ومن أدوات
الكتابة التي حرص المسلمون على تطويرها وإتقان صناعتها وتجميلها الوعاء الذي صنعوه
لحفظ الأقلام والحبر وقد أطلق العرب على هذا الوعاء أسماء بعضها مشتق من اسم الشيء
الذي كان يحفظ فيه مثل المقلمة أي وعاء الأقلام والمحبرة أي موضع الحبر، كما أطلق
عليه أيضا اسم الدواة وهي ما يكتب منه، وقد قال أحد الشعراء:
عرفت الديار كخط الديار يحبره الكاتب الحميري
وقد تطور شكل
الدواة أو المقلمة أو المحبرة إلى أن صارت على هيئة علبة مستطيلة ذات غطاء، تشتمل
عند أحد طرفيها على وعاء المداد، وفي الجزء الطويل الباقي تحفظ الأقلام.
وكانت الدواة
تصنع من مواد مختلفة: فمثلًا صنعت بعض الدوي من الزجاج، وفي متحف
برلين محبرة من الزجاج صنعت في مصر في القرن السادس الهجري (۱۲م).
ومن الملاحظ أن هذه المحبرة قد صنعت من نوع من
الزجاج يمتاز بسمكه وثقله، وقد عرف هذا النوع الذي يعتبر تقليدًا للبللور الصخري
أو الكريستال في مصر الفاطمية حيث ارتقت هذه الصناعة، وتزين هذه المحبرة زخارف
مقطوعة على نمط زخارف البللور الصخري، وهي على هيئة دوائر متداخلة.
وقد صارت
الدواة تصنع بصفة أساسية من البرونز أو النحاس وتكفت بالذهب والفضة، وازدهرت صناعة
الدوي في مختلف الأقطار الإسلامية، كما تشهد بذلك النماذج الرائعة التي وصلتنا،
والتي تدل على المستوى الرفيع الذي بلغته هذه الصناعة، كما تدل في الوقت نفسه على
الروح الفنية والمهارة الصناعية التي يتمتع بها العامل المسلم.
وتمثل هذه
الدوي بحق أساليب صناعة المعادن في هذه الأقطار، ولقد ازدهرت في مدن العراق
المختلفة وبخاصة في مدينة الموصل صناعة المعادن وتكفيتها بالذهب والفضة، ويتضح ذلك
في عدد من الدوي المعدنية التي تنسب إلى هذا الإقليم.
وفي المتحف البريطاني دواة من
النحاس المكفت بالفضة تنسب إلى مدينة الموصل في القرن السابع الهجري (۱۳م)، ويبلغ
طولها ٣٦,٨سم.
وإلى جانب
العراق ازدهرت صناعة الدوي المعدنية في مصر في عصر المماليك، كما تشهد بذلك دواة
من النحاس المكفت بالذهب والفضة بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة (سجل رقم ٤٤٦١)،
ويبلغ طول هذه الدواة ٢٠ سم وعرضها ٧.٥ سم، وارتفاعها اسم، وعليها كتابة تذكارية
باسم السلطان المملوكي الملك المنصور محمد المتوفى سنة٧٦٤هـ (١٣٦٣م).
ويزخرف غطاء
هذه الدواة من الداخل شريط عريض من الكتابة الكوفية المجدولة في وسطه منطقة مخصصة،
في مركزها شريط صغير من الكتابة نصه: "عز لمولانا السلطان"، أما
باطن الدواة فيشتمل على كتابة بالخط الثلث الجميل نصه: "عز لمولانا السلطان
المالك الملك المنصور العالم العابد".
وتحلى سائر
أجزاء الدواة مختلف أنواع الزخارف التي كثر استعمالها على المعادن المملوكية،
كالزخارف النباتية المورقة التي تمتاز بأناقتها ودقتها، والأزهار المتفتحة ورسوم
البط، والخطوط الهندسية المعقوفة وجميعها مرتبة ومنسقة بتوازن وانسجام إما داخل
المناطق المختلفة الأشكال أو بينها.
هذا وفى
دار الآثار العربية ببغداد دواة من النحاس المكفت بالفضة والذهب (سجل ۷۲۱ع)
تزخرف غطاءها من الخارج كتابة نصها: "إذا فتحت دواة العز والنعم: فاجعل مدادك
من جود ومن كرم"، كما يوجد على الغطاء أيضًا منطقة مستديرة تحتوي على كتابة نصها:
"المقر العالي المولوي الأميري المالكي الملكي"، ويتضح من هذه الألقاب
أن الدواة قد صنعت لأحد الأمراء في عصر المماليك، والحق أن الدواة تحليها زخارف
مملوكية مثل الوريدات والفروع النباتية المورقة وزهرة اللوتس المرسومة حسب الأسلوب
الصيني.
وينسب إلى
دمشق في العصر نفسه دواة من النحاس المكفت بمتحف
المتروبوليتان في نيويورك، ويملأ كل الأسطح الداخلية والخارجية من هذه الدواة رسوم
متشابكة تشمل مناطق وأشكالًا وزخارف نباتية وحليات مضفرة، بالإضافة إلى مناطق تحتوي
على خطوط هندسية من النوع المعقوف الذي شاع استعماله في زخرفة التحف المعدنية في
هذه المدينة.
وتعتبر إيران من أهم
الأقطار التي ارتقت فيها الصناعات المعدنية في العصر الإسلامي، ولا سيما في خراسان
التي ربما كانت مصدر التقاليد الفنية في العصور الوسطى.
وفى متحف فرير
في واشنطن دواة من البرونز المكفت بالفضة والنحاس تعتبر ذات أهمية
خاصة نظرًا للأسلوب الفريد الذي استخدم فى زخارفها وكتابتها، وقد تمت صناعة هذه
الدواة في سنة ٦٠٧ هـ (١٢١٠م) للأمير مجد الملك وزير خراسان، وكان مقره
مدينة مرو.
وتتألف زخارف
الدواة بصفة أساسية من رسوم مورقة قريبة، وأشرطة من الكتابات ومما يسترعى الانتباه
في هذه الزخارف الكتابات ما استخدم فيها من مزج بين الرسوم النباتية وحروف الكتابة
وبين رسوم الكائنات الحية إذ يلاحظ مثلًا أن هامات حروف الكتابة الرأسية قد شكلت
على هيئة سوم آدمية، كما يتفرع من العروق النباتية رسم روس حيوانات وطيور، وتتخلل
الفروع المورقة رسوم حيوانات مختلفة، وتمثل هذه الزخارف مرحلة مهمة من مراحل تطور
الكتابة العربية المشكلة على هيئة كائنات حية حتى استخدمها صناع المعادن
الإسلاميون في العصور الوسطى، والتي وصلت أوج تطورها في مصر في عصر المماليك، كما
تشهد بذلك الكتابة المحفورة حول رقبة شمعدان كتبغا المحفوظة في متحف الفن
الإسلامي بالقاهرة.
ولقد استمرت
صناعة الدوي المعدنية في إيران على طول العصور.
وفى متحف
بناكي في أثينا دواة من النحاس المحفور والمكفت بالفضة ترجع إلى العصر الصفوي
في إيران، وتتألف زخارف هذه الدواة من فروع نباتية دقيقة ورسوم تشبه السحب
الصينية، بالإضافة إلى كتابة بالخط الفارسي الجميل.
وفى دار
الآثار العربية ببغداد دواة من النحاس المكفت بالفضة والذهب (سجل ٢٠٦٨٥)
مع تزخرفها رسوم عربية مورقة وجدائل وكتابات بخط قريب الشبه من الخط المجوف الذي
استعمله المسلمون في أجزاء من بلاد التركمستان والأقاليم المتاخمة لمنغوليا
والصين، ويختلف العلماء في نسبة هذه الدواة: فبعضهم ينسبها إلى اليمن في القرن
التاسع الهجري (١٥م)، والبعض الآخر يميل إلى نسبتها إلى كشمير أو آسيا الوسطى في
القرن الثاني عشر الهجري (۱۸م).