أسباب النزول توضح الحكمة من نزول آيات القرآن الكريم، وهي مرتبطة بالأحداث أو الأسئلة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم، مما يساعد على فهم المعاني الشرعية بشكل أعمق.
أسباب النزول توضح الحكمة من نزول آيات القرآن الكريم، وهي مرتبطة بالأحداث أو الأسئلة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم، مما يساعد على فهم المعاني الشرعية بشكل أعمق.
من خصائص نزول القرآن الكريم أنه لم ينزل جملة واحدة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنه نزل مفرقًا في مدة الرسالة النبوية، سواء كان ذلك في آياته أو سوره، وقد أشار القرآن الكريم إلى الحكمة من هذا التفريق في النزول، وهي تتمثل في تيسير قراءته وحفظه، وفهمه والعمل به، وذلك في قول الله تعالى: ﴿وَقُرۡءَانࣰا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثࣲ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِیلࣰا﴾ [الإسراء: ١٠٦].
كذلك فإن من خصائص نزول القرآن الكريم أن منه ما نزل في مواجهة الوقائع والأحداث والمناسبات، ولكن ليس معناه أن نلتمس لكل آية في القرآن سببًا لنزولها، أو قصة تلابس هذا النزول، بل إن منه ما كان كذلك، ومنه ما نزل ابتداءً من غير سبب، وقد نبه العلماء في عبارة واضحة إلى هذا التقسيم، قال الإمام برهان الدين ابن عمر الجعبري (ت: ٧٣٢هـ): "نزل القرآن على قسمين قسم نزل ابتداءً، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال" [ذكر ذلك السيوطي - رحمه الله تعالى - في: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق د/ مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ: (١/٩٢)].
وهذا القسم الأخير في مقولة الجعبري هو مدار البحث في سبب النزول.
جِمَاعُ ما قاله العلماء في تعريفه أنه: ما نزلت الآية أو الآيات في شأنه أيام وقوعه بيانًا لحكمه إذا كان حادثة أو نحوها، أو جوابًا عنه إذا كان سؤالًا موجهًا إلى النبي- صلى الله عليه وسلم -. [الإتقان في علوم القرآن (١/١٠١)، ومنهج الفرقان في علوم القرآن للشيخ محمد علي سلامة - مطبعة شبرا ۱۹۳۷م، ص: ٣٥، والبيان في مباحث من علوم القرآن للشيخ عبد الوهاب غزلان مطبعة دار التأليف / ١٣٨٤هـ / ١٩٦٥م، ص: ٩١].
الحادثة التي تعتبر في اصطلاح العلماء سببًا لنزول آية أو آيات من القرآن: هي تلك الحادثة التي تكون قد وقعت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء نزل القرآن عقب حدوثها مباشرة، أو تراخي عن ذلك الحدوث زمنًا لحكمة، مادام الحدث قد وقع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
لا يعتبر من أسباب النزول ما فعله بعض العلماء أو ذهب إليه بعض المفسرين: من اعتبار الحوادث الماضية، والوقائع الغابرة التي نزل بها القرآن، وساقها في مجال العظة والعبرة، من قبيل أسباب نزول ما جاء في حكايتها وفي تفصيلها من الآيات، فما حدث بين الأنبياء السابقين وأقوامهم من اتباع هؤلاء الأقوام لهم، أو صدهم عن رسلهم، ومن تصديقهم أو تكذيبهم إياهم، وما تخلل ذلك من إيذاء للرسل، لا يعتبر شيء من ذلك سببًا لما نزل بحكايته من آيات القرآن الكريم، بل إذا كان هناك من سبب للنزول في أمثال هذه القصص فإنه بالقطع ليس تلك الأحداث في ذاتها، وإنما ما سيقت لأجله من العظة والعبرة للمؤمنين من جهة، ولتهديد الكافرين من جهة أخرى، ولتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم من جهة ثالثة، وكثيرًا ما نرى هذه الأسباب مصرحًا بها في القرآن الكريم نفسه.
وذلك كما جاء في قول الله تعالى عقب حديث عن المشركين من قريش فيه تعريض بهم، وتهديد لهم : ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالࣰا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰۤۗ أَفَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَیَنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡءَاخِرَةِ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ * حَتَّىٰۤ إِذَا ٱسۡتَیۡءَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُوا۟ جَاۤءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّیَ مَن نَّشَاۤءُۖ وَلَا یُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِینَ * لَقَدۡ كَانَ فِی قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةࣱ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِیثࣰا یُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِیقَ ٱلَّذِی بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَتَفۡصِیلَ كُلِّ شَیۡءࣲ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣰ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩-١١١].
ومن هذا القبيل: ما جاء عقب حديث القرآن الكريم عن أطراف من قصص نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى - عليهم السلام - من قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَكُلࣰّا نَّقُصُّ عَلَیۡكَ مِنۡ أَنۢبَاۤءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَاۤءَكَ فِی هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةࣱ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [هود: ١٢٠].
ومنه كذلك ما جاء تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قول الله سبحانه: ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَیَحۡزُنُكَ ٱلَّذِی یَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا یُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِینَ بِءَایَٰتِ ٱللَّهِ یَجۡحَدُونَ * وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلࣱ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰۤ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَاۤءَكَ مِن نَّبَإِی۟ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾ الأنعام: ٣٣-٣٤].
قال السيوطي رحمه الله تعالى: "والذي يتحرر في سبب النزول: أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه، ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية كذكر قصة قوم نوح، وعاد، وثمود وبناء البيت ونحو ذلك وكذلك في قوله: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا} [النساء: ١٢٥] - سبب اتخاذه خليلًا فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفي" [الإتقان في علوم القرآن: ١/١٠١].
كما أنه لا يعد من قبيل سبب النزول ما اشتملت عليه بعض آيات القرآن من الأمور المستقبلة كأحوال اليوم الآخر، وما يكون فيه من ثواب أو عقاب [البيان في مباحث من علوم القرآن ص: ۹۲] نحو ما جاء في قول الله سبحانه: ﴿وَیَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاۤءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ تَنزِیلًا * ٱلۡمُلۡكُ یَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ یَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِینَ عَسِیرࣰا * وَیَوۡمَ یَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ یَدَیۡهِ یَقُولُ یَٰلَیۡتَنِی ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِیلࣰا * یَٰوَیۡلَتَىٰ لَیۡتَنِی لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِیلࣰا * لَّقَدۡ أَضَلَّنِی عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَاۤءَنِیۗ وَكَانَ ٱلشَّیۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولࣰا﴾ [الفرقان: ٢٥-٢٩].
من أجل هذا كان النص في التعريف على معاصرة السبب لما نزل في شأنه من الآيات والذي عبر عنه بأنه: "ما نزلت الآية أو الآيات في شأنه أيام وقوعه" قيدًا يحترز به عن مثل هذه الآيات التي وردت فيما سبق.
يأتي سبب النزول في إحدى صورتين:
الصورة الأولى: مجيئه في صورة حادثة تحدث فينزل القرآن ببيان الحكم، ومن هذا القبيل ما ورد في سبب نزول قول الله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتَ ٱلنَّبِیِّ إِلَّاۤ أَن یُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَیۡرَ نَٰظِرِینَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِیتُمۡ فَٱدۡخُلُوا۟ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُوا۟ وَلَا مُسۡتَءۡنِسِینَ لِحَدِیثٍۚ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: بَنَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِامْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ - في رواية البخاري: هي أم المؤمنين زينب بنت جحش رضى الله عنها فَأَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ قَوْمًا إِلَى الطَّعَامِ فَلَمَّا أَكَلُوا وَخَرَجُوا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنْطَلِقًا قِبَلَ بَيْتِ عَائِشَةَ فَرَأَى رَجُلَيْنِ جَالِسَيْنِ، فَانْصَرَفَ رَاجِعًا، فَقَامَ الرَّجُلَانِ فَخَرَجَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتَ ٱلنَّبِیِّ إِلَّاۤ أَن یُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَیۡرَ نَٰظِرِینَ إِنَىٰهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. [الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ك: التفسير ب: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتَ ٱلنَّبِیِّ إِلَّاۤ أَن یُؤۡذَنَ لَكُمۡ﴾ حديث / ٤٧٩١ والترمذي في سننه: ك: التفسير، ب ومن سورة الأحزاب، حديث ۳۲۱۹ واللفظ للترمذي، الذي قال عقب ذكره للحديث: هذا حديث حسن غريب من حديث بيان، وروى ثابت عن أنس هذا الحديث بطوله] وفي الحديث قصة.
الصورة الثانية: مجيء السبب في صورة سؤال يوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة ما فينزل القرآن بجواب هذا السؤال، ومن هذا القبيل ما ورد في سبب نزول قول الله تعالى: ﴿وَیَسۡءَلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِیضِۖ قُلۡ هُوَ أَذࣰى فَٱعۡتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَاۤءَ فِی ٱلۡمَحِیضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
فعن أنس رضي الله عنه: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا، إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ، لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَیَسۡءَلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِیضِۖ قُلۡ هُوَ أَذࣰى فَٱعۡتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَاۤءَ فِی ٱلۡمَحِیضِ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢٢٢]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ. فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْيَهُودَ تقول: كذا وكذا أفلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا. فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. [مسلم في صحيحه ك: الحيض ب جواز غسل الحائض رأس زوجها، حديث (۳۰۲)].
وهذه الصورة وما قبلها هي ما عبر عنها في التعريف بأن الآيات تنزل بيانًا لحكمه إذا كان حادثةً أو نحوها، أو جوابا عنه إذا كان سؤالا موجهًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
سبب النزول؛ هو الحادثة أو السؤال الذي نزلت من أجله آية أو مجموعة آيات في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويُستخدم لفهم السياق التاريخي والحكم الشرعي للآيات، ولا تُعتبر الحوادث السابقة أو الأخبار المستقبلية سببًا مباشرًا للنزول، ويُشترط في سبب النزول أن يكون معاصرًا للآيات وموجهًا للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة أسباب النزول تعزز فهم القرآن وتُجنب التفسيرات الخاطئة.
تتنوع أسباب نزول آيات القرآن بين عامة تخص سورًا كاملة، وخاصة تخص آيات معينة
تُعدّ أسباب النزول أساسًا لفهم وتفسير آيات القرآن الكريم، فهي تمنحنا السياق التاريخي والاجتماعي للنصوص
تُعدُّ معرفة أسباب النزول من أهم مفاتيح فهم القرآن الكريم، وتفسيره تفسيرًا صحيحًا