Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تحويل الأخلاق إلى مؤسسات تصنع الحضارة

الكاتب

أ.د/ أسامة الأزهرى

تحويل الأخلاق إلى مؤسسات تصنع الحضارة

حوَّلَ العقلُ المستنيرُ في الحضارةِ الإسلاميةِ مبادئَ الوحيِ والأخلاقِ إلى مؤسساتٍ صانعةٍ للحضارةِ، هذا التحوُّلُ أنتجَ علومًا وفنونًا ومؤسساتٍ عظمى كالمستشفياتِ والمراصدِ، والإيمانَ هو محرِّكُ التقدُّمِ.

الأسلوب الأمثل في تحويل الأخلاق إلى مؤسسات تصنع الحضارة

من أهم أدوار العقل المستنير أنه يحول الوحي إلى مؤسسات وإجراءات تصنع الحضارة، وتحول منظومة الأخلاق والقيم إلى واقع يعيش المجتمع من خلاله مقاصد الشرائع، ويرى من خلاله كيف أفضى الدين إلى إكرام الإنسان، ورفع الحرج عنه، ولقد قامت الأمة المحمدية مثلًا بتلقي القرآن الكريم، وعكفت على دراسة المقدمات والإجراءات التي لابد من إنشائها، حتى تتحقق بها المبادئ القرآنية على أرض الواقع، وتسري بها قواعده إلى هذا الواقع المشخص، فصارت الآيات القرآنية على مرور القرون فوق قمة هرمٍ كامل من خطوات التنفيذ، وبرامج التطبيق، والمؤسسات التي تعمل وتتحرك من أجل تنفيذ المعاني العليا التي جاء القرآن بها، فانتبه إلى كيفية قيام الأمة بخدمة النص القرآني، وكيف أن طوائف العلماء انكبُّوا على ملاحظة إشارات القرآن ولَفَتاته، ثم قاموا بتحويل كل آية أو إشارة أو دلالة فيه إلى برنامج عمل، ومنهج تطبيق، ووسَّعوا البحث حول كل قضية جاءت في القرآن، فتولدت العلوم والفنون والآداب، ووجدت الحرف والصنائع.

دور القرآن الكريم في منهج الأمة

وتحويل آيات القرآن الكريم إلى برامج عمل قضيةٌ في غاية الأهمية، وآثارها جليلة؛ إذ من خلالها يسري القرآن إلى المجتمع، ويتنزل إلى التطبيق والتنفيذ، كما أنها عَمَلية عِلْمية، تقتضي بحوثًا ودراسات موسعة، حول المجالات والمَحالِّ التي ينبغي تنزيل آيات القرآن الكريم عليها، وكل هذا يحتاج إلى تفصيل وبيان واسع ليس هذا بموضعه، والمقصود أنه قد تغلغل القرآن الكريم في علوم الأمة، ومناهجها، ومصادر معرفتها، وهويتها، وسلوكها، وتاريخها، وأورث المسلمين مناهج علمية محررة، بنيت على أصلين راسخين، أولهما: الوحي، الذي هو القرآن وما نشأ على ضفافه من علوم، وثانيهما: الواقع وما التحق به من التجربة والاستقراء والتأمل، فأبرزت الأمة علومها المبنية على مصادرها ومناهجها ونظرتها للكون والحياة، وما استتبعه ذلك من تاريخ وتجربة بشرية راقية) [المدخل إلى أصول التفسير/ص١٦/، ط: الوابل الصيب، القاهرة، سنة ٢٠١٠م ]

القيم الأربعة العليا، وتحويلها إلى مؤسسات تصنع الحضارة

وبموجب ذلك فقد قام العقل المنير بتحويل الرحمة من كلمة إلى قيمة إلى مؤسسة إلى حضارة، ومن جملة تلك المؤسسات: المستشفيات، ومنها مبرات الحيوان ومؤسسات الرحمة والشفقة به، وقام العقل المنير بتحويل معنى السعة من كلمة، إلى قيمة، إلى مؤسسة، إلى حضارة، ومن تلك المؤسسات: المراصد الفلكية، وقام العقل المنير بتحويل معنى "العلم وتنوير العقول" من كلمة، إلى قيمة، إلى مؤسسة، إلى حضارة، ومن تلك المؤسسات: المدارس العلمية بمختلف صورها، وقام العقل المنير بتحويل معنى الجمال من كلمة، إلى قيمة، إلى مؤسسة، إلى حضارة، ومن جملة تلك المؤسسات: الخط العربي، والمعمار، والهندسة، وقد ألف الأستاذ سليمان فياض كتابًا جيدًا اسمه: (عمالقة العلوم التطبيقية، وإنجازاتهم العلمية في الحضارة الإسلامية)، تتبع فيه العباقرة والنبغاء من علماء الإسلام، الذين نبغوا في العلوم التطبيقية، ممن أسهموا في الجبر والمقابلة، وطب العيون، والطب النفسي، والوزن النوعي، وعلوم الحيوان والنبات، وعلوم الحساب والمعادلات المثلثية، والجاذبية الأرضية، وعلوم الأجنة والعقاقير، وعلوم النجوم والبيئة، وعلوم الهندسة التحليلية، وجراحة العيون، وعلوم الأورام، وموسوعات الصيدلة، وعلوم الصوتيات، وعلوم الأوبئة، وعلوم الكسور الاعتيادية واللوغاريتمات وغير ذلك.

علماء لهم مكانة في صناعة الحضارة

وقد رتب الأئمة والعباقرة المسلمين الذين برعوا في هذه العلوم على القرون، وقد وصل في رصده إلى أئمة القرن التاسع، وهو العصر الذي نبغ فيه العلامة أحمد بن ماجد المتوفى ٩٢٣هـ ـ ١٥١٧م في علوم البحار، ومؤلفاته كثيرة جدًّا في ذلك، وهو الذي قاد فاسكو دي جاما في اكتشافه لرأس الرجاء الصالح، ونبغ في ذلك القرن العلامة تقي الدين الراصد المتوفى سنة ٩٩٣هـ ـ ١٥٨٥م، فاكتشف طاقة البخار لأول مرة، وصمم نماذجَ لآلات ميكانيكية متعددة، حتى عرف بـ(أبو التكنولوجيا العربية) ، وقد نبغ في ذلك القرن أيضًا العلامة ابن حمزة المغربي -رحمه الله تعالى-، وكان بارعًا في علم اللوغاريتمات، ومن بعد القرن التاسع استمر ذلك العطاء الحضاري حتى نصل إلى العلامة الدمنهوري ورفاعة الطهطاوي كما سيأتي بعد صفحات، وكتب في ذلك أيضًا الأستاذ: قدري حافظ طوقان كتابه القيم: (تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك)، وكتب عبد الحليم منتصر كتابه: (تاريخ العلم، ودور العلماء العرب في تقدمه)، وكتب عبد الله الجراري كتابه: (تقدم العرب في العلوم والصناعات)، والكتابات في هذا المعنى كثيرة، وأجود ما كتب في هذا الباب -فيما اطلعت عليه- كتاب: (أعلام الحضارة العربية الإسلامية في العلوم الأساسية والتطبيقية)، تأليف الأستاذ زهير حمدان، وهو مطبوع في ستة أجزاء، ترجم فيه لألفين وأربعمائة من أعلام تلك الفنون، مع ذكر أسماء تصانيفهم، وأماكن وجود مخطوطاتها في المتاحف ودور المخطوطات في العالم.

الخلاصة

لقد حوَّلَ العقلُ المستنيرُ في الحضارةِ الإسلاميةِ مبادئَ الوحيِ والأخلاقِ إلى مؤسساتٍ صانعةٍ للحضارةِ، هذا التحوُّلُ المستلهَمُ من القرآنِ الكريمِ أنتجَ علومًا وفنونًا ومؤسساتٍ عظمى كالمستشفياتِ والمراصدِ الفلكيةِ، مما عكسَ دورَ الرحمةِ والعلمِ والجمالِ في البناءِ الحضاريِّ. لقد أظهرَ هذا العطاءُ أنَّ الإيمانَ محرِّكٌ أساسيٌ للتقدُّمِ، وأنَّ العلماءَ المسلمينَ تركوا بصمةً لا تُمحى في تاريخِ الإنسانيةِ.

موضوعات مختارة