Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المؤسسة الدينية في مصر(٤-٥)

الكاتب

أ.د/ علي جمعة

المؤسسة الدينية في مصر(٤-٥)

تُعد المؤسسة الدينية في مصر، وفي القلب منها الأزهر الشريف، حائط الصد الأول ضد تيارات الغلو والجهالة، حيث تمثل بمنهجها العلمي الرصين، ونشرها للوسطية حصنًا؛ للهوية الإسلامية في وجه الفكر الصدامي، ومن خلال امتدادها العالمي ودورها في فقه الواقع، تبرز كنموذج حضاري يربط بين نصوص الدين ومقتضيات العصر.

الامتداد العالمي للدور الأزهري

ونستمر في رؤية واقعية لحال المؤسسة الدينية في مصر، وأداء دورها حتى نخلص إلى المأمول منها وفيها، فنرى بعثات الأزهر في كل مكان تشارك في نقل هذا الدين لمن بعدنا عن طريق التدريس وعن طريق الدعوة في المراكز الإسلامية المختلفة من واشنطن إلى لندن إلى روما غربًا، وإلى الفلبين وبروناي وباكستان شرقًا، فللأزهر بعثاته في كل مكان في آسيا وإفريقيا وأوربا تقوم بدورها، ولديه وافدين من أكثر من ستين دولة يدرسون في مصر وهم يرجعون إلى بلادهم؛ فيتصدرون أعلى المراكز الدينية والعلمية، فمنهم رئيس الدولة أو رئيس الوزراء، وتصدر كثير منهم القضاء والإفتاء والوزارة في بلادهم، وهم في غاية التمكن والنجاح.

وكلما وجد الأزهر كلما وجد أهل السنة والجماعة، ووجد الإسلام بمفهومه الوسطي الرائق، ووجد الفهم الصحيح المبني على المنهج العلمي الرصين؛ لنصوص الدين، والفهم الواقعي للحياة، وكيفية العيش فيها، هذا واقع يصرخ بهذه الحقائق البسيطة التي يعد إنكارها مكابرة رديئة، ويمكن أن نفكر في تطوير ما هو حادث أو تفعيله حتى يقوم بدور أكبر أو تمويله حتى ينتشر في مواجهة الانحرافات المتعددة، أما انتقاده ووصفه بالفشل أو القصور أو التقصير فهو منهج غير سديد، ولكن:

قد تنكرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رمدٍ      وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ من سقمِ

المنهج العلمي في مواجهة التزييف

وإذا أضفنا إلى ذلك مجهود المعاهد الأزهرية التي زادت عن سبعة آلاف معهد كلها بنيت بالجهود الذاتية، نقلت الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، وحاول المنهج الأزهري أن يحافظ على هويته مع تطور رهيب حوله، وحاول أن يكون على قدم المساواة مع التعليم العام بعد صراع استمر أكثر من ثلاثين سنة في أوائل القرن العشرين، وبعد أن كانت المعاهد خمسة معاهد، وعدد طلابها لا يزيد عن ثلاثة آلاف أصبحت سبعة آلاف معهد بها مليون ونصف مليون طالب، فإذا كان عدد السكان قد زاد من أول القرن العشرين إلى آخره خمسة أضعاف، فإن المعاهد زادت ألفًا وأربعمائة ضعف، والطلاب زادوا خمسمائة ضعف، وقد وصل المنتمون للأزهر من الأحياء إلى عشرة ملايين نسمة حول العالم ما بين ٦ سنوات إلى ٩٦ سنة، فهذا يبين مدى قيام المؤسسة الدينية بدورها، ومدى التحام الناس بها.

تفكيك بنية الفكر الصدامي

وإذا رجعنا مرة أخرى إلى فكر المؤسسة الدينية في مقابلة فكر الصدام وجدنا أن الفكر الصدامي يفترض أمورًا ثلاثة وهي:

أولًا: أن العالم كله يكره المسلمين، وأنهم في حالة حرب دائمة؛ للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة، وفي العلن مرات، وأن هناك استنفار؛ للقضاء علينا مللنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب.

ثانياً: وجوب الصدام مع ذلك العالم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجوب الصدام يأخذ صورتين الأولى: قتل الكفار الملاعين، والثانية: قتل المرتدين الفاسقين، أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين، وأما المرتدون الفاسدون فهم من شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله، وخالف فكرهم، وهذه الصياغات كما نرى فيها شيء كثير من التلبيس والتدليس والجهالة ولكنها سوف تجذب كثيرًا من الشباب.

ثالثًا: أن فكرهم يراد له أن يكون من نمط الفكر الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن تتبع خيوطها بقدر ما يعمل باعتباره فكرًا طليقًا من كل قيد يقتنع به المتلقي له في أي مكان ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد.

وعليه: فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى، وتنتشر بصورة أعمق، وهذه النظرية لها ارتباط عضوي بنظرية الفوضى الخلاقة التي لعلنا أن نفرد لها كلامًا مستقلًا فيما بعد، وهي المصطلح الذي شاع في الاستعمالات السياسية والأدبية في الآونة الأخيرة، وإن كان الكثيرون لا يدركون أصوله ومعانيه وآثاره والنموذج المعرفي المنتمي إليه.

هذه الأركان لذلك الفكر تخالف منهج المؤسسة الدينية، وإذا أردنا أن نقاوم هذا الانحراف فيجب علينا أن نؤكد على مرجعية المؤسسة الدينية ليس لدى الدولة فقط، بل باعتبار ذلك مشروعًا حضاريًا إنسانيًا، ودستورًا يلتزم به الإعلام والأقلام والمفكرون.

ويجب علينا أن لا نبخل على هذه المؤسسة عند أداء دورها بالمال الذي هو عصب الحياة، ولقد دعا رسول الله ﷺ الناس في مكة فآمن به ما لا يزيد عن مائتي شخص عبر ثلاث عشرة سنة، ثم لما هاجر إلى المدينة وجاء المال دخل   الناس في دين الله أفواجًا، فإذا أكدنا على المرجعية وموَّلنا دور المؤسسة الدينية في مقاومة الانحراف تغير الحال واستقر، وللمؤسسة الدينية فكر واضح بإزاء هذه الأركان الثلاثة نفصله في وقت لاحق.

أما خصائص هذا الفكر: فإنه يرى من حيث يدري أو لا يدري، قصد أو لم يقصد أن الإسلام دين إقليمي وكأنه نزل للعرب فقط أو لا بد أن يبقى في بلاد المسلمين فقط، وفكر أهل السنة أن الإسلام دعوة وما دام دعوة فهو عالمي قال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَاۤفَّةࣰ لِّلنَّاسِ بَشِیرࣰا وَنَذِیرࣰا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ ﴾ [سبأ: ٢٨]، وما دام كذلك فإن الصدام لا يصلح أساسًا له، ومن هنا كان مفهوم الجهاد قاصرًا ومشوشًا عند هؤلاء حيث اقتصر على الاستدلال بالقتال ثم تمادوا في الاختزال حتى خلطوا بين القتل والقتال.

المفهوم الشامل للجهاد

والجهاد مفهوم شامل يشمل الجهاد الأكبر وهو "جهاد النفس"، والجهاد الأصغر وهو "جهاد القتال"؛ لصد العدوان، ورفع الطغيان يقول ربنا: ﴿وَجَٰهِدُوا۟ فِی ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلدِّینِ مِنۡ حَرَجࣲۚ مِّلَّةَ أَبِیكُمۡ إِبۡرَٰهِیمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ مِن قَبۡلُ وَفِی هَٰذَا لِیَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِیدًا عَلَیۡكُمۡ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِیرُ﴾ [الحج: ٧٨]، ويقول رسول الله ﷺ: « ‌قَدِمْتُمْ ‌خَيْرَ ‌مَقَدَمٍ وَقَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلى الْجِهَادِ الأَكْبَرِ، مُجَاهَدَةُ الْعَبَدِ هَوَاهُ»، [رواه البيهقي في "الزهد الكبير" ص ١٦٥ حديث (۳۷۳)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (۱۳/٥٢٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما]، وفي رواية: «جِهَادُ ‌الْقَلْب» [ذكره العجلوني في "كشف الخفاء" (۱/٥١١) وقال: "هو مشهور على الألسنة وهو من كلام إبراهيم بن عَبْلَة"]، ويقول ربنا في شأن دستور القتال في سورة البقرة: ﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِینَ یُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. 

وهذا الاختزال من المفهوم الروحي للجهاد والشامل للممارسة إلى الأصغر فقط، ثم من القتال إلى القتل، هو خصيصة ذلك الفكر، ويضاف صفات أخرى وهي:

أولًا: عدم إدراك الواقع.

ثانيًا: المشرب المتشدد في فهم ما عرفوه من معلومات، أما أهل السنة فقد فهموا قول رسول الله ﷺ: «‌إِنَّ ‌هَذَا ‌الدِّينَ ‌مَتِينٌ ‌فَأَوْغِلُوا ‌فِيهِ ‌بِرِفْقٍ»، [رواه أحمد في "مسنده" (۳/۱۹۸) حديث (۱۳۰۷٤) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٦٢) وصححه]، وفهموا ما وصفت به عائشة رضي  الله عنها النبي ﷺ حيث قالت: «‌مَا ‌خُيِّرَ ‌رَسُولُ ‌اللهِ صلى الله عليه وسلم ‌بَيْنَ ‌أَمْرَيْنِ ‌إِلَّا ‌اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، وكَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ الإِثْم»، [متفق عليه: رواه البخاري في كتاب "المناقب" باب "صفة النبي ﷺ" حديث (٣٥٦٠)، وفي كتاب "الأدب" باب قول النبي ﷺ": يسروا ولا تعسروا وكان يحب التخفيف واليسر على الناس حديث (٦١٢٦)، وفي كتاب "الحدود" باب "إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله" حديث (٦٧٨٦)، ومسلم في كتاب "الفضائل" باب "مباعدته للآثام واختياره من المباح أسهله وانتقامه الله عند انتهاك حرماته" حديث (۲۳۲۷) من حديث عائشة رضي الله عنها].

ثالثًا: الإحباط واليأس، والشعور بالظلم.

رابعًا: التفكير السطحي سواء في فهم النص أو إدراك الواقع أو الجسر الواصل بينهما وهو ما يتم تعليمه والتدريب عليه والتربية به في المؤسسة الدينية اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِیَنفِرُوا۟ كَاۤفَّةࣰۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةࣲ مِّنۡهُمۡ طَاۤئِفَةࣱ لِّیَتَفَقَّهُوا۟ فِی ٱلدِّینِ وَلِیُنذِرُوا۟ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ یَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وبذلك نرى آراءهم واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة، وهي الخمسة التي يجب على الدارسين عند تحليلهم للظاهرة أن يقفوا عندها.

نحو مشروع حضاري متكامل

فالمؤسسة الدينية إذن لا تلقي القول على عواهنه، وهي تؤكد جلالها، ولا تذكر غير الواقع، ولا تغالي أو تخفي شيئًا، وتتخذ من سورة العصر دستورًا جامعًا لها قال تعالى: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ * إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِی خُسۡرٍ * إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡا۟ بِٱلصَّبۡرِ﴾ [العصر: ١-٣].

الخلاصة

إن معركة الوعي التي تقودها المؤسسة الدينية هي الضامن الحقيقي؛ لاستقرار المجتمعات، فبالرفق في الدين، وإدراك الواقع نغلق الأبواب أمام الإحباط واليأس، ويبقى الالتزام بمنهج "التواصي بالحق والصبر" هو السبيل الوحيد؛ للانتقال من ضيق التشدد إلى رحابة الوسطية العالمية التي جاء بها الإسلام الحنيف.

موضوعات ذات صلة

تتشكل المؤسسة الدينية في مصر من أربع هيئات كبرى: هي الأزهر الشريف، وجامعته، ووزارة الأوقاف، ودار الإفتاء.

يفند هذا المقال خرافة "فقهاء السلطة" عبر استعراض صمود المؤسسة الدينية المصرية في وجه حملات التشكيك الممنهجة منذ عهد محمد علي.

يؤكد المقال استمرارية ريادة المؤسسة الدينية المصرية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الحديثة عبر لغة الأرقام والمنجزات المؤسسية الضخمة.

موضوعات مختارة