وهذا الموقف لم يحدث أبدًا في الإسلام، فقد شجع الرسول -صلى الله
عليه وسلـم- المسلمين على السعي وراء العلم وإدراكه أينما وجد.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلـم-: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ»، كما قامت مودة ورحمة بين العلم
والدين في الإسلام، إلى الحد الذي فُضل فيه العالم على العابد، وأخبرنا القرآن
الكريم أن العلماء هم أكثر الناس ورعًا ومخافة لله.
فيقول سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا
يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ} [فاطر: ٢٨]
بل إن الإنسان فُضل على غيره من المخلوقات بالعلم. وقد أعطاه الله
القدرات والمواهب التي تجعله يدرك أسرار الكون، ويعلم مخلوقات الله في هذا الكون
الكبير.
ولنرجع إلى سورة البقرة لنعرف هذا التمييز، يقول الله سبحانه وتعالى: {َإِذۡ
قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ
قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ
نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا
تَعۡلَمُونَ *
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ
فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ
سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ
ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ *
قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم
بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل
لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا
تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ} [البقرة: ٣٠-٣٣] ويقصد
بعلمه الأسماء: أسماء الأشياء كلها، ما كان منها وما سيكون، وخواص هذه المسميات،
وأصول العلوم وقوانين الصناعات، وأسماء ما تحتاج إليه ذرية آدم بطريق الإلهام، هذا
فرس، وهذا بعير، وهذه سيارة، وهذه طائرة... إلخ، مما لم يكن في علم الملائكة.
قال ابن عباس: علمه اسم كل شيء، حتى القصعة والمغرفة وأسماء الأشياء
كلها.
وقال مجاهد: علمه اسم كل دابة وكل طير، وكل شيء من أسماء الأشياء، كما
علمه أسماء الملائكة والذرية. [راجع المقتطف من "عيون التفاسير" للعلامة مصطفى الحسني
المنصوري - المجلد الأول، دار القلم- دمشق، ص ٦٤ – ٦٦]
وهكذا نمضي مع التفاسير التي تبين تعليم الله لآدم كل شيء، وجعله
ونسله قادرًا وقابلًا للتعلم من كل جديد.
وتعطينا هذه الآيات جميعها مصدرًا ثالثًا وهامًا للعلوم والمعرفة، هو الوحي،
وهو عند المسلمين أهم مصدر.
فالمنهج العلمي في الإسلام يختلف عنه في الغرب، فالغرب لا يعترف إلا
بالتجربة بالحواس، وكذا بالعقل، أما الإسلام فيضيف إليها الوحي أو النقل.