Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإنسان المصريّ مُعَمِّرٌ

الكاتب

أ.د/ أسامة الأزهرى

إنسان مُعَمِّرٌ

يمتلكُ المصريون شغفًا عميقًا بالبناءِ والتشييدِ منذُ أقدمِ العصورِ، فلوْ أردْنا تلخيصَ شخصيةِ الإنسانِ المصريّ يُمكننا أن نقولَ إنه إنسانٌ مُعَمِّر، يظهر ذلك بوضوحٍ في الأهرامات، المعابد، المساجد، والقصور، وتطورّتِ العمارةُ المصريةُ عبرَ العصورِ الفرعونيّة، المسيحيّةِ، والإسلاميّةِ، مُجسدةً روحَ الابتكارِ والدقةِ الهندسيّةِ.

وَلَعُ الإنسان المصريّ بالعمران منذ فجر التاريخ

في وجدان الإنسان المصري شغفٌ وولعٌ عميقٌ بالعمران، والبناء والتشييد، منذ فجر تاريخه، وإلى اليوم، فما خلت فترة من فترات تاريخه العريق من إبداع معماريّ جديد، يحتوي على روائع من فنون المعمار، وقد استلزم هذا منه أن يبدع إبداعًا كبيرًا في فنون المعمار والعلوم الهندسية، حتى يتمكن من تحقيق هذا الشغف الكامن في أعماقه بالتشييد.

استمرارية الإبداع من العصور القديمة حتى المشاريع الحديثة

وقد ظهر هذا مثلًا في الهرم الأكبر، قال حسين مؤنس: (فأما العلم فأيسر تأمل فيما بين أيدينا من آثار هذه الحضارة يتحدث عن العلم القائم على الحساب والدرس الطويل، هذه الأهرامات والمنشآت كيف تقوم دون هندسة) [مصر ورسالتها، ص٥٣.]، وبقية الأهرام التي تزيد على المائة هرم، والمعابد، والمسلات، والنحت، والمدافن الملكية المنقوشة بعجائب النقوش والرموز والرسوم.

ثم الكنائس التاريخية المنتشرة في ربوع مصر، ثم المساجد والمآذن والمنارات والقباب، ثم الطرق والكباري والمعابر، والأسبلة والخانات، والتكايا، والقصور، ومنارة الإسكندرية، ومقاييس النيل، والمدارس المتقنة البناء، مع عجائب فنون النحت والنقوش، والصنائع المصرية العريقة، والمنسوجات اليدوية البديعة، إلى أن ظلت إلى اليوم عدة قرى في نقادة وغيرها من أنحاء مصر تبدع نسيجًا يدويًا في غاية الإتقان والروعة وتقام له المعارض في لندن إلى ما قبل شهور مضت.

ثم سور مجرى العيون، وحفر قناة السويس، وتشييد السد العالي، وحفر قناة السويس الجديدة، وغير ذلك كثير من مظاهر عشق الإنسان المصري للعمران والبناء، مع ابتكار وإبداع في العلوم الهندسية التي تعينه على تحقيق هذا الشغف العميق في وجدانه، حتى يصل هذا المعنى إلى وجدان المواطن المصري البسيط الذي يغالب الفقر، وتجد من أكبر همومه ومشاغله أن يبني البيت، إلى غير ذلك من مظاهر عناية الإنسان المصري بالبناء والتشييد والتعمير، فإن أضفت إلى ذلك تاريخه العريق الممتد طوال ألوف من السنين بالزراعة التي هي خير ونماء وحياة، مع الابتكار في كل مستلزمات عملية الزراعة في الري والحصاد وتخزين الحبوب وبناء الصوامع.

تطور العمارة في العصور المسيحية والإسلامية

وشغف الإنسان المصري بالعمران والتشييد عريق في كل أطوار تاريخه، في العهد الفرعوني، وفي العهد المسيحي، وفي العهد الإسلامي، ومن أمثلة العمارة التي نتجت عن العهد المسيحي ما ذكره دالتون:"في الدليل الذي وضعه عن أقدم الآثار المسيحية والبيزنطية في الفن القبطي أنه عثر على آنية برونزية من طراز قبطي في مقابر إنجليزية ساكسونية". [تكوين مصر/ص٨٨/].

ويكفي مثلًا جامع السلطان حسن، والذي يعد بحق أعظم المساجد المملوكية وأجلها شأنًا، فقد جمع بين ضخامة البناء وجلال الهندسة، خصوصًا قيام بعض أركانه على أسس علم الهندسة اللا إقليدية، وقد توفرت فيه دقة الصناعة وتنوع الزخرف، وشتى الفنون والصناعات من دقة الحفر في الحجر، ودقة صناعة النجارة العربية وتطعيمها، حتى ازدحمت فيه روائع الفن، فاشتملت على كل ما فيه، لا فرق في ذلك بين الثريات النحاسية، والمشكاوات الزجاجية، وقد احتفظت دار الآثار العربية بالقاهرة بالكثير من هذه التحف النادرة وهي من أدق وأجمل ما صنع في هذا العصر، حتى كان بعض كبار المعماريين يسميه: (هرم مصر الرابع).

ويكفي ما ذكره الرحالة العياشي الذي زار المسجد سنة ٧٥٧هـ/١٣٥٦م فيقول: "وهو مسجد لا ثاني له في مصر ولا في غيرها من البلاد في فخامة البناء وارتفاعه وإحكامه واتساع حناياه، وطول أعمدته الرخامية وسعة أبوابه كأنه جبال منحوتة تصفر فيها الرياح".

فنحن أمام نفسية تسبح في بحر من فنون المعمار، وتكشف عن شغف عميق بالتعمير، لا على وجه الاستهلاك، بل على وجه ابتكار العلوم والفنون التي تحقق ذلك، حتى يصح لنا لو أردنا تلخيص شخصية الإنسان المصري أن نقول إنه إنسان مُعَمِّر.

دور المصريين في بناء منشآت خارج حدود مصر

بل لقد امتد عمرانه إلى أعماق الدنيا، حتى قال هارولد ماكمايكل الدبلوماسي البحاثة البريطاني: "في رحلتي الأولى مع النيل جنوبًا ما وجدت بناء حجريًّا، من الخرطوم إلى أكو أتوريا "المديرية الاستوائية" إلا وهو من بناء المصريين، كل المدارس والمساجد ونقط البوليس وثكنات الجند ومراكز المواصلات ومحطات الري بناها المصريون". [مصر ورسالتها: د. حسين مؤنس - رحمه الله -، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة ١٩٩٨م، ص١٥].

تَمَيُّز العمارة المصرية بقوة التحمل والرسالة الحضارية

وقد ذكر العلامة علي مبارك باشا عددًا من عجائب المعمار المعجز في معبد الكرنك ثم قال: "فهل يوجد مبان للآدميين تقاوم بقوتها الزمن وأيدي الناس مثل هذه الأبنية، وهل لغير المصريين مبانٍ من هذا القبيل، بقيت على كيفيتها وصورتها الأصلية، ودفعت بقوتها ما سطا عليها من الأقوام المختلفة كالفرس والعرب وغيرهما، ونفذت من غائلة جميع الحوادث الدهرية، حتى وصلت لعصرنا، فما كأنها إلا كتب مرسلة من طرف أهل القرون الماضية للقرون الآتية، وتخبرهم بما في إمكان الإنسان أن يفعله". [الخطط التوفيقية، لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، ط: مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، سنة ١٤٢٢هـ-٢٠٠١م، ج١٣ص٢١٢].

الخلاصة

يحمل المصري شغفًا أصيلًا بالبناء منذ فجر التاريخ، تجلّى في إبداعاته من الأهرامات والمسلات إلى الكنائس والمساجد والمدارس، ممزوجًا بفنون معمارية وهندسية متقنة، استمر هذا الشغف عبر العصور، من العهد الفرعوني حتى الإسلامي، وتمثّل في مشاريع عملاقة داخل مصر وخارجها، مثل السد العالي وقناة السويس، وحتى منشآت في السودان.

موضوعات مختارة