شهدت البلاد الإسلامية فترات من الضعف والجمود في مختلف المجالات، نتيجة تراكم عوامل أثرت في مسيرتها، وقد تناول هذا المقال بيان أهم أسباب الضعف وسبل تجاوزها.
شهدت البلاد الإسلامية فترات من الضعف والجمود في مختلف المجالات، نتيجة تراكم عوامل أثرت في مسيرتها، وقد تناول هذا المقال بيان أهم أسباب الضعف وسبل تجاوزها.
يمكننا أن نرجع عوامل الضعف والتخلف الذي ساد البلاد الإسلامية قبل الحركات التحررية الأخيرة إلى عدة عوامل خارجية وداخلية تتصل بالسياسة والبيئة وبالطبيعة الإنسانية، كما كان لسوء فهم الدين دخل كبير في هذه الأوضاع الشاذة، وسأتناول بشيء من التفصيل بيان بعض هذه العوامل، ليمكن على ضوء التشخيص للداء أن نصف الدواء، ويهمني من هذه العوامل أربعة: الاستعمار، والبيئة، والطبيعة الإنسانية، والجهل بالدين.
كان للاستعمار أثره السيئ على الحالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، ويتضح ذلك فيما يلي:
١- عرقلة كل مجهود يراد منه تحسين حال الشعب المغلوب على أمره، وصرفه عن استغلال موارده الطبيعية من الوجهة الصناعية، وصبغ التعليم والثقافة بصبغة استعمارية، تظهر فيها حاجة الشعب الدائمة إلى المستعمر، وقصور إمكانيات الوطن عن الوفاء بحاجة أهله، وعدم صلاحية البيئة لقيام نهضة صناعية، حتى يظل الشعب دائمًا في حاجة إلى منتجات المستعمرين التي أغرقوا بها الأسواق، من ضروريات وكماليات، يتحول بها النقد المحلي إلى البلاد الأجنبية، ويظل الشعب في فقر دائم، ذلك في الوقت الذي يشجعون فيه جالياتهم ومن والاهم، على استغلال مواردنا التي أعموا عنها أبصارنا، ووضعوا السدود والحواجز دون استفادتنا منها، وقصروا جهودنا على الزراعة التي لم يولوها العناية إلا بالقدر الذي يراد منه الربح لهم، مع إهمالهم لشأن الفلاحين وتركهم فريسة للأمراض، ووصفهم بصفات مسترذلة تبغض لهم عملهم وتجعلهم يفكرون في هجر المورد الذي عاشوا عليه وحده طوال تلك السنين.
٢- خلق طبقة من الموظفين علموهم تعليمًا نظريًّا بدرجة محدودة، ليتولوا وظائف الدولة، وينفذوا سياستهم الاستعمارية وعدم العناية بالتعليم المهني إلا بالقدر الضروري الذي يجدونه محققًا لأغراضهم الاستغلالية، وخلقهم هوة سحيقة بين الطبقة الموظفة والطبقة الكادحة العاملة، التي كانت ترى في الموظف مثلها الأعلى، وتتمنى لو تتاح لها الفرصة لتكون هي الأخرى من ذوي المكاتب والكراسي والزي النظيف والراتب المضمون في مواعيده المحددة المضبوطة، وتولد من هذا شعور بازدراء العمل، وانتقاص لهذه الطبقة الكادحة التي كتب عليها أن تظل في هذا الوضع الذي لا يعرف قدره إلا العاقلون.
٣- وإلى جانب هذه الطبقة المنعمة وجدت طبقة من الملاك الأرستقراطيين، وأطلق لهم الاستعمار الحرية في تسخير العمال وإرهاقهم واغتصاب حقوقهم، في مقابل أداء ما التزم به الملتزمون للسادة الحكام، مما ترتب عليه النفور من العمل، والهرب من وجه الطغاة المستبدين الذين يضيعون جهود الفلاحين، ويستأثرون بإنتاجهم الذي بذلوا في الحصول عليه العرق والدموع، وكانت نتيجة ذلك بوار كثير من الأراضي، وتعطل كثير من الذين لم يجدوا من ينصفهم، وهذان مظهران من أكبر مظاهر سوء الحالة الاقتصادية في أي بلد.
٤ - كبت حرية الناس في التفكير من التخلص من هذا الوضع المزري، ومنع التحدث في القضايا السياسية والأمور الوطنية، وخلق لفظ مرعب سله المستعمرون سيفًا مصلتًا يرهبون به المثقفين وذوي الأفكار الحرة والمتعلمين والموظفين، الذين يرونهم ذلك هو لفظ "السياسة" الذي لا يحدد معناه إلا واضعوه، ولا يعرف جزئياته إلا من يتحكمون في الشعب واتجاهه وتفكيره، فحرموا على الطلاب والموظفين الاشتغال بالسياسة، وأخذوا عليهم التعهدات والضمانات، ووضعوا العقوبات لمن يفكر في المسائل العامة التي تمس مصلحة المجموع، وحبسوا الناس في سجن من الرهبة مظنة لحمل الشعلة لتوجيه المواطنين والذلة والعبودية.
وكان من الواضح أن يحرموا على علماء الدين الذين شهدوا مواقفهم الوطنية في تاريخ البلاد، وقيادتهم للشعب في كل حركة إصلاحية، يحرموا عليهم التحدث في "السياسة" فقصروا نشاطهم على الناحية الدينية الخالصة، كإقامة الصلوات بين جدران المساجد وما هو على شاكلتها، من كل عمل بعيد عن ميدان الحياة العامة بل حرموهم مناصب الدولة، وخلقوا شعورًا من الوحشة والنفور بينهم وبين المدنيين، الذين تربوا في مدارسهم وولوهم وظائفهم، وحقروا شأن الدين وعلمائه لينصرف الناس عن هذا النوع من التعليم الذي يحمل في طياته معاني الحرية والعزة والسيادة والكرامة والشرف والإباء، تلك المعاني التي تقض مضاجع المستعمرين، وتقع ألفاظها على مسامعهم موقع القنابل والمفرقعات.
٥ - تخدير أعصاب الشعب، ومدح المسلمين بصفات مغرية يطرب لها الجهلاء، وهي في حقيقتها سخرية واستهزاء، يصفهم المستعمرون بأنهم قوم قانعون، يرضون بالقليل ويحمدون الله عليه، لا تهمهم الدنيا ولا يحرصون على المادة، يعنون بالروح ويجتهدون في العبادة ولزوم المساجد، فتفعل هذه الكلمات في نفوس البسطاء فعل السحر، فيستنيمون للكسل، ويحرصون على أن يكونوا في هذه المعاني موضع إعجاب سادتهم ومالكي أمرهم، ويتركون الدنيا وخيراتها نهبًا للذئاب المتنمرة من الجاليات الوافدة على البلاد طريدة مشردة جائعة، وانصرفوا بما معهم من قليل إلى بيوت اللهو وأماكن الفجور التي وضعها المستعمرون شباكًا لاصطياد الفريسة، وإماتة الشعور الوطني، وإفساد أخلاق الشباب، وصرفه عن التفكير في مصيره.
ولقد كانت نغمة هذا التخدير هي طابع الاستعمار في جميع صوره وأشكاله وميادينه، فجند الدعاة من المبشرين وأذناب المستعمرين، وكلفهم بالاندماج في الشعب وغرس هذه البذور في نفوسه، ودأب هؤلاء الدجالون على سقي المساكين بهذه الجرعات السامة، حتى أفقدتهم الحس وأماتت فيهم الوعي، وأصبحوا غثاء لا تفخر بهم أمة ولا يسعد بهم جيل، وإلى وقت قريب جدًّا لم يتنبه أكثر الناس إلى هذه الخدع حتى المثقفين منهم، اللهم إلا بعضًا من أحرار الفكر، الذين كانوا ينظرون من بعيد إلى السحب الكثيفة المتجمعة في الأفق، فيحذرون الناس من الصواعق التي تحملها هذه السياسة الملتوية لهم أنها ليست عارضًا ممطرًا، بل هي ريح فيها عذاب أليم، تدمر كل شيء وتأتي على كل حي، قام أولئك الأحرار وردوا على هؤلاء الدجالين أباطيلهم التي ألصقوها بالإسلام، والتي زعموا بها أنه دين استسلام ورضا وقناعة وعزوف عن الدنيا وإيثار للأخرى بالمعنى الذي يفهمون.
وقد تنبه بحمد الله – سبحانه وتعالى - كثير من الدول الإسلامية إلى هذه السياسة الاستعمارية، التي ترمي إلى تجويع الشعوب والقضاء عليها بالتدريج، فقامت بفضل الوعي السياسي والثقافي صيحات من كل جانب تدعو إلى العمل ومتابعة الجهود لزيادة الإنتاج وغزو جميع الميادين الاقتصادية، والأخذ بكل الأسباب التي تنهض بالبلاد من نواحيها المختلفة، وكان من أقوى هذه الصيحات صيحة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢م التي أطلقها الثوار الأحرار للقضاء على الأوضاع الفاسدة والسير بالأمة العربية إلى المكانة التي تليق بها وبأمجادها العظيمة ورسالتها الإنسانية الخالدة.
وبهذا يتضح لك أيها القارئ أن الدور الذي لعبه الاستعمار في تخلف البلاد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي لا يعدله أي دور مهما كان.
الاستعمار كان من أبرز العوامل التي سببت ضعف البلاد الإسلامية، وإن الوعي السياسي والثقافي هو السبيل لاستعادة قوتها ومكانتها بين الأمم.
الحضارة الإسلامية تمثل نموذجًا متجددًا يمكن الاستفادة منه في الحاضر والمستقبل.
الوقف هو ركيزة أساسية في النهضة العلمية الإسلامية، حيث شكل مصدرًا دائمًا لتمويل العلم والعلماء ونشر المعرفة.
يتميز الإنسان المصري بارتباطه العميق بالسماء والإيمان بالغيب.