الوراقة هي مهنة قديمة ارتبطت بصناعة الكتاب والنسخ والتجليد، عرفها العرب بعد ظهور الورق في بغداد خلال العصر العباسي لم تكن مجرد مهنة نسخ، بل كانت تضم عمليات التصحيح والتجليد والتوزيع.
الوراقة هي مهنة قديمة ارتبطت بصناعة الكتاب والنسخ والتجليد، عرفها العرب بعد ظهور الورق في بغداد خلال العصر العباسي لم تكن مجرد مهنة نسخ، بل كانت تضم عمليات التصحيح والتجليد والتوزيع.
هي مهنة ارتبطت بالورق وصناعة الكتاب، ويُعَرِّفها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة بأنها عملية "الانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتبية والدواوين"، ويضيف السمعاني في كتابه (الأنساب) أن من يبيع الورق يقال له: "الوراق" أيضًا.
ومعنى هذا أن الوراقة تعنى عملية النشر والتحقيق بكل ما تستتبعه من تجليد وتوزيع، وأن حوانيت الوراقين كانت تقوم مقام دور النشر في أيامنا هذه، وكانت تقوم إلى جانب ذلك بما تقوم به المكتبات الآن من بيع الورق والأدوات الكتابية كالمداد والأقلام.
ولأن لفظ "الوراقة" مشتق من الورق، فطبيعي ألا توجد هذه الحرفة إلا بعد ظهور الورق وانتشاره، وقد عرف العرب الورق مجلوبًا من سمرقند في أواخر القرن الأول الهجري، ولكنه لم ينتشر بينهم إلا بعد صناعته في بغداد ابتداء من سنة١٧٧هـ، وطبيعي ألا تظهر حوانيت الوراقين إلا في المراكز الحضارية، ومن أجل هذا ننظر فنراها وقد تناثرت في شوارع بغداد في عصر العباسيين؛ فالخطيب البغدادي يحدثنا في مواضع متفرقة من (تاريخ بغداد) عن الوراقة والوراقين منذ وجدوا في عاصمة الخلافة العباسية إلى ما بعد منتصف القرن الخامس الهجري بقليل، وياقوت الحموي يروي لنا في (معجم الأدباء) أن علي بن المغيرة الأثرم كان وراقًا في زمن الرشيد، وأن سهم بن إبراهيم الوراق كان من شعراء القرن الثاني ومن أدباء القيروان.
ويحدثنا السمعاني في كتابه (الأنساب)، أن أبا جعفر أحمد بن محمد بن أيوب كان يورق للفضل بن يحيى البرمكي، ويذكر ابن النديم أن علان الشعوبي كان ينسخ في بيت الحكمة للرشيد، والمأمون، والبرامكة.
وفي مستهل القرن الثالث أمر المأمون الفراء أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب، وصير له الوراقين الذين كانوا يكتبون له حتى صنف (الحدود) كما يذكر الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد).
وفي غضون هذا القرن كان أبو القاسم عبد الوهاب بن أبي حية، وأبو يحيى زكريا بن يحيى يورقان للجاحظ، وكان محمد ابن الحسن بن دينار الأحول يورق لحنين بن إسحق كما يذكر ياقوت في (معجم الأدباء)، وكان إسماعيل بن أحمد الزجاجي، وإبراهيم ابن محمد الساسي يورقان للمبرد كما يذكر ابن النديم.
وفي أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع كان أبو موسى الحامض (ت.٣٠٥هـ) "يوصف بصحة الخط وحسن المذهب في الضبط فكان يورق"، وكان أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الكرماني (ت٣٢٩هـ) يورق بالأجرة لأنه كان "مليح الخط صحيح النقل يرغب الناس في خطه" كما يقول ابن النديم، وقد كانت جودة الخط وصحة النقل ودقة الضبط شروطًا أساسية للنجاح في صناعة الوراقة.
والتاريخ يحفظ لنا أسماء عدد كبير من الوراقين اشتهروا بحسن الخط نذكر منهم على سبيل المثال: أحمد بن محمد القرشي (ت٣٥٠هـ) الذي يصفه ابن عساكر في تاريخه بأنه "صاحب الخط المشهور"، وأحمد بن محمد بن الحسن الخلال (وهو من رجال القرن الرابع) صاحب الخط المليح الرائق والضبط المتقن الفائق كما يقول ياقوت في، (معجم الأدباء)، وكان أهل الأندلس أحذق الناس في الوراقة على حد تعبير المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم)، ومن بين من اشتهر منهم في القرن الرابع: محمد بن حمدون الغافقي الذي وصفه ابن الفرضي في (تاريخ علماء الأندلس) بأنه كان حسن الخط ضابطًا وظفر البغدادي الذي وصفه المقري في (نفح الطيب) بأنه من رؤساء الوراقين المعروفين بالضبط وحسن الخط.
وفي القرن الثالث الهجري امتلأت شوارع بغداد بحوانيت الوراقين، وكان في سوق الوراقين أكثر من مائة حانوت كما يذكر اليعقوبي في كتابه (البلدان)، ولم تكن تلك الحوانيت مجرد دور للنسخ وإنما كانت مجالس للعلماء والشعراء وملتقى للطبقات المثقفة، ومعروف أن الجاحظ كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر، وأن المتنبي كان يكثر ملازمة الوراقين، وأن ابا الفرج الأصفهاني كان يتردد على سوق الوراقين ويشترى منها صحفًا كثيرة يحملها إلى بيته ثم تكون رواياته كلها منها كما يذكر الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد).
وكان بعض الوراقين يسعون إلى المؤلفين يحملون منهم على ما يمكن أن نسميه "حقوق النشر" بمصطلح العصر الحديث، ثم يمضون إلى العلماء وطلاب العلم يعرضون عليهم بضاعتهم من الكتب التي أعطى لهم مؤلفوها حق التوريق فيها، فمن أراد نسخة من كتاب فما عليه إلا أن يتفق مع الوراق على السعر والوقت اللازم لعملية النسخ والمراجعة والضبط.
كما كان بعض الوراقين يباشرون أعمالهم في دور من يقومون بالوراقة لحسابهم، فياقوت يروى لنا في معجمه ان إسماعيل ابن صبيح الكاتب أقدم أبا عبيدة من البصرة في ايام الرشيد إلى بغداد وأحضر الأثرم وهو يومئذ وراق، وجعله في دار من دوره وأغلق عليه الباب ودفع إليه كتب أبي عبيدة وأمره بنسخها"، وأن علان الشعوبي كان ينسخ في دار أحمد بن أبي خالد الأحول فدخل عليه صاحب الدار فلم يقم له فغضب منه فأقسم علان ألا ينسخ بعد ذلك في منزل أحد من خلق الله.
ويبدو أن بعض الوراقين كانوا موظفين دائمين عند علية القوم وسراتهم، ففي مصر - مثلًا - كان في خزانة الوزير أبي الفضل ابن الفرات عدة وزافين كما يذكر ياقوت في (معجم الأدباء)، وكان في دار الوزير أبي الفرج يعقوب بن كلس (ت٣٨٠هـ) "قوم يكتبون القرآن الكريم، وآخرون يكتبون كتب الحديث والفقه والأدب حتى الطب، ويعارضون ويشكلون المصاحف وينقطونها" كما يذكر ابن خلكان في (وفيات الأعيان)، ويذكر ابن بشكوال في كتابه (الصلة) أن القاضي أبا المطرف عبد الرحمن بن فطيس (ت٤٠٣هـ) في الأندلس كان له ستة وراقين ينسخون له دائمًا، وكان قد رتب لهم على ذلك راتبًا معلومًا.
ولما وفد ظفر البغدادي على الأندلس "استخدمه الحكم المستنصر بالله في الوراقة" كما يقول صاحب (نفح الطيب)، وإلى جانب هذا كان بعض الوراقين يختصون بعلماء معينين فيلزمونهم مثل وراقي الفراء، وأبي عبيدة، والجاحظ، والمبرد، وحنين بن إسحق، وغيرهم، وكثيرًا ما كان الوارقون يلجؤون إلى استنساخ الطلاب وغيرهم بالأجر حين تضطرهم الظروف لتعجيل عملية النسخ، فياقوت الحموي يذكر أنه حين عهد إلى الأثرم بنسخ كتب أبي عبيدة كان يدفع الكتاب والورق من عنده لأبي مسحل وجماعة من أصحابه ويسألهم نسخه وتعجيله، ويتفق معهم على وقت معين لرده فكانوا يفعلون، ومع أن خطوط الوراقين كانت تختلف من فرد إلى آخر، إلا أنها كانت تتسم بسمات واحدة تقريبًا.
فابن النديم يذكر خطًا يسمى "الخط الوراقي" ويصفه بأنه محقق، والغالب أن هذا الخط كان يكتب بقلم جليل ليكون أكثر وضوحًا، ولتكون الصفحات أكثر عددًا فيزداد الأجر تبعًا لزيادة الصحف المنسوخة، بدليل ما رواه ابن عساكر في تاريخه من أن مسند الحسين بن أحمد النيسابوري (ت٣٦٥هـ) وقع في خطه في ألف وثلاثمائة جزء، وفي خطوط الوراقين في أكثر من ثلاثة آلاف جزء، وأن مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه كتبه الحسين النيسابوري في بضعة عشر جزءًا بعلله وشواهده، وكتبه الوارقون في نيف وستين جزءًا، ولا شك أن هذا الخط الوراقى كان أقل جودة من خطوط العلماء الذين كانوا ينسخون لأنفسهم أو لغيرهم، فالصولي يذكر لنا في كتابه (أدب الكتاب) أن الخط يوصف بالجودة "إذا خرج عن نمط الوراقين".
ومهما يكن من شي فقد كانت أسواق الوراقين في الحواضر الإسلامية مراكز للنشاط العقلي، وكانت حوانيتهم مستودعًا لكل ما أنتجته القريحة العربية في شتى فروع المعرفة، وكان رواج سوقها دليلًا واضحًا على خصوبة الفكر العربي واهتمام الناس في ذلك الزمان بكل ما كان يلقى في مجالس الإملاء وما يدون في بطون الكتب من علوم الدنيا والدين.
ولكن الوراقين لم يكونوا على درجة واحدة من الثقة، ولم يكونوا كلهم من أهل العلم والفضل، وإنما كان منهم من وصف بالمبالغة والكذب والاختلاق، فقد ذكر السيوطي في كتابه (المزهر) أن الوراقين زادوا في معجم (العين) وافسدوه، وذكر ابن النديم في (فهرسته) أن أحد وراقى إسحق بن إبراهيم الموصلي هو الذي ألف كتاب (الأغاني الكبير) ونسبه إليه زورًا وبهتانًا، ولكن هذا الجانب المعتم في الصورة الوضيئة لا يمس جلالها إلا مسًا رقيقا، لأنه يمثل قطاعًا صغيرًا لا يكاد يذكر إذا قيس إلى الصورة الكبيرة المشرقة.
مراجع للاستزادة:
- حبيب زيات الوراقة والوراقون في الإسلام، مجلة المشرق (تموز (١٩٤٧م).
- الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد أو مدينة السلام القاهرة: مكتبة الخانجي ١٩٢١م.
- محمد طه الحاجري الورق والوراقة في الحضارة الإسلامية مجلة المجمع العلمي العراقي، (١٩٦٥).
- ابن النديم الفهرست القاهرة المكتبة التجارية، ١٣٤٨هـ.
- ياقوت الحموي معجم الأدباء نشر مرجليوت ط١، القاهرة: دار المأمون ۱۹۲۲-۱۹۳۸م.
- اليعقوبي، أحمد بن واضح البلدان، ط النجف المطبعة الحيدرية، ١٩٥٧م.
تمثل الوراقة أحد أبرز أعمدة النشاط الثقافي والعلمي في الحضارة الإسلامية، فقد كانت حرفة تتجاوز النسخ المجرد إلى دور معرفي عميق، شارك فيه الوراقون في حفظ التراث ونقله، بل والتأثير في إنتاجه ونشره، ولقد لعب الوراقون دورًا يشبه في أهميته دور النشر والمكتبات في العصر الحديث، فكانوا حلقة وصل بين العلماء والمؤلفين وطلاب العلم، وساهموا في انتشار الفكر والأدب والعلوم الشرعية والطبية والفلسفية في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وقد اتسمت الوراقة بقدر عالٍ من التخصص.
لم تكن الزراعة في الحضارة الإسلامية مجرد حرفة لكسب العيش فحسب، بل تحولت بفضل العلماء المسلمين إلى عِلْمٍ منظم يقوم على التجربة والاستنباط، فبرعوا في هندسة الري شَقًّا للقنوات وتخزينًا للمياه تحديًّا للجفاف، وأثروا المكتبة العربية بمصنفات موسوعية -مثل الفلاحة النبطية والأندلسية- جمعت بين خبايا التربة وأسرار النبات، لينتقل هذا التراث بعدها إلى أوروبا حاملًا معه بذرة النهضة الزراعية الحديثة.
الحفر على الخشب فن عريق ازدهر في مصر قبل وبعد الفتح الإسلامي، شهد تطورًا عبر العصور الإسلامية المختلفة، وتميز بالعصر الفاطمي كالعصر الذهبي للزخارف الخشبية التي جمعت بين العناصر النباتية والحيوانية والهندسية.
تُعد العمارة الإسلامية تجسيدًا حيًّا لروح الإسلام وقيمه الجمالية والإنسانية، فقد جمعت بين الإبداع الفني والوظيفة العملية، وامتدت لتشمل مختلف الفنون التي تزين المباني وتعبر عن الهوية الحضارية للأمة.