لقد أثار الإتقان المعماري للأهرامات دهشة العلماء العرب والأجانب،
حتى فاضت شهاداتهم إعجابًا بما يفوق الوصف، وتُعدّ هذه الشهادات دليلًا حيًّا على
عبقرية المصريين القدماء التي أبهرت العالم عبر العصور، ومن أقوال العرب ما نقله
السيوطي عن الجاحظ في حسن المحاضرة (١/٦٥): "عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة،
عشرة منها بسائر البلاد، والعشرون الباقية بمصر، وهي الهرمان، وهما أطول بناء
وأعجبه ليس على الأرض بناء أطول منهما".
وقال المسعودي: "والأهرام، وطولها عظيم، وبنيانها عجيب، عليها
أنواع من الكتابات بأقلام الأمم السالفة، والممالك الدائرة، لا يُدرى ما تلك
الكتابة، ولا ما المراد بها ... وإن ذلك علوم وخواص وسحر وأسرار للطبيعة، وإن من
تلك الكتابة مكتوب: إنا بنيناها فمن يدعي موازنتنا في الملك وبلوغنا في القدرة
وانتهاءنا من السلطان فليهدمها وليزل" [مروج الذهب ومعادن الجوهر ١/ ٣٦١].
وقال عبد اللطيف البغدادي: "وقد
سُلك في بناية الأهرام طريق عجيب من الشكل والإتقان؛ ولذلك صبرت على مر الزمان بل
على مرِّها صبر الزمان، فإنك إذا تبحّرتها وجدت الأذهان الشريفة قد استهلكت فيها،
والعقول الصافية قد أفرَغت عليها مجهودها، والأنفس النيِّرة قد أفاضت عليها أشرف
ما عندها، والملَكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثلًا هي غاية إمكانها، حتى إنها
تكاد تحدث عن قومها وتُخبر بحالهم، وتنطق عن علومِهم وأذهانهم، وتترجم عن سيرهم
وأخبارهم، وذلك أنَّ وضعها على شكل مخروط يبتدئ من قاعدة مربعة وينتهي إلى نقطة،
ومن خواص الشكل المخروط أن مركز ثقله في وسطه، وهو يتساند على نفسه ويتواقع على
ذاته ويتحامل بعضه على بعض، فليس له جهة أخرى خارجة عنه يتساقط عليها، ومن عجيب
وضعه أنه شكل مربع قد قوبل بزواياه مهاب الرياح الأربع، فإنَّ الريح تنكسر سَورتها
عند مصادمتها الزاوية، وليست كذلك عندما تلقى السطح" [الإفادة
والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر (ص٢٤)].
وفي
هذا إشارة إلى كثرة علومهم التي استخدموها وساعدتهم على تجنب ما يؤثر على هذا
البناء، ثم حسن الإتقان في تنفيذ هذا البناء.
أما شهادات غير العرب، فمنها هيرودوت في عام
٤٥٠ قبل الميلاد، وقد
وصف بناء الهرم الأكبر بأنه استغرق ٢٠ عامًا، وشارك فيه آلاف العمال بتنظيم دقيق.
وكذلك سترابون من علماء الجغرافيا في القرن الأول قبل
الميلاد، فقد وصف الأهرامات بأنها تفوق الوصف وأنها معجزة هندسية.
بالإضافة
إلى الأبحاث والنظريات التي تفوق الحصر عن كيفية البناء، ومن ذلك ما ذكره Mario
Collepardi
والذي درس هندسة بناء الأهرامات: أن الفراعنة جاءوا بالتراب الكلسي المتوفر بكثرة
في منطقتهم ومزجوه بالتراب العادي وأضافوا إليه الماء من نهر النيل وقاموا بإيقاد
النار عليه لدرجة حرارة بحدود ٩٠٠ درجة مئوية،؛ مما أكسبه صلابة وشكلًا يشبه
الصخور الطبيعية.