Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

طريق معرفة سبب النزول

الكاتب

أ. د/ محمد السيد جبريل

طريق معرفة سبب النزول

تُعدُّ معرفة أسباب النزول من أهم مفاتيح فهم القرآن الكريم، وتفسيره تفسيرًا صحيحًا، فهي تكشف الملابسات التي نزلت فيها الآيات، وتُعين على إدراك مراد الشارع وحُكمه بدقة.

أهمية معرفة أسباب النزول

معرفة سبب النزول من الأمور التي لا تقبل اجتهادًا بحال من الأحوال، لأن ما ترتبط به هذه الأسباب من ملابسات ليس افتراضًا عقليًا يقوم على ضرب الأمثال، بل هي أحداث ووقائع حدثت بالفعل في أوقات محدودة وفى ظروف معينة وملابسات معروفة، وفى مثل هذه الأحوال لا مجال للوقوف على معرفتها إلا بنقل واضح عمن عاصر هذه الأحداث، وشاهد تلك الملابسات.

أهمية النقل عن الصحابة في معرفة أسباب النزول

ومن ثم فإن العلماء قد قرروا أن المرجع في معرفة أسباب النزول يتحتم أن يكون عن طريق النقل الصحيح عن صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم، لأنهم هم الذين عاصروا الوحي، وعايشوا التنزيل، ووقفوا على الأحداث والوقائع التي أحاطت بما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب، كما أنهم سمعوا من الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم ما لم يسمعه غيرهم.

من أجل ذلك تعين أن ينفرد هؤلاء بكونهم المرجع في معرفة أسباب النزول، وعليه فإنه لا مجال لعمل العقل في هذا الأمر، اللهم إلا أن يكون في إطار ما ورد من أسباب النزول، ونُقِل عن الصحابة وتعدد في الحادثة الواحدة، فإن عمل العقل عندئذ يتمثل في محاولة الترجيح بين الروايات، أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها.

تأثير أسباب النزول على تفسير الأحكام الشرعية

ولأن معرفة أسباب النزول يترتب عليها في مجال التشريع أمور مهمة، تعميمًا، أو تخصيصًا، أو إثباتًا، أو نفيًا، فإن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم قد احتاطوا لهذا الأمر أشد الحيطة، فلم يقولوا في شيء مما قالوه برأي أو اجتهاد، ولكنهم قرروا أسباب النزول وأخبروا بها، مستندين إلى قرائن تحتف بقضايا هذه الأسباب وأحداثها، ومع هذا فإنهم ضاعفوا هذه الحيطة عندما حددوا الألفاظ التي عبروا بها عما أخبروا من أسباب النزول تحديدًا واضحًا، فإذا كان الصحابي لا يقطع -بناءً على ملابسات وقرائن تُعيّن ما يخبر به- بأن سبب آية ما هو هذا الحدث بعينه، فإن تعبيره عن سبب النزول يتضح فيه ذلك، فنراه لا يجزم بما قال، بل يقول: أحسب أن هذه الآية نزلت في كذا، ونحو ذلك.

مثال ذلك: ما أورده العلماء في سبب النزول قول الله تبارك وتعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} [النساء: ٦٥] .

فقد ورد في الحديث عن الزبير بن العوام رضي الله عنه «أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ » [شراج الحرة شراج بكسر الشين، جمع مفرده شرجة بفتح الشين، وسكون الراء، وهي مسيل الماء، والحرة بفتح الحاء وتشديد الراء: أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت بالنار، انظر: غريب الحديث لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله تعالى في مادتي: (حرر، شرج)].

كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [أي: عندما اختلف الزبير مع الأنصاري لهذا السبب، وذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يختصمان كما صرحت بعض الروايات فعند الترمذي: (فأبي عليه، فاختصموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للزبير: «اسْقِ ‌يَا ‌زُبَيْرُ، ‌ثُمَّ ‌أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ» فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَئِذٍ حَقَّهُ لِلْزُّبَيْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ سَعَةٍ لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَوْعَى لِلْزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} [الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ك: التفسير، ب: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، حديث / ٤٥٨٥، ومسلم في صحيحه: ك: الفضائل، ب: وجوب اتباعه -صلى الله عليه وسلم- حديث / ٢٣٥٧، والترمذي في سننه ك الأحكام، ب ما جاء في الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في الماء، حديث ١٣٦٣، والنسائي في سننه ك: آداب القضاة ب الرخصة للحاكم الأمين أن يحكم وهو غضبان (٨/٢٢٨) واللفظ هنا للنسائي]

ضرورة الحذر في قبول روايات أسباب النزول

ولقد توارثت أجيال العلماء هذا الاهتمام بأسباب النزول، فإذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم قد احتاطوا للإخبار به هذه الحيطة، فإن العلماء قد احتاطوا أيضًا في التنبيه على أن النقل الصحيح عن هؤلاء الصحابة الأبرار هو المرجع الوحيد في معرفة أسباب النزول، وحذروا من سلوك غير هذا السبيل في طلبها.

قال الواحدي رحمه الله تعالى: ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدّوا في الطّلاب- أي الطلب، ثم روى عن سعيد بن جبير رحمه الله عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الْحَدِيثَ إِلا مَا عَلِمْتُمْ، فإن مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ ‌كَذَبَ ‌عَلَى ‌الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [أخرجه الترمذي عن ابن عباس رضى الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ: (اتقوا الحديث علي إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) [سنن الترمذي ك: تفسير القرآن، ب: ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه حديث ٢٩٥١].

 ثم قال: والسلف الماضون كانوا من أبعد الغاية احترازًا عن القول في نزول الآية، وذكر عن محمد بن سيرين قوله: سألت عبيدة عن آية من القرآن، فقال: اتق الله وقل سدادًا، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن، وأما اليوم فكل أحد يخترع شيئًا، ويخلق إفكًا وكذبًا، ملقيًا زمامه إلى الجهالة، غير مفكر في الوعيد للجاهل بسبب الآية، [أسباب النزول لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي طبع عالم الكتب بيروت: ص ٤٠٣].

وإذا كان هذا قول ابن سيرين وهو من أعلام علماء التابعين تحريًا للرواية، ودقة في الفصل، فإنه يدل على وجوب الوقوف عند أسباب النزول الصحيحة، ولهذا فإن المعتمد من ذلك فيما روى من أقوال الصحابة ما كانت صيغته جارية مجرى المسند، بحيث تكون هذه الصيغة جازمة بأنها سبب النزول.

أما قول التابعي: فإنه إذا كان صريحًا في سبب النزول، فقد قرر السيوطي رحمه الله تعالى أنه "إذا صح سنده يقبل، ويكون من قبيل المرفوع أيضًا مثل قول الصحابي، لكنه مرسل، خاصة إذا كان القائل من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: كمجاهد بن جبر المفسر رحمه الله تعالى (ت ١٠٤هـ)، وأبي عبد الله عكرمة المدني مولى ابن عباس رضى الله عنهما وأحد أوعية العلم رحمه الله تعالى (ت ١٠٥هـ)، وأبو عبد الله سعيد بن هشام الأسدي رحمه الله تعالى (ت ٩٥هـ)، أو اعتضد بمرسل آخر" [الإتقان في علوم القرآن: ١/١٠١].

الخلاصة

يعتمد فهم الأحكام الشرعية في كثير من آيات القرآن على معرفة أسباب نزولها، إذ تساعد في تحديد المعنى المقصود، وتوضيح ما إذا كان الحكم عامًا، أو خاصًا، أو ناسخًا، أو منسوخًا، وقد حرص الصحابة على نقل أسباب النزول بدقة، مع استخدام ألفاظ تدل على اليقين أو الظن عند روايتهم؛ لذلك، فإن معرفة السبب الصحيح تسهم في التفسير الصحيح للحكم الشرعي وتجنّب الخطأ في الاستنباط.

موضوعات ذات صلة

تمثّل صيغ أسباب النزول مدخلًا دقيقًا لفهم السياق القرآني ومعالجة تعدد الروايات

أسباب النزول توضح الحكمة من نزول آيات القرآن الكريم، وهي مرتبطة بالأحداث أو الأسئلة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم

تُعدّ أسباب النزول أساسًا لفهم وتفسير آيات القرآن الكريم، فهي تمنحنا السياق التاريخي والاجتماعي للنصوص

موضوعات مختارة