[ومن أراد التوسع والقراءة في هذه الجزئية يمكنه الرجوع إلى كتاب: تاريخ البيمارستانات في الإسلام، تأليف أحمد عيسى بك، ط: دار الرائد العربي، سنة ١٤٠١هـ-١٩٨١م، وكتاب: الطب والأطباء في مختلف العهود الإسلامية، تأليف الدكتور محمود دياب، ط: مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، سنة ١٩٧٠م، وكتاب: من علماء الطب المسلمين والعرب، تأليف اللواء دكتور عثمان الخواص، ط (طبعة خاصة على نفقة المؤلف)، وكتاب: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية، للدكتور عامر النجار، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة ٢٠٠٧م.وكتاب: الطب والصيدلة عند العلماء العرب، دراسة في فلسفة العلوم، للدكتوره سماح فتحي، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة ٢٠٠٧م، وكتاب: أعلام الطب العربي في بلاد الأندلس بنو زهر نموذجا، تأليف تركي علي العزاوي، ط: دار النوادر، سنة ١٤٣٣هـ-٢٠١٢م].
فقد ذكر المقريزي أن أول مستشفى تأسس في الإسلام في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، الذي حكم من سنة ٨٦هـ إلى سنة ٩٦هـ، وكان هذا المستشفى متخصصًا في الجذام، وأنشئت بعد ذلك المستشفيات العديدة في العالم الإسلامي، وبلغ بعضها شأوًا عظيمًا، حتى كانت هذه المستشفيات تُعدّ قلاعًا للعلم والطب، وتُعتبر من أوائل الكليات والجامعات في العالم، بينما أُنشِئ أول مستشفى أوربي في باريس بعد ذلك بأكثر من تسعة قرون.
وكان منها الثابت ومنها المحمول المتنقّل؛ فالثابت هو الذي يُنشَأ في المدن، وقلَّما تجد مدينة إسلامية -ولو صغيرة- بغير مستشفى، أما المستشفى المتنقل فهو المجهز بجميع ما يلزم للمرضى والمداواة من أدوات وأطعمة وأشربة وملابس وأطباء وصيادلة، وكل ما يعين على ترفيه الحال على المرضى والعجزة والمزمنين والمسجونين، بحيث يحمل ذلك على ظهور الإبل ويجوب القرى البعيدة والصحارى والجبال، وكانت المستشفيات المتنقّلة تُحمَل على مجموعة كبيرة من الجِمال (وصلت في بعض الأحيان إلى أربعين جملاً!! وذلك في عهد السلطان محمود السلجوقي، الذي حكم من سنة ٥١١هـ إلى سنة ٥٢٥هـ)، وكانت هذه القوافل مُزوَّدة بالآلات العلاجية والأدوية، ويرافقها عدد من الأطباء، وكان بمقدورها الوصول إلى كل رقعة.
وقد وصلت المستشفيات الثابتة في المدن الكبرى إلى درجة راقية جدًّا في المستوى، وكان بقرطبة وحدها أكثر من خمسين مستشفى !!
وهنا طرأت قضية مهمة، وهي أن إعمار المستشفيات على هذا النحو لو اقتصر على إنشاء المباني وتقديم الخدمات الطبية لتحولنا إلى مستهلكين لابتكارات غيرنا من الأمم، ونصير عالة عليهم، فصار محتما على العقل المسلم أن يتحول إلى ابتكار العلوم والمعارف الطبية، واكتشاف العلاجات والأدوية للأمراض المستعصية، حتى نكون أمة تملك مفاتيح البحث العلمي، وتعتمد على ذاتها في الاكتشاف والإبداع، ثم تتأنق في توصيل ثمرة ذلك إلى المرضى من خلال الخدمات التي نصفها هنا.
ولذا لم تكن تلك المستشفيات مجرد دور علاج، بل كانت كلّيات طب حقيقية على أرقى مستوى؛ فكان الطبيب المتخصص يلقي درس الطب بجانب سرير المريض، فيمرُّ على الحالات في الصباح، ومعه الأطباء الذين هم في أولى مراحلهم الطبية، فيعلّمهم، ويدوّن ملاحظاته، ويصف العلاج، وهم يراقبون ويتعلمون، ويعرفون كيفية استدلاله على الأمراض، وجملة ما يصفه للمرضى، وما يكتب لهم، ويبحثون معه في كثير من الأمراض ومداواتها، ثم ينتقل الأستاذ بعد ذلك إلى قاعة كبيرة ويجلس وبين يديه الطلاب فيقرأ عليهم الكتب الطبية، ويشرح ويوضّح، ويجيب عن أسئلتهم، ولا يزال معهم في اشتغال ومباحثة ونظر في الكتب الطبية مقدار عدة ساعات، ويعقد لهم امتحانًا في نهاية كل برنامج تعليمي معين ينتهون من دراسته، ومن ثَمَّ يعطيهم إجازة في الفرع الذي تخصصوا فيه.
وكانت المستشفيات في الإسلام تضم في داخلها مكتبات ضخمة تحوي عددًا هائلاً من الكتب المتخصصة في الطب والصيدلة وعلم التشريح ووظائف الأعضاء، إلى جانب علوم الفقه المتعلقة بالطب، وغير ذلك من علوم تهمّ الطبيب، ومما يذكر على سبيل المثال -لنعرف ضخامة هذه المكتبات- أن مكتبة مستشفى ابن طولون بالقاهرة كانت تضم بين جنباتها أكثر من مائة ألف كتاب، كما ذكره ابن تغري بردي في كتاب: (النجوم الزاهرة).
وكانت تُزرَع -إلى جوار المستشفيات- المزارع الضخمة التي تنمو فيها الأعشاب الطبية والنباتات العلاجية؛ وذلك لإمداد المستشفى بما يحتاجه من الأدوية.
وكانت المستشفيات تقسم تقسيما فنيا لتجنُّب العدوى؛ فكان المريض إذا دخل المستشفى يُسلِّم ملابسه التي دخل بها، ثم يُعطَى ملابس جديدة مجانية لمنع انتقال العدوى عن طريق ملابسه التي كان يرتديها حين مرض، ثم يدخل كل مريض في عنبر مختص بمرضه، ولا يُسمح له بدخول العنابر الأخرى لمنع انتقال العدوى أيضًا، وينام كل مريض على سرير خاص به، وعليه ملاءات جديدة وأدوات خاصة!!
قارنْ كل ذلك بالمستشفى الذي أُنشئ في باريس بعد هذه المستشفيات الإسلامية بقرون، حيث كان المرضى يُجبرون على الإقامة في عنبر واحد، وذلك بصرف النظر عن نوعية أمراضهم، بل ويُضطرون لنوم ثلاثة أو أربعة، وأحيانًا خمسة من المرضى على سريرٍ واحد!! فتجد مريض الجدري إلى جوار حالات الكسور إلى جوار السيدة التي تلد!! كما كان الأطباء والممرضون لا يستطيعون دخول العنابر إلا بوضع كمّامات على الأنف من الرائحة شديدة العفونة في داخل هذه العنابر! بل كان الموتى لا يُنقلون إلى خارج العنابر إلا بعد مرور أربعٍ وعشرين ساعةً على الأقل من الوفاة!! ولك أن تتخيل مدى خطورة هذا الأمر على بقية المرضى !!
وقد وصف المستشرق الألماني ماكس مايرهوف [انظر بحثا مهما اسمه: (المستشرق الألماني ماكس مايرهوف (١٨٧٤-١٩٤٥) وتراث الطب العربي الإسلامي )، للأستاذ أحمد السري ، يعرف هذا البحث بواحد من أبرز علماء الاستشراق في عصره (١٨٧٤-١٩٤٥)، هو المستشرق الألماني ماكس مايرهوف، وذلك لكثرة كتاباته ذات الصلة بتراث الطب العربي الإسلامي وبخاصة علم طب العيون، ومما يزيد كتاباته أهمية هو اشتغال الرجل في الطب كمهنة (طبيب عيون) ثم اشتغاله باحثاً ومنقباً عن فرائد المؤلفات العربية ذات الصلة بعلم الطب وعلم طب العيون خاصة، وعندما يجمع مستشرق بين حنكة الطبيب وهمة الباحث فإن أهمية كتاباته تزداد على ضوء المعرفة التخصصية التي تؤهله لإصدار أحكام يعتد بها في ميدان علم الطب] حالة المستشفيات في أوربا في العصر الذي كانت فيه المستشفيات في حضارتنا بالصفة المذكورة: (إن المستشفيات العربية ونظم الصحة في البلاد الإسلامية الغابرة لتلقي علينا الآن درسًا قاسيًا مُرًّا لا نقدره حق قدره إلا بعد القيام بمقارنة بسيطة مع مستشفيات أوربا في ذلك الزمن نفسه، مرّ أكثر من ثلاثة قرون على أوربا، اعتبارًا من زمننا هذا، قبل أن تعرف للمستشفيات العامة معنى، ولا نبالغ إذا قلنا بأنه حتى القرن الثامن عشر (١٧١٠م) والمرضى يعالجون في بيوتهم أو في دور خاصة كانت المستشفيات الأوربية قبلها عبارة عن دور عطف وإحسان، ومأوى لمن لا مأوى لديه، مرضى كانوا أم عاجزين).
وبلغ الاهتمام بالمستشفيات ووجوه خدمتها حتى صار بعض الناس يتمارضون رغبة منهم في دخول البيمارستان (المستشفى) لما يجدونه من عناية ورعاية ومأكولات طيبة، وكان الأطباء يتغافلون عن ذلك، حتى صادف أن شخصا متمارضا كتب له الطبيب بعد ثلاثة أيام من دخوله: (الضيف لا يقيم فوق ثلاثة أيام) [التمريض في التاريخ الإسلامي/ص٢٩/ تأليف عكرمة سعيد صبري، ط: دار الثقافة، سنة ١٤٠٥هـ-١٩٨٥م]