Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عموم اللفظ وخصوص السبب

الكاتب

ا. د/ محمد السيد جبريل

عموم اللفظ وخصوص السبب

العموم والخصوص في أسباب النزول هو موضوع يبحث في دلالة النص القرآني وتأثير أسباب نزوله على عموم ألفاظه.

تمهيد

عُنى بتحقيق هذه المسألة كثيرٌ من العلماء، ومن أشدهم عناية بذلك الأصوليون والمفسرون، أما الأولون فلأن بحثهم في مجالهم يقوم على الاستدلال بألفاظ القرآن الكريم على الأحكام الشرعية، وأما الآخرون فلأن البحث في ذلك يساعدهم على فهم المعنى المراد من الآيات القرآنية.

وباستقراء ما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب في ضوء مطابقة ألفاظ النازل لأفراد السبب من حيث التعميم أو التخصيص، يكشف عن أربع صور عقلية، لأن اللفظ النازل إما عام وإما خاص، والسبب الذي نزل عليه اللفظ إما عام وإما خاص كذلك، فتنتج هذه الصور التي نذكرها فيما يلي:

صور نزول اللفظ مع السبب

أولًا: قد يكون سبب النزول عامًا، واللفظ الذي نزل عامًا كذلك:

ولا إشكال في هذه الصورة، لأن الحكم الوارد في الآية عام، وهو ثابت لكل أفراد السبب العام بطريق النص، وهذا محل اتفاق بين العلماء نظرًا للتطابق بين اللفظ والسبب.

مثال ذلك: ما ورد في سبب نزول قول الله تبارك وتعالى: {وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} [البقرة: ٢٢٠] عنِ ابنِ عبّاسٍ قالَ: لمّا أنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ {وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ} [الأنعام: ١٥٢] وَ { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا} [النساء: ١٠]  } الآيةَ انطلقَ مَن كانَ عندَهُ يَتيمٌ فعزلَ طعامَهُ مِن طعامِهِ وشرابَهُ مِن شرابِهِ فجعلَ يَفضُلُ مِن طعامِهِ فَيحبِسُ لَه حتّى يأكلَهُ أو يفسدَ فاشتدَّ ذلِكَ علَيهِم فذَكروا ذلِكَ لرَسولِ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم- فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ {وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ } [البقرة: ٢٢٠]  } فخلَطوا طعامَهم بطعامِهِ وشرابَهم بشرابِه. [رواه أبو داود]

ثانيًا: قد يكون سبب النزول خاصاً واللفظ الذي نزل في شأنه خاصاً كذلك:

 وهذا مثل سابقه لا إشكال فيه كذلك، لأن الحكم الخاص الوارد في الآية ثابت للفرد الخاص الذي نزل في شأنه، وذلك للتطبيق بينهما في جهة الخصوص ولا خلاف بين العلماء في ذلك.

 مثال ذلك: ما ورد في سبب نزول قول الله تعالى: {تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ * مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ * سَيَصۡلَىٰ نَارٗا ذَاتَ لَهَبٖ} [المسد: ١-٣] إلى آخر سورة المسد. فقد أخرج البخاري [في صحيحه: ك: التفسير، ب: وأنذر عشيرتك الأقربين» حديث/ *٠٤٧٧] عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لمّا نزَلَتْ: {وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ} [الشعراء: ٢١٤]  صَعِدَ النَّبيُّ صلي الله عليه وسلم-على الصَّفا فجعَلَ يُنادي: «يا بَني فِهرٍ، يا بَني عَديٍّ» لِبُطونِ قُرَيشٍ حتّى اجْتَمَعوا، فجعَلَ الرَّجُلُ إذا لم يَستَطِعْ أنْ يَخرُجَ أرسَلَ رسُولًا لِيَنظُرَ ما هو فجاء أبو لَهَبٍ وقُرَيشٌ، فقال: أرَأيْتَكُمْ لو أخْبَرتُكُمْ أنَّ خَيْلًا بالوادي تُريدُ أنْ تُغيرَ عليكم أكُنتُم مُصَدِّقِيَّ؟ قالوا: نَعَمْ، ما جَرَّبْنا عليك إلا صِدْقًا. قال: فإنِّي نَذيرٌ لكم بيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فقال أبو لَهَبٍ: تبًّا لك سائرَ اليومِ، ألهذا جَمَعْتَنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ} [المسد: ١ – ٢ ].

ثالثًا: قد يكون السبب عامًا واللفظ خاصًا:

 (وتلك صورة فرضية غير واقعة في القرآن، لأنها تتنافى وبلاغته، لعدم وفاء اللفظ للسبب، إذ السبب بمنزلة السؤال، واللفظ المنزل بمنزلة الجواب، وقصور الجواب عن مطلوب السؤال مخل بالبلاغة) [انظر اللآلئ الحسان في علوم القرآن: أ. د./ موسى شاهين مطبعة دار التأليف ٣٨٨ ١ه ص: ٦٥ ١].

 رابعًا: قد يكون سبب النزول خاصًا، واللفظ الذي نزل في شأنه عامًا:

 وهذه الصورة هي موضع خلاف العلماء، وقد تكررت هذه الصورة في القرآن الكريم في أكثر من سورة. واختلاف العلماء في شأن هذه الصورة يدور حول ما يعتبر عندهم، ويعتد به من الأمرين: هل تكون العبرة بعموم اللفظ؟ وعندئذ يكون اللفظ العام باقياً على عمومه، فيتناول أفراد السبب الخاص وكل ما يكون مشابهًا له من أفراد غيره، أو تكون العبرة بخصوص السبب؟ فلا يكون اللفظ باقيًا على عمومه بل يكون مقصور على أفراد السبب الخاص، ولا يدخل ما سوى ذلك في الحكم إلا بدليل آخر غير النص.

ولنذكر أولًا مثالًا تتضح فيه صورة هذا الخلاف، ثم نذكر ما قاله العلماء في هذا الصدد مقرونًا بالأدلة، ثم نبين أي القولين أولى بالاعتبار.

 ففي الصحيح: عن ابن عباس رضى الله عنهما أنَّ هلالَ بنَ أُميَّةَ قذفَ امرأتَهُ عندَ النَّبيِّ صلّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بشريكِ بنِ السَّحماءِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: «البَيِّنةَ وإلّا حدٌّ في ظَهْرِكَ»، قالَ فقالَ هِلالٌ:  يا رسولَ اللَّهِ إذا رأى أحدُنا رجلًا على امرأتِهِ أَيلتمِسُ البَيِّنةَ؟ فجعلَ رسولُ اللَّهِ صلّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقولُ: «البَيِّنةَ وإلّا فحدٌّ في ظَهْرِكَ»، قالَ: فقالَ هِلالٌ  والَّذي بعثَكَ بالحقِّ إنِّي لصادقٌ، ولَينزلَنَّ في أمري ما يبرِّئُ ظَهْري منَ الحدِّ، فنزلَ {والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ} فقرأَ حتّى بلغَ {والْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ}، قالَ: فانصرفَ النَّبيُّ صلّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فأرسلَ إليهما فجاءا، فقامَ هِلالُ بنُ أميَّةَ فشَهِدَ والنَّبيُّ صلّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقولُ: «إنَّ اللَّهَ يعلمُ أنَّ أحدَكُما كاذبٌ، فَهَل منكُما تائبٌ؟» ثمَّ قامَتْ فشَهِدَتْ، فلمّا كانت عندَ الخامسةِ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ قالوا لَها: إنَّها موجبةٌ، فقالَ ابنُ عبّاسٍ: فتلَكَّأتْ ونَكَستْ حتّى ظنَّنا أن سترجعُ، فقالَت: لا أفضحُ قَومي سائرَ اليَومِ، قالَ النَّبيُّ صلّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: «أبصِروها، فإن جاءتْ بِهِ أَكْحلَ العَينَينِ (أكحل العينين: هو الذي يعلو جفن عينيه سواد مثل الكحل)  سابغَ الأليتَينِ (سابغ الأليتين: الأليتين تثنية الألية بفتح الهمزة، وسكون اللام هي: العجيزة أو ما ركب من شحم أو لحم: أي تام الأليتين وعظيمهما) خَدلَّجَ السّاقَينِ (خدلج الساقين: بخاء ودال مهملة ولام مشددة مفتوحة: أي عظيم الساقين) فَهوَ لشريكِ بنِ السَّحماءِ»، فجاءتْ بِهِ كذلِكَ، فقالَ النَّبيُّ صلّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: «لَولا ما مضى مِن كتابِ اللَّهِ لَكانَ لَنا ولَها شأنٌ» [هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه: ك: التفسير ب، {وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} حديث / ٤٧ ٤٧ وأبو داود في سننه: ك: الطلاق، باب في اللعان، حديث/ ٢٢٥٤ والترمذي في سننه: ك: التفسير، ب: ومن سورة النور، حديث/ ٣١٧٩ واللفظ هنا للترمذي].

 فالحديث كما هو واضح يصرح بأن سبب النزول هنا خاص، وهو قذف هلال بن أمية زوجته بشريك بن السحماء والآيات المذكورة نزلت بحكم اللعان بلفظ عام، لأنها مبدوءة بقول الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ [النور: ٦] الآية، واسم الموصول من صيغ العموم وموضوع خلاف العلماء هنا هو: هل لفظ الآية العام يتناول بنصه كل قاذف لزوجته من غير شهود يشهدون معه؟

ولا حاجة مع هذ النص إلى أدلة أخرى من اجتهاد أوقياس في تعميم هذا الحكم على غير هلال بن أمية، أي أن العبرة بعموم اللفظ في الآيات، لا بخصوص السبب النازلة عليه، أو أن لفظ الآيات العام قاصر في حكمه على سببه الخاص، وهو قذف هلال بن أمية امرأته، وأما من عداه ممن يفعل فعله فلا ينطبق عليه الحكم من خلال لفظ الآيات، وإنما ينطبق عليه بدليل آخر هو القياس، والعبرة عندئذ تكون بخصوص السبب لا بعموم اللفظ؟

رأيان للعلماء: ذهب إلى الأول منهما جمهور العلماء، وذهب إلى الثاني فريق منهم.

وقبل أن نستعرض أدلة كل فريق ينبغي التأكيد على أن الجميع متفقون على تعميم أحكام الآيات التي نزلت بألفاظ العموم، وإن كان سببها خاصًا، مادامت قد خلت عن قرينة تمنع من هذا التعميم، بمعنى أن اللفظ العام الذي نزل بحكم ما على سبب خاص لا خلاف في تعميم حكمه على كل الحالات التي يتناولها، من أفراد السبب وغيرها، لكن الخلاف في كيفية استفادة الحكم بالنسبة لأفراد غير السبب (لأن الجميع متفقون على أن استفادة الحكم بالنسبة لأفراد السبب بطريق النص):

فالجمهور يرى أن استفادة الحكم فيها بطريق النص كما في أفراد السبب، أما غيرهم فيرون أن الحكم في صورة غير السبب يكون بطريق القياس و ليس بالنص، بمعنى أنهم لا يقولون بامتناع ثبوت الحكم في غير صورة السبب مما هو من نوعه بل يقولون بتعديته إليه بطريق القياس، أما أدلتهم فهي كما يلي:

 أولًا: أدلة الجمهور:

 (أ) أن المعول في الاحتجاج على لفظ الشارع وحده - اي النص القرآني - لا على السؤال أو السبب الذي نزلت الآيات في شأنه؛ لهذا نرى أن اللفظ القرآني في بعض الأحوال قد يعدل بالجواب عن سنن السؤال، وذلك لحكمة وفائدة في مجال التوجيه والتربية، كأن يرد السؤال عن شي بذاته، فيوجه الجواب السائل إلى شي آخر هو أولى بالاهتمام وهو الذي كان من المفروض أن تتحرى معرفته، وذلك كما في قول الله سبحانه. {يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ} [البقرة: ٢١٥]. فالسؤال في الآية قد توخى معرفة ما ينبغي أن ينفق، والجواب توخى الإعلام بالجهات التي ينبغي أن توجه إليها النفقة لأنه أنسب في هذا الموضع.

 (ب) أن اللفظ القرآني عام فيجب بقاؤه على عمومه، لأن الأصل في الألفاظ حملها على معانيها الأصلية المتبادر، ولا يجوز صرف اللفظ عن معناه الذي وضع له إلا لقرينة تمنع بقاءه على هذا الأصل، وكون اللفظ القرآني قد نزل على سبب خاص، فذلك ليس قرينة على التخصيص، لأنه لا مانع أن يكون السبب الخاص وسيلة لبيان حكمه، وحكم كل ما هو على شاكلته، بل إن العدول - في ذاته - عن ربط الحكم بالخاص إلى ربطه بالعام دليل على قصد العموم.

 (ج) أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ومن بعدهم قد تمسكوا - فيما نزل على أسباب خاصة - بما أفادته ألفاظ القرآن النازل من العموم، واحتجوا بذلك على وقائع لم تكن أسبابًا لنزول الآيات، بل شابهتها، وذلك من غير حاجة إلى دليل آخر كالقياس ونحوه، فنراهم قد استدلوا على حكم الظهار، وما ينبغي أن يفعله من يظاهر من زوجته - عند العود - من الإتيان بالكفارة: من تحرير الرقبة، أو الصيام، أو الإطعام، وأن ذلك لكل مظاهر.

أقول: استدلوا على ذلك بعموم ما ورد في قول الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ *فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: *-*]. مع أن السبب في نزول هذه الآيات هو فعل أوس بن الصامت رضي الله عنه، لما ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم من العرب الخلص، الذين يعرفون بسليقتهم ما تفيده الألفاظ العربية، ولو كان ورود العام على سبب خاص يستلزم قصره عليه - فيما عهدوه من لغتهم - لما ذهبوا إلى هذا التعميم ولوقفوا عند مقتضى التخصيص، ولكن ذلك لم ينقل عنهم؛ بل أصرح من هذا: أنه قد ورد عنهم ما ينص على هذا التعميم، قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: "حدثني محمد بن أبي معشر، قال: أخبرني أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيد المقبري يذاكر محمد بن كعب، فقال: إن في بعض الكتب: إن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا منسوك الضأن من اللين، يشترون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أعلي يجترئون، وبي يغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله عز وجل: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ *وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ} [البقرة: ٢٠٤-٢٠٥] فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد" [جامع البيان عن تأويل آى القرآن: لمحمد بن جرير الطبري: دار الفكر بيروت، ١٤٠٨ ه ١٩٨٨ (٣٢٣/٢)].

وشبيه بذلك ما صرح فيه عقب نزول بعض الآيات باعتبار عموم لفظه، على الرغم من خصوص سببه كما جاء في الحديث التالي عن ابن مسعود رضي الله عنه:«أنَّ رجلًا أصاب من امرأةٍ قُبلةَ حرامٍ، فأتى النَّبيَّ -صلي الله عليه وسلم-، فسألَه عن كفّارتِها؟ فنزلت {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ} [هود: ١١٤] فقال الرَّجلُ: ألي هذه يا رسولَ اللهِ؟ فقال: لك ولمَن عمِلَ بها من أُمَّتي» وفي بعض الروايات، فقال أصحابه: يا رسول الله، ألهذا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: «بل للناس عامة» [هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه: ك. التفسير ب {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ حديث/ ٤٦٨٧ ومسلم في صحيحه: ك: التوبة. باب قوله، {إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ} حديث/ ٢٧٦٣ والترمذي في سننه. ك: التفسير، ب: ومن سورة هود، حديث/ ٣١١٤ واللفظ للترمذي الذي قال: هذا حديث حسن صحيح].

ثانيا: أدلة المخالفين:

 أما المخالفون: فليس لهم أدلة سوى بعض المحاذير التي يرون أنها تترتب على القول بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهي محاذير يمكن الرد عليها جميعاً، ومن بين هذه المحاذير:

 (أ) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: ألا يكون هناك فائدة لأسباب النزول، أو لبيانها على الرغم من اجتهاد العلماء في نقل هذه الأسباب، واهتمام علماء التفسير بها، ولا تظهر الفائدة من ذلك إلا بالقول بأن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.

 ويمكن الرد على ذلك: بأن لمعرفة أسباب النزول كثير من الفوائد الهامة غير هذه الفائدة التي أوردها هؤلاء مثل معرفة حكمة التشريع، وإزالة ما قد يكون في الآيات من إشكال، وغير ذلك مما عالجناه في موضع آخر.

 (ب) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: أنه يحنث من قال: والله لا آكل، جوابًا لمن قال: كل فاكهة، إذا أكل خبزا، لأن قوله: لا آكل، يعم كل أكل، مع أن الفقهاء على أنه لا يحنث، فثبت أن العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ.

 والرد على ذلك: أن التخصيص في هذا المثال إنما جاء من العرف، الذي يقضى بأن الحالف في مثل هذه الحالة لا يقصد نفي الأكل مطلقًا، وإنما يقصد نفي أكل الفاكهة، فالتخصيص جاء من قرينة قضت به، لا من خصوص السبب، ولا نزاع في ذلك، إنما النزاع عند عدم القرينة.

 (ج) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: ألا يكون لربط نزول الآية بسببها فائدة، لأن هذا الربط دليل على أن العبرة بخصوص السبب، ولولا ذلك كانت الآيات تنزل إما قبل حدوث هذه الأسباب، أو بعدها بوقت طويل، حتى ينفك هذا الارتباط، فدل ذلك التعاقب على أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.

 والرد على ذلك: أن هذا التعاقب بين السبب والآيات النازلة في شأنه يؤدى إلى تثبيت الحكم الشرعي وإظهار حكمة التشريع، وتوضيح المراد من الآيات عندما يشكل معناها، وليس المراد منه قصر الحكم على سببه الخاص.

 (د) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: جواز إخراج صورة السبب من اللفظ العام إذا ورد ما يخصصه؛ لأنه حينئذ كأي فرد من أفراده، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز إخراج صورة السبب من العام في هذه الحالة فدل ذلك على أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.

 ويجاب عن ذلك: بأن عدم جواز إخراج صورة السبب بما ورد من التخصيص إنما هو لمزية في صورة السبب ليست في سائر الأفراد، وهي مع ذلك تدخل دخولًا أوليًا.

(ه) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: عدم مطابقة اللفظ العام الذي هو بمنزلة الجواب للسبب الذي هو بمنزلة السؤال؛ لأن السبب خاص واللفظ عام، فلا تطابق بينهما، مع أن التطابق في مثل ذلك ضروري، انطلاقًا من قواعد البلاغة، وإذا لم يتحقق هذا التطابق يكون مخلًا ببلاغة القرآن، وهو عندئذ نقص يتنزه عنه القرآن الكريم.

 والجواب على ذلك: أن التطابق المنشود يتحقق في حالة عموم اللفظ، لأنه يتضمن بيان حكم السبب الخاص، وهذا قدر متيقن، ويزيد عليه بيان حكم ما يشابهه، ولا يخل بأعلى مراتب البلاغة أن يكون اللفظ العام جوابًا شامًلا للسبب ولغيره، بل إن هذه مزية، لأنها فائدة زائدة ترفع من شأن الكلام، وتزيد من قيمته، وحيث زالت هذه المحاذير بما لا تكلف فيه: فإنه لا يبقى لهؤلاء دليل على رأيهم، وتبقى أدلة الجمهور سالمة ناطقة بصواب ما ذهبوا إليه، وهو أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ثمرة الخلاف في عموم اللفظ وخصوص السبب

 وإذا كان لهذا الخلاف من ثمرة: فإن الثمرة تنحصر في تحديد مأخذ الحكم في غير صورة السبب الخاص وهي - كما قدمنا - مندرجة تحت الحكم قطعًا، ولكن جماهير العلماء يرون مأخذ الحكم فيه بطريق النص نفسه بينما يرى البعض مأخذه بطريق القياس، فالحكم في غير صورة السبب قائم في كلتا الحالتين على دليل شرعي [راجع في أدلة الفريقين: الإتقان: (١ /٩٦، ٩٧) والبيان في مباحث من علوم القرآن: ص ١١٥ - ١٢٠ واللآلئ الحسان في علوم القرآن: ص ١٦٦- ١٦٩)].

الخلاصة

العموم والخصوص في أسباب النزول يتناول كيفية تعامل الألفاظ القرآنية مع أسباب نزولها، فهل يبقى اللفظ على عمومه أم يقتصر على سبب النزول؟،  وللعلماء فيه آراء نعرضها فيما يلي.

موضوعات ذات صلة

أسباب النزول توضح الحكمة من نزول آيات القرآن الكريم، وهي مرتبطة بالأحداث أو الأسئلة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم

تُعدّ أسباب النزول أساسًا لفهم وتفسير آيات القرآن الكريم، فهي تمنحنا السياق التاريخي والاجتماعي للنصوص

تتنوع أسباب نزول آيات القرآن بين عامة تخص سورًا كاملة، وخاصة تخص آيات معينة

موضوعات مختارة