(أ) وأول مستوى من مستويات القوة هو ثباته النفسي، الذي يحميه من الحيرة والاضطراب والتزلزل والتشتت والإحباط واليأس، فهو مهما حزن أو تألم فإنه يتدارك أمره سريعًا، ويقفز خارج أحزانه، ويمضي في حياته، مزودًا بثبات باطني عميق، يرجع في الأساس إلى عمق إيمانه، ووعيه بضخامة تاريخه، وعمق جذوره، فتتصاغر أمامه كل الهموم، ولا تغلبه الأحداث، مما يجعله صخرة ثابتة، تتلاطم حولها الأمواج، وتشتد، لكنها لا تنال من ثبات الصخور وصلابتها، وهذا هو السر في قدرة الإنسان المصري على اجتياز عشرات الموجات من المعتدين، كالهكسوس، والصليبيين، والتتار، والفرنسيين، والإنجليز، والصهاينة، ومختلف صور العدوان التي جاءت لتعتدي على أرض الكنانة الطاهرة، وربما بقيت بعض تلك الموجات عددا من السنين، لكنها انحسرت بعد ذلك وزالت، وإذا بها لم تستطع أن تتغلغل إلى ركيزة شخصية الإنسان المصري، بينما نجح الاستعمار في أماكن أخرى من تغيير اللغة، وطمس الهوية، لكن هذا الثبات الباطني والرسوخ العميق لليقين في أعماق الإنسان المصري جعل كل تلك الأمواج الطارئة تزول ويبقى هو.
وأهم ثمرة لهذا الثبات الباطني والقوة الذاتية النفسية عنده هي حمايته من كل الأعراض النفسية القاتمة، كالإحباط، وفقدان الأمل، والعزوف، واليأس، وغير ذلك من معاني الضعف التي إذا تمكنت من الإنسان قتلت فيه روح الإنسانية، وحولته إلى كيان محطم، فظل الإنسان المصري عنده شموخ وشمم، يجعله يأنف أن يستولي عليه الضعف النفسي أو الوهن، فإذا بمعاني اليقين والثبات والثقة في الذات قد أشرقت في وجدانه وساعدته على الثبات وقوة النفس.
(ب) المستوى الثاني من مستويات القوة هو قوة الإرادة، فهو إنسان خارق في كيفية تحويل الإرادة إلى إدارة، وبرنامج عمل، وصناعة نجاح، في كل أمر يدخل فيه، وينهض به، وقوة الإرادة قيمة كبرى، تنفك وتحلل إلى عدد من المكونات منها الإصرار، ومنها الهمة، ومنها العزيمة، ومنها التحدي، ومنها الإنجاز، ومنها اختراق قلة الإمكانيات، واجتياز العقبات، وتذليل الصعاب، والابتكار وسعة الأفق في إيجاد حلول ومخارج لكل أزمة.
وقوة الإرادة عند الإنسان المصري معناها أنه من صفاته اللازمة له، المتكررة في مختلف مراحل تاريخه، والتي تلوح في مختلف تصرفاته ومواقفه التاريخية، وأنه عنده جذوة لا تنطفئ من حب الحياة، وحب النجاح، مع القدرة على تحويل ذلك إلى إجراءات تشيع في مختلف أنشطته، وأنه لا يستسلم لأي ظروف طارئة أو عصيبة، وربما حزن، أو تألم، أو تأثر، لكن معنى الإرادة يظل قابلا للتجدد عنده، ويزيح كل تلك العوارض والمظاهر لينبعث الإنسان المصري ويولد من جديد.
(ج) المستوى الثالث من مستويات القوة هو قوة العقل، المستنير بالعلم والمعرفة والوعي، وإدراك الواقع، وفهم تعقيداته، والإلمام الواسع بخريطة العالم من حولنا، وأين موضعنا منها، وهل نحن نسير على طريق الحضارة والتمدن الذي يليق بمصر، وإن كان قد وقع تخلف أو تباطؤ فما الحلول والمخارج والمقترحات والآفاق الواسعة التي ندرك بها عصرنا، ويكون لنا بها موضع قدم بين الأمم والشعوب، ومفاتيح العلوم والحضارة كانت هنا على أرضنا.
فالإنسان المصري قوي النفس، قوي الإرادة، قوي العقل، مؤسساته قوية، عنده تاريخ أزهري مجيد جعل مصر قلب العالم الإسلامي، وصدرت علوم الإسلام حتى إلى البلد الذي نزل فيه الإسلام، وعنده الكنيسة المصرية التي هي المركز الروحي للمسيحيين في أفريقيا، وعنده جيش وطني شامخ وباسل وقوي، وعنده مفكرون، وعلماء، وعباقرة، وخبراء، في مختلف ميادين المعرفة، مما يجعله قادرًا على اجتياز أزماته ومشكلاته مهما كان حجمها؛ لأنه يمتلك القدرات الذاتية الهائلة والتي هي مفتاح الحل.