المتشابه لغة: أشبه الشيء الشيء: ماثله، وشابهه: أشبهه، تشابه الشيئان: أشبه كل منهما
الآخر حتى التبسا،
والمتشابه: النص القرآني يحتمل عدة معاني كما في الوسيط [المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، دار المعارف، ط٣، ٤٩٠/١].
واصطلاحًا: يطلق المتشابه، ويراد به عدة إطلاقات:
أحدها: وهو ما لم يأت في القرآن بلفظه البتة؛ وما يقصده علماء القرآن من وقوع النظم الواحد على صور شتى، ويتشابه في أمور، ويختلف في أخرى، ومن ثم يطلقون عليه متشابه النظم، أو متشابه اللفظ،
قال الزركشي: «ويكثر في إيراد القصص والأنباء، وحكمته التصرف في الكلام، وإتيانه على ضروب؛ ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدأ به ومتكررًا (البرهان في علوم القرآن، الزركشي، ١١٢/١)
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ
يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا
شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ} [البقرة: ٤٨] مع قوله {وَٱتَّقُواْ
يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ
وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ} [البقرة: ١٢٣]
وقد عني بتوجيه هذا اللون من نظم
القرآن قلة من المفسرين في تفاسيرهم، ومنهم: شهاب الدين محمود الألوسي في تفسيره المعروف بروح المعاني، وعلامة المغرب
الطاهر بن عاشور في تفسيره الموسوم بالتحرير والتنوير.
كما أفرده بعض العلماء بالتصنيف، يقول السيوطي رحمه الله - أفرده بالتصنيف، خلق: أولهم. فيما أحسب الكسائي، ونظمه على بن عبد الصمد السخاوى المتوفي سنة ٦٤٣ هـ في كتابه هداية المرتاب في
المتشابه من الكتاب: وهى منظومة تعرف بالسخاوية، وألف في توجيهه الكرماني في كتابه "البرهان في متشابه القرآن، وأحسن منه "درة التنزيل وغرة التأويل" لأبى عبد الله الرازي وفي "كتاب
أسرار التنزيل المسمى: قطف الأزهار في كشف الأسرار" الجم الغفير. [الإتقان
في علوم القرآن، للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ٣٩٠/٣].
ثانيهما: أن يطلق المتشابه
صفة مدح لجميع القرآن، ولفظ المتشابه بهذا المعنى هو الوارد في قوله تعالى: {ٱللَّهُ
نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا} [الزمر: ٢٣] أما تبيان كيف أن المتشابه بهذا
الإطلاق نعت كمال لجميع القرآن، فإنه من الجلي أن صوغ مادة التشابه في هذه الآية على
صورة التفاعل يقضي بأن الكتاب الكريم ذو أجزاء كلها يشبه بعضه بعضا على ما هو الكثير الغالب في صورة التفاعل.
وقد بين المفسرون الكمالات التي تتشابه فيها أبعاض الكتاب العزيز، ومن خير
وأسدِّ ما في المقام من عبارات عبارة الزمخشري، فقد قال في تفسير الآية "و(متشابها): مطلق في مشابهة بعضه بعضا، فكان متناولا لتشابه معانيه في الصحة والإحكام والبناء على الحق والصدق ومنفعته الخلق، وتناسب ألفاظه وتناسقهما في التخيير والإصابة، وتجاوب نظمه، وتأليفه في الإعجاز والتبكيت. [الكشاف للزمخشري ٩٥/٤].
والتشابه بهذا المعنى الذى يعم جميع القرآن على نحو ما رأينا لا يتنافى
بحال مع وصف الإحكام المذكور في قوله تعالى: {كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ} [هود: ١] والذى يعم هو الآخر القرآن لكريم بأسره بل يجب الأخذ بكلا الوصفين جميعا في كتاب الله
عز وجل
دون أن يأتي كلام الحق في ذلك باطل من بين يديه أو من خلفه؛ ذلك بأن
التناقض إنما يلزم إذا كان بين المادتين في هاتين الآيتين تقابل التضاد، وكيف وكل منهم
صفة مدح
لا يمكن أن تدل على ما يضاد الأخرى، وإنما على ما يؤاتيهما ويشد من أزرهما وبانطوائهم معا في صفته شاهد صدقه وآية تنزيل رب العالمين.
وأما الإحكام فمعناه: أن آى
القرآن كلها قد نظمت نظما محكما لا يعتريه إخلال من جهة اللفظ، ولا من جهة المعنى، ولا من جهة الهدف والغاية، أو أنها أحكمت بالحجج والدلائل، أو جعلت حكمة فنقول حكم إذا صار حكمًا: لأنها مشتملة على أمهات
الحكم النظرية والعملية [تفسير البيضاوي ص٢٤٧]
وإذن فالقرآن بهذا المعنى محكم في تشابهه، متشابه في إحكامه على نحو ما ألمحت إليه عبارة الزمخشري السابقة.
ثالثهما: أن يرد لفظ المتشابه في القرآن مقولا على بعض منه مخصوص، مقابلا وقسيما للبعض الآخر الذي يقال عليه وصف المحكم، وبحيث لا يجتمع هذان الوصفان المتقابلان في شيء واحد ألبتة وذلك هو
ما جاء
في قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ
ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ
مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ} [آل عمران: ٧] .
وهذا المعنى هو الذي ينصرف إليه لفظ
المتشابه عند الإطلاق والتجرد من القرينة.
وإن الناظر في هذين الوصفين المتقابلين واللذين لا يصدق واحد منهم على ما يصدق عليه الآخر من الكتاب المجيد، ليرى اختلافا عظيما بين العلماء في تبيان هذا المعنى.
وأمثل ما اختاره المحققون في شرح حقيقة القسمين الكريمين ما أفصحت عنه عبارة الفخر الرازي، إذ يقول: اللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى: إما أن يكون محتملا لغير ذلك المعنى، وإما أن لا
يكون.
فإذا كان اللفظ موضوعا لمعنى ولا يكون محتملا لغيره فهذا هو النص.
وأما إن كان محتملا لغيره فلا يخلو:
إما أن
يكون احتماله لأحدهما راجحا على الآخر، وإما أن لا يكون كذلك، بل يكون احتماله لهما على السواء، فإن كان
احتماله لأحدهما راجحا على الآخر سمى ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرا، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا، وأما إن
كان احتماله
لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معا مشتركا، وبالنسبة
لكل واحد
منهما على التعيين مجملا.
فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصا أو ظاهرا أو
مؤولا أو مشتركا أو مجملا.
أما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح إلا أن النص راجح مانع من الغير، والظاهر راجح غير مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم.
وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان في
أن دلالة
اللفظ عليه غير راجحة، فالمجمل إن لم يكن راجحا لكنه غير مرجوح، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه؛ إما لأن الذي لا يعلم يكون
النفي فيه مشابها للإثبات في الذهن، وإما لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم
إطلاقا لاسم السبب على المسبب، فهذا هو الكلام المحصل في المحكم والمتشابه. [مفاتيح الغيب للفخر الرازي ١٦٨/٧].