ولقد كان للعرب والمسلمين دور كبير في تقدم علم الفلك، إذ كانت بعض
مسائله مما يطالب المسلم بمعرفتها، كأوقات الصلاة التي تختلف بحسب الموقع، وتتغير
من يوم إلى يوم، وفوق ذلك فاتجاه المسلمين إلى الكعبة في صلواتهم يستلزم معرفتهم
سمت اتجاه القبلة، وكذلك هلال رمضان، وأحكام الشريعة، والصوم.
وبدأ اهتمام العرب والمسلمين بترجمة كتب الفلك
في العصر الأموي بدءًا بكتاب عرض مفتاح النجوم المنسوب إلى هرمس الحكيم، ثم بعد
ذلك كتاب السند هند الكبير الذي اختصره الخوارزمي (توفي عام ٢٣٢هـ - ٨٤٦م)، فيما
بعد وكتاب الأربع مقالات في صناعة أحكام النجوم لبطليموس الذي نقله أبو يحيى
البطريق (توفي عام ٢٠٠هـ/٨١٥م)، وكتاب المجسطي لبطليموس، والذي شارك في شرحه ونقله وإصلاح أغلاطه عدد من الفلكيين
العرب مثل النيريزي (توفي عام ٣١٠هـ-٩٢٢م) والبوزجاني (توفي عام ٣٨٨هـ-٩٩٨م) والبيروني
(توفي عام ٤٤٠هـ-١٠٤٨م) والطوسي (توفي عام ٦٧٢هـ -١٢٧٤م)، والشيرازي (توفي عام
٧١٠هـ -١٣١١م)، ثم بعد ذلك أسهم علماء الفلك العرب بمؤلفاتهم القيمة مثل: "ما
شاء الله" الذي ألف في الإسطرلاب ودوائره النحاسية و "يحيى بن أبي منصور"
الذي وضع زيجًا (جدولًا) فلكيًا مع "سند بن على".
وفي عهد الخليفة المأمون ألف "موسى بن شاكر"
و "أحمد بن عبد الله بن حبش" أزياجًا (جداول) في حركات الكواكب.
وقد قام علماء الفلك في عهد المأمون بتقدير محيط
الأرض وتوصلوا لقيمة تقترب من القيمة الحقيقية، كما وضع البيروني نظرية بسيطة
لتقدير محيط الأرض، ودقق الفلكيون العرب في حساب طول السنة الشمسية، وأخطأوا في
حسابهم بمقدار دقيقتين و٢٢ ثانية، ويعود سبب الخطأ إلى اعتمادهم على أرصاد
بطليموس.
وقد توصل البتاني (توفي عام
٣١٧هـ/٩٢٩م) إلى تقدير بعد الشمس عن الأرض بأنه يساوي ١٠٧٠ مرة، مثل: نصف قطر
الأرض وهذه النتيجة قريبة من القيمة الحقيقية.
وقد وضع الصوفي (توفى عام ٣٧٦هـ/٩٨٦م) جداول
دقيقة لبعض النجوم الثوابت، وكان أول من أشار في عام ٩٦٤م إلى التجمع النجمي
أندروميدا، ووصفه بأنه سحابة صغيرة، وظلت هذه الحقيقة قائمة حتى وضع عالم الفيزيقا
المعاصر واينبرج أفكاره عن الثلاث دقائق الأولى في عمر الكون عام ١٩٧٧م.
ويمكن تلخيص فضل العرب والمسلمين على علم الفلك،
بأنهم نقلوا الكتب الفلكية عن اليونان والفرس، والهنود، والكلدان، والسريان،
وصححوا بعض أغلاطها وتوسعوا فيها، وهذا عمل جليل لا سيما إذا عرفنا أن أصول تلك
الكتب قد ضاعت، ولم يبق منها غير ترجماتها العربية، وعن هذه الترجمات نقل
الأوروبيون أصول علم الفلك، كما هي، وقد أضاف العرب اكتشافات قطع بها علم الفلك
شوطًا كبيرًا، ويذكر أن نصف أسماء النجوم هي من وضع العرب ولا تزال مستعملة بلفظها
العربي في اللغات الأجنبية.
كما يشهد للعرب أنهم جعلوا علم الفلك علمًا
استقرائيًا يعتمد على المشاهدات، كما أنهم قد طهروا علم الفلك من أدران التنجيم.