Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الكتابة الفنية

الكاتب

أ. د/ مي يوسف خليف

الكتابة الفنية

نجحت الكتابة الفنية في استيعاب التنوع الفكري الذي ميز الحضارة الإسلامية، مما جعلها تعكس الصراعات والاتجاهات الثقافية المختلفة، كما أسهمت الأسماء اللامعة من الكُتّاب، كابن العميد والمعري، في تطوير هذا الفن وإضفاء طابع جديد يتجاوز المحلي إلى العالمي.

الكتابة الفنية وتطور الفن النثري

فتحت الكتابة الفنية مجالًا رحبًا لتطور الفن النثري في تاريخ الحضارة الإسلامية، بدءًا من دواوين الكتاب في العصر الأموي إلى ما شهدته من امتداد وتطور وتحديث في عصور الأدب العربي المتلاحقة.

جاء التطور نتاجًا طبيعيًا لعدة اعتبارات منها: التطور الحضاري مع اتساع الدولة الإسلامية، وكثرة ولاياتها، وأمصارها المفتوحة، فبدت ثقافة متجددة تأخذ وتعطي، تُؤثر وتتأثر، وتستوعب الكثير من مواد الفكر الوافد لتحيله إلى جزء من نسيجها الثقافي لا يكاد ينفصم عنه.

كما جاء تطور الكتابة الفنية رد فعل طبيعيًا لحاجة الخلفاء أنفسهم للكُتَّاب، مما جعل منزلة الكاتب في قامة الشاعر، إن لم يفوقه بحكم الوظيفة التي رفعت بعض الكُتاب إلى مصاف الوزراء، لاسيما من برز منهم في موقع الأستاذية والتوجيه، بدءًا من عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وانتهاءً إلى ابن العميد، وبينهما عدد كبير من الرواد الذين طوروا فن الكتابة الرسمية والديوانية، حتى أن أُسرًا بعينها قد توارثت منصب الكتابة على طريقة بني سهل، وبني وهب، وآل نوبخت، وغيرهم على غرار وراثة الوزارة والخلافة.

وثمة اعتبار آخر يرتبط بموقف بعض الخلفاء من الكتابة، حين شاركوا الكُتاب حرفتهم، وأرادوا أن يتركوا فيها بصمة سياسية، خاصة ما ورد في نظرية الحكم، أو حق الأسرة الحاكمة، أو إسقاط حقوق بيوتات أخرى في الحكم، إلى ما يشبه ذلك من فكر وقف عنده بعض الخلفاء كاتبًا على طريقة أبي جعفر المنصور في جدله الكتابي مع محمد النفس الزكية، حول أحقية العباسيين بالخلافة دون أبناء العمومة، إلى ما ترتب على المكاتبات من قضايا ومواقف بين الخليفة وخصومه من باب الجدل أو المناظرة أو الإقناع بالحجج والبراهين والأدلة التاريخية والنصيَّة.

كما انعكست ثقافة العصر التي انطبعت - بدورها - في ذاكرة الكُتَّاب، فظهرت مدارسهم الفكرية الكبرى موزعة بين مدارس فلسفية، وأخرى لغوية، وثالثة اعتزالية، ورابعة سنية، مما يعني قدرة الكُتاب على نقل ثقافة المرحلة بكل فروعها إلى ميادين الكتابة الفنية، فبدأ دافعٌ من دوافع ظهور التعددية والانقسام المذهبي، فاتسعت دوائر التنافسية، وتجاوزت حد الإجادة والإبانة والفصاحة إلى حدود الصنعة والتصنع، والتكلف والتعقيد في بعض الأحيان.

الكتابة الفنية والصراعات السياسية

كما اتجهت الكتابة الفنية إلى استيعاب الصراعات السياسية في العصر الأدبي، بما عكسته من ظواهر الشعوبية والتعصب، وافتعال معارك حول تاريخ العرب وفكرهم وثقافتهم على طريقة كتابات سهل بن هارون، وهو ما بدا امتدادًا لفن النقائض الأموية، وإن اختلف النوع الأدبي والآليات والأدوات، كما اتسعت الدائرة من القبلية إلى الأممية، ولكن الشاهد ظل ماثلًا في قدرة الكُتاب أنفسهم على صناعة مدارس تنم معظمها عن براعتهم على منهج الجاحظ في الرد على الشعوبية في كتابه (العصا) ضمن كتاب (البيان والتبيين)، وكذا كانت ردود ابن قتيبة وغيره من المدافعين عن العروبة فكرًا وثقافة ولغة وسلوكًا وقيمة، كذلك ظلت الثقافات الدخيلة شاخصة في ذاكرة الكاتب عبر جدلية الفكر وتداخل المدارس، وتباين الاتجاهات وتعدد المصادر المترجمة من الفارسية أو الهندية أو اليونانية، مما تجلى منه جانب في تطور الصيغ الجدلية، والمشكلات الكتابية، والخلافات اللغوية والفنية، إلى جانب صراع التوجهات والمدارس والأفكار والانتماءات والمناهج لدى الكُتاب.

وتواصلت المدارس الفنية، واستمرت الاتجاهات لتبلغ الذروة في كتابات ابن العميد ومذهب التصنيع الذي نبغ فيه في صنعته البديعية والتصويرية، تلك التي أعادها البعض إلى ما ساد بيئته من تطريز خاص في صناعة السجاد، والبعض الآخر إلى وراثته الكتابة عن أبيه، فكان لديه القدرة على الإضافة من واقع ثقافته البديهية، وقدراته الخاصة في صناعة الكتابة، وتأصيل المدرسة على مستوى الأداء الفني.

كما امتدت الرحلة عبر القلقشندي في (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) إلى حيث اتسعت ثقافة الكاتب في زحام الفكر والإبداع، مع كثرة الشروط والقواعد والاعتبارات، لتتعدد أسماء الكُتاب بقدر صناعتهم على طريقة ابن خلكان في (وفيات الأعيان)، وابن الطقطقا في (الفخري في الآداب السلطانية)، وصلاح الدين الصفدي في (الوافي بالوفيات)، إضافة إلى جهود القاضي الفاضل، ولسان الدين ابن الخطيب، وابن حجة الحموي، وغيرهم من كبار صناع الكتابة الفنية، وبين فن الرسائل ظهر نمط خاص من الإبداع العربي لدى الشاعر المتفرد الذي صنف إبداعه الشعري بين الدرعيات واللزوميات وسقط الزند، فإذا بالمعري يسجل رؤية خاصة في (الفصول والغايات) ورؤيته الأخص في (رسالة الغفران).

وتعتبر (رسالة الغفران) نمطًا أكثر تميزًا بحكم طابعها الخاص المخالف لفن المقامة الذي أراده بديع الزمان الهمذاني وأضاف إليه وجدد فيه الحريري، ثم شارك فيه كثير من الكتاب والمبدعين، ولكن المعري شاء أن يجعل مرجعيته الفكرية قصة الإسراء والمعراج ليترك برسالته أثرًا في رسالة ابن شهيد الأندلسي (التوابع والزوابع)، ثم (الكوميديا الإلهية) لدانتي الإيطالي، وربما امتد الأثر إلى (الفردوس المفقود) لجون ملتون.

من هذا كانت تحولات الكتابة الفنية مدخلًا إلى توظيف عناصر القصة المختلفة وتجليات الإبداع اللغوي من لدن المبدع، وأصول التلقي من قبل الجمهور، الأمر الذي أحال الكتابة إلى فن له مقوماته التي ظهرت في كتاب (الصناعتين) لأبي هلال العسكري قاصدًا الشعر والكتابة، إلى غير ذلك من حوارات النقاد حول الشعراء والكُتاب في كثير من الأحوال.

وخلاصة القول إن الكتابة قد تجاوزت مرحلة الضرورة إلى مرحلة التحضر، وتدرجت في سلم الارتقاء فاستوعبت ثقافات وأفكارًا، وشهدت مذاهب وآراء واتجاهات، فكان لها الإسهام الحضاري المتميز في بوتقة الحضارة الإسلامية التي شهدت امتدادها التاريخي من بلاد الأندلس إلى حدود الصين.


مراجع للاستزادة:

- أحمد أمين: ضحى الإسلام، النهضة المصرية، القاهرة ١٩٣٦م.

- شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في النثر العربي، دار المعارف ١٩٧٤م.

- ابن قتيبة: أدب الكاتب، دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٨٦م.

- أبو بكر الصولي: أدب الكُتَّاب، المطبعة السلفية، مصر،١٣٤١هـ.

- أبو هلال العسكري: كتاب الصناعتين، القاهرة، ١٩٧١م.

- أنيس المقدسي: تطور الأساليب النثرية في الأدب العربي، بيروت، ١٩٧٥م.

- زكي مبارك: النثر الفني في القرن الرابع الهجري، القاهرة، ١٩٣٤م.

- طه حسين: من حديث الشعر والنثر، دار المعارف، ١٩٨٣م.

- كمال اليازجي: الأساليب الأدبية في النثر القديم، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٠م.

- عبد الله التطاوي: صيغ الأداء والتطور في فنون النثر العباسي، دار الثقافة العربية، ٢٠٠٢م.

الخلاصة

تطورت الكتابة الفنية والفن النثري في الحضارة الإسلامية، بدءًا من العصر الأموي إلى العصور الأدبية اللاحقة، ويعكس هذا التطور تأثيرات الحضارة وسياسات الخلفاء، وارتقى الكُتَّاب إلى مناصب مرموقة، وبرز دور الكتابة كوسيلة للتعبير عن الهوية الثقافية، متضمنة تعددية الآراء والمدارس، وشكلت الكتابة الفنية جزءًا أساسيًا من الحضارة الإسلامية، راسمةً ملامحها من الأندلس إلى الصين، مما جعلها فنًا راقيًا يجمع بين البلاغة والعمق الفكري.

موضوعات ذات صلة

هو وسيلة تعبير إنساني عميقة تنبع من الفطرة، وتعكس مشاعر الإنسان وأفكاره منذ أقدم العصور.

هو مجموعة من القضايا التي تُدرس بمنهج معين وتؤدي إلى نظريات وقوانين وفي الفكر الغربي.

كلمة "تأريخ" تجمع بين المعنى الزمني والدلالات الحضارية العميقة.

موضوعات مختارة