وإذا
رجعنا مرة أخرى إلى فكر المؤسسة الدينية في مقابلة فكر الصدام وجدنا أن الفكر
الصدامي يفترض أمورًا ثلاثة وهي:
أولًا: أن العالم كله
يكره المسلمين، وأنهم في حالة حرب دائمة؛ للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة
الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك
مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة، وفي العلن مرات، وأن هناك استنفار؛ للقضاء
علينا مللنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب.
ثانياً: وجوب الصدام مع
ذلك العالم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا
وهناك، ووجوب الصدام يأخذ صورتين الأولى: قتل الكفار الملاعين، والثانية:
قتل المرتدين الفاسقين، أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين،
وأما المرتدون الفاسدون فهم من شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله، وخالف
فكرهم، وهذه الصياغات كما نرى فيها شيء كثير من التلبيس والتدليس والجهالة ولكنها
سوف تجذب كثيرًا من الشباب.
ثالثًا: أن فكرهم يراد له
أن يكون من نمط الفكر الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن
تتبع خيوطها بقدر ما يعمل باعتباره فكرًا طليقًا من كل قيد يقتنع به المتلقي له في
أي مكان ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد.
وعليه:
فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى، وتنتشر بصورة أعمق، وهذه النظرية لها ارتباط عضوي
بنظرية الفوضى الخلاقة التي لعلنا أن نفرد لها كلامًا مستقلًا فيما بعد، وهي
المصطلح الذي شاع في الاستعمالات السياسية والأدبية في الآونة الأخيرة، وإن كان
الكثيرون لا يدركون أصوله ومعانيه وآثاره والنموذج المعرفي المنتمي إليه.
هذه
الأركان لذلك الفكر تخالف منهج المؤسسة الدينية، وإذا أردنا أن نقاوم هذا الانحراف
فيجب علينا أن نؤكد على مرجعية المؤسسة الدينية ليس لدى الدولة فقط، بل باعتبار
ذلك مشروعًا حضاريًا إنسانيًا، ودستورًا يلتزم به الإعلام والأقلام والمفكرون.
ويجب
علينا أن لا نبخل على هذه المؤسسة عند أداء دورها بالمال الذي هو عصب الحياة، ولقد
دعا رسول الله ﷺ الناس في مكة فآمن به ما لا يزيد عن مائتي شخص عبر ثلاث عشرة سنة،
ثم لما هاجر إلى المدينة وجاء المال دخل الناس في دين الله
أفواجًا، فإذا أكدنا على المرجعية وموَّلنا دور المؤسسة الدينية في مقاومة
الانحراف تغير الحال واستقر، وللمؤسسة الدينية فكر واضح بإزاء هذه الأركان الثلاثة
نفصله في وقت لاحق.
أما
خصائص هذا الفكر: فإنه يرى من حيث يدري أو لا يدري، قصد أو لم يقصد أن الإسلام دين إقليمي
وكأنه نزل للعرب فقط أو لا بد أن يبقى في بلاد المسلمين فقط، وفكر أهل السنة أن
الإسلام دعوة وما دام دعوة فهو عالمي قال تعالى: ﴿وَمَاۤ
أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء:
١٠٧]، وقال: ﴿وَمَاۤ
أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَاۤفَّةࣰ لِّلنَّاسِ بَشِیرࣰا وَنَذِیرࣰا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ
ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ ﴾ [سبأ:
٢٨]، وما دام كذلك فإن الصدام لا يصلح أساسًا
له، ومن هنا كان مفهوم الجهاد قاصرًا ومشوشًا عند هؤلاء حيث اقتصر على الاستدلال
بالقتال ثم تمادوا في الاختزال حتى خلطوا بين القتل والقتال.