Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وصناعة الحضارة

الكاتب

هيئة التحرير

{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وصناعة الحضارة

إن قوله تعالى: {فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} ليس مجرد توجيه أخلاقي أو علمي، بل هو ركن أساسي من أركان البناء الحضاري الإسلامي؛ لأنه يؤسس لمجتمعٍ معرفيّ، منظم، يحترم العلم، ويُعلي من شأن التخصص، وحين نُحيي هذا المبدأ في مناهجنا، وإعلامنا، وقراراتنا، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو صناعة حضارة قائمة على العلم، والعدل، والتخصص، والنهضة.

تمهيد

في عالمٍ يتسابق نحو المعرفة لا يمكن لأمة أن تصنع حضارتها دون أن تستند إلى العلم وأهله، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: {فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] وهي آيةٌ جامعة في الحثّ على الرجوع إلى أهل العلم، والاختصاص في كل ما يُشكل على الناس أو يجهلونه، وهي بذلك تمثل أساسًا حضاريًا متينًا يقوم على احترام التخصص، وتمييز العلم، والرجوع إلى الخبرة، وتقديم الكفاءة على الفوضى والعشوائية.

دلالة الآية في سياقها

وردت الآية مرتين في القرآن الكريم، الأولى في سورة النحل في سياق الرد على المشركين الذين أنكروا أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم من البشر، فبين- سبحانه- أن الرسل السابقين الذين لا ينكر المشركون نبوتهم كانوا من البشر، والثانية في سورة الأنبياء في بيان أن حكمة الله قد اقتضت أن يكون جميع الرسل من البشر وأن يعيشوا الحياة التي تقتضيها الطبيعة البشرية،ويتمكنوا من التعامل والتخاطب والتفاهم مع من هم من جنسهم، ولو كان الرسل من غير البشر لما كانت هناك وشيجة ورابطة بينهم وبين أقوامهم، وأن يؤيدهم الله- تعالى- بالمعجزات الدالة على صدقهم، وكلا السياقين يؤكد أن الجهل لا يُعالج إلا بالعلم، وأن ما يُشكل على الإنسان من أمر دينه أو دنياه، فعليه أن يسأل أهل الذكر، أي: أهل المعرفة، والخبرة، والعلم، ويدل على وجوب الرجوع إلى أهل العلم فيما لا يعلم.

وفي الفهم الحضاري، فإن هذه الآية تمثل منهجًا ربانيًا لبناء المعرفة الجمعية والمؤسسية، حيث لا يُترك الجاهل يتخبط، بل يُوجَّه للسؤال، ولا يُسمح لغير المؤهل أن يتصدر، بل يُرد إلى موضعه ومكانه.

المعنى الحضاري لـ"أهل الذكر"

- "أهل الذكر" في المعنى الشرعي: هم العلماء، وخاصة علماء الشريعة.

- وفي المعنى الواسع: كل من تخصص وتبحّر في علمٍ من العلوم، كأهل الطب، الهندسة، الزراعة، التعليم، الاقتصاد...

فالعبرة ليست فقط بجنس العلم، بل بالتخصص والتمكن والخبرة، ولذلك، فإن الآية تدعو إلى:

أ . احترام الخبراء في كل مجال.

ب . الحذر من الفوضى في الرأي، وادعاء المعرفة.

جـ . بناء منظومة معرفية تُقدر الكفاءة وتمنع التسلّق.

الآية وبناء المنهج العلمي

تُرسي هذه الآية عدة قواعد تُعدّ أساسًا في المنهج العلمي الحديث:

القاعدة

مضمونها في ضوء الآية

التخصص

 

لا يجوز أن يُفتي أو يُتكلم في غير التخصص.

التعلُّم المستمر

 

الجاهل لا يُلام إن سأل، بل يُحث على السؤال.

التوثيق والرجوع إلى المصادر

 

لا تبنِ قرارك على الظن بل على العلم الموثوق.

التواضع العلمي

عدم الادعاء بالمعرفة دون تحقق.

علاقة الآية بصناعة الحضارة

الحضارة لا تُبنى بالعشوائية، بل تقوم على:

أ . المنهجية العلمي:

الرجوع إلى أهل الذكر هو اعتراف بأن العلم قاعدة البناء الحضاري، فلا قرار دون دراسة، ولا سياسة دون مشورة علمية.

 ب . احترام الكفاءات:

كل حضارة متقدمة تُكرم أصحاب العقول وتُمكّنهم من مواقع التأثير، وهذا ما تدعو إليه الآية ضمنيًا، ورغبت فيه السنة المطهرة؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ» (رواه الترمذي).

 جـــ . القيادة الرشيدة:

صاحب القرار في الإسلام لا يستأثر برأيه، بل يسأل أهل الذكر كما فعل النبي – صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدون من بعده.

 د . الحفاظ على وحدة المجتمع:

عندما يُسأل الجاهل، ويتكلم غير المتخصص، تنتشر الفوضى والفتن، كما نشهده اليوم في المجتمعات التي لم تُؤسس لثقافة التخصص؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (متفق عليه).

نماذج حضارية من التاريخ الإسلامي

 •الترجمة في العصر العباس

ترجم المسلمون علوم اليونان والفرس والهند، وسألوا أهل الذكر من الأمم الأخرى في الطب، والفلك، والرياضيات، فكان ذلك مدخلًا لنهضة علمية وحضارية عظيمة.

 •المدارس النظامية ودار الحكمة:

جُعل لكل علمٍ أهله، ولكل مذهب علماؤه، فلا مجال للهواة في إصدار الأحكام.

 •الفتاوى السياسية والعسكرية:

لم يكن الخليفة أو الأمير يكتفي برأيه، بل يسأل العلماء ويشاورهم، كما في خطب عمر بن الخطاب واستشارته للصحابة – رضي الله عنهم- والفقهاء.

أثر تجاهل الآية في واقعنا المعاصر

عندما تُترك هذه القاعدة الربانية، نرى:

أ . تصدّر الجهلة في الشأن العام.

ب . انتشار الفتاوى غير المنضبطة.

جـ . ضياع الحقوق بسبب قرارات غير علمية.

د . انحدار التعليم والعلم بسبب تهميش أهل الذكر.

الخلاصة

إن قوله تعالى: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ليس مجرد توجيه أخلاقي أو إرشاد معرفي، بل هو أصل من أصول العمران الحضاري في الإسلام؛ إذ يُرسِّخ ثقافة الرجوع إلى أهل الاختصاص، ويؤسس لمجتمع منظم، معرفيّ، يحترم العلم، ويُعلي من قيمة التخصص، فإذا أحيينا هذا المبدأ في مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، وصناعة القرار، فقد وضعنا اللبنة الأولى نحو نهضة حقيقية تقوم على العلم، والعدل، والمهنية، والتكامل.

موضوعات مختارة