلى الحيوان، والجماد، حتى ظهرت عندنا عجائب في هذا الباب، ترى الدنيا كلها فيها أن هذا الدين رحمة للعالمين.

وأوقاف المسلمين تعدت حاجة الإنسان لتفي بحاجة الحيوان، وقد وجدنا في ثبت التاريخ أوقافًا خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقافًا لرعي الحيوانات المسنة العاجزة كوقف أرض المرج الأخضر بدمشق، وفي الشام وقفًا للقطط الضالة يطعمها ويسقيه، سميت بمدرسة القطاط، وهي في القيمرية الذي كان حي التجار في دمشق؛ ووقفًا للكلاب الشاردة يؤويها ويداويها، سمي اسمًا غريبًا محكمة الكلاب، وهو في حي العمارة، وكان في المغرب وقف لعلاج أرجل طائر اللقلق، لأنه يكثر الجري فتنكسر ساقه فتم تخصيص وقف لعلاجه، وكان في القاهرة وقف في مسجد محمد بك أبو الدهب لشراء غلال تطرح على منارة المسجد لإطعام الطير العابر في السماء.

فوجدت الأوقاف لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقاف لرعي الحيوانات المسنة والعاجزة، وأوقاف للقطط تأكل فيه وتنام.

فأين هذا التاريخ الحافل من معايشة الأمة للإسلام وقيمه وأخلاقه، حتى فتحوا بها باب رحمة للعالمين، وقدموا للبشرية وللعالم كله نموذجا فريدا لقيم هذا الدين، وأنه جاء بالرحمة، والصلة، والإكرام، والإحسان إلى الجار، ورفع الضرر عن كل متألم، أين هذا ممن يقطع الرقاب، ويحرق الأحياء، وينقض العهود، ويروع الآمنين، ثم يسمي هذا بالجهاد، وينسبه إلى الإسلام.

لقد وصفت السيدة خديجة منظومة الأخلاق النبوية الكريمة، والتي كان عليه الصلاة والسلام يتعامل بها مع غير المسلمين من أهل الجاهلية، فتقول له عليه الصلاة والسلام: «فو الله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتَكْسِبُ المعدوم، وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق»، [رواه البخاري ومسلم].

فهذه هي منطلقات هذا الدين التي تفيض إنسانية ونبلا، وهي مواريث النبوة الخالدة، وهي منظومة القيم العليا التي تحكم تصرف الإنسان في كل مواقف رضاه وغضبه، وسلمه وحربه، وأخذه وعطائه.

وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مقدمه المدينة مهاجراً يقول: «أيها الناس!! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، [رواه البخاري ومسلم].

ولما أن سأل هرقل أبا سفيان: ما الذي يأمركم به هذا النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة»، [رواه البخاري].   

وهكذا كانت الرحلة المعتادة لمنظومة القيم، أن كل قيمة منها تبدأ بكلمة، تتحول إلى قيمة، تتحول إلى مؤسسة، فتنهض الحضارة.

الفرق بين مفهوم الرحمة في الإسلام وتيارات التطرف

ثم خرجت مؤخرا تيارات التطرف، التي هجرت الحضارة، وأهدرت المؤسسات، واختزلت القيم في كلمات خاوية، ترددها الألسنة، ويبقى المجتمع رغم ذلك في أمية وتخلف ومرض وعنف، فإذا بمنظومة القيم قد صارت عاجزة عن توليد نتائجها، وعن إكمال رحلتها التي توصل إلى الحضارة، وانطمست مقاصد الشريعة التي جاءت للرحمة والراحة في الدنيا والآخرة، وانطلقت أمواج من الفكر الغاضب المضطرب، الذي أهدر كل ذلك، وحول الدين إلى تكفير، وصدام، وشقاء ودماء، ثم تسمي ذلك جهادا.

الخلاصة

الرحمة هي جوهر الدين الإسلامي، وأساس منظومة القيم والأخلاق، ومنها تنبثق كل التصرفات السليمة. تحولت هذه القيمة من مجرد شعور إلى مؤسسات فعالة، مثل المستشفيات والوقفات، فصارت الحضارة الإسلامية مثالًا عمليًا للرحمة. برزت المستشفيات الإسلامية كمراكز للطب والتعليم، متقدمة بقرون على نظيراتها في أوروبا. شارك المسلمون والمسيحيون معًا في صناعة هذه الحضارة الرحيمة، مما يعكس الطابع الإنساني الواسع لها. امتدت الرحمة لتشمل حتى الحيوان والجماد، عبر أوقاف لرعاية القطط، والكلاب، والطيور، وغيرها. كانت الأخلاق النبوية مصدر إلهام لتحويل القيم إلى واقع ملموس، يراه الناس ويعيشونه. أما التيارات المتطرفة، فقد أفرغت القيم من مضمونها، وأهدرت الرحمة، فاختزلت الدين في عنف وشقاء.

موضوعات مختارة