ولعل تأخر النزول في هذه الحادثة -والله أعلم- كان
نوعًا من الابتلاء لمجتمع المؤمنين، ليمحّص إيمان المؤمنين، ويظهر نفاق الذين في
قلوبهم مرض، وليتم إعداد المؤمنين لتلقي الدرس الذي نزلت به الآيات في شأن الأعراض
وحرمتها، والتشنيع على من ينتهك تلك الحرمة وبيان قبح فعله، وعظيم عقوبته، وذلك
يتمثل في قول الله تعالى ضمن الآيات النازلة: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ
الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.
كما أن فيه تكريما لأم المؤمنين رضي الله عنها
بنزول براءتها في القرآن الكريم، مع زيادة أجرها ومثوبتها لما عانته من الأذى في
هذه الفترة العصيبة.
أما نزول آيات الظهار فور وقوع الحدث:
فلعل من حكمته -والله تعالى أعلم- تلبية دواعي
التشريع في هذا الأمر الطارئ، الذي بدت فيه حاجة المرأة الماسة، وظروفها المتمثلة في:
كبر سنها، وضعف ذريتها، وقد تبدي ذلك كله في مراجعتها لرسول الله صلى الله عليه
وسلم كما تذكر بعض الروايات، وكما جاء في نص الآية الكريمة: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ
فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما} الآيات.
الثالث: ما لم يصرح فيه
بنزول الآيات فور حدوث السبب أو بتراخي هذا النزول، فهو يحتمل الأمرين معًا.
ومثال ذلك: ما ورد في شأن نزول
قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ
بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما
تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الفتح: ٢٤ ].
فقد أخرج
مسلم [في صحيحه: ك: الجهاد، باب
قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} حديث ١٨٠٨] عن أنس رضي الله
عنه «أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ
اللَّهِ صَلًى الله عًليه وَسَلّم مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ،
يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ صَلًى الله عًليه وَسَلّم فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا، فَاسْتَحْيَاهُمْ،
فأنزل الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ
بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما
تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}.
فليس في لفظ
الحديث ما يدل على فورية النزول أو تراخيه، ولكنه على كل حال تم بعد وقوع السبب،
هذا هو الشأن فيما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب: أن يتقدم السبب على ما ينزل
فيه من الآيات.
ولكن الزركشي
رحمه الله تعالى ذكر أنه: قد يتقدم نزول الآيات على ما نزلت في شأنه، وذكر أمثلة لذلك فقال:
"واعلم أنه قد يكون النزول سابقًا على الحكم" وهذا كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى/ ١٤]، فإنه يستدل بها
على زكاة الفطر، روى البيهقي بسنده: أنها في زكاة رمضان، ثم أسند مرفوعًا نحوه،
وقال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؟ لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا
زكاة.
وأجاب البغوي
في تفسيره: بأنه يجوز أن يكون النزول سابقًا على الحكم كما قال: {لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ
بِهذَا الْبَلَدِ} [سورة البلد:
١، ٢.] فالسورة مكية وظهر أثر الحل يوم فتح مكة حتى قال عليه السلام: «أُحِلَّتْ
لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ » [
المعني الذي ذكره البغوي في تفسيره لقول الله تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ}
ذكره ابن كثير كذلك في تفسيره فقال: (وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس:{ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ}يعني: مكة {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ}
قال أنت يا محمد: يحل لك أن تقاتل به) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥١١) والحديث الذي
نقله الزركشي: صحيح أخرجه البخاري في صحيحه: ك: العلم، ب: ليبلغ العلم الشاهد
الغائب، حديث/ ١٠٤ ومسلم في صحيحه: ك: الحج، باب تحريم القتال في مكة، حديث/ ١٣٥٣
واللفظ له، عن ابن عباس رضي الله عنهما: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «قال: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بحَرَّمَةِ اللَّه إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ وإنه لَمْ يحِل لِأَحَدٍ
قَبْلِي، ولم يحل لِي إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَارٍ...»الحديث]
وكذلك نزل
بمكة: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر}َ [القمر/ ٤٥]. قال عمر بن
الخطاب: "كنت لا أدري أي الجمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} أ. هـ. كلام
الزركشي رحمه الله تعالى [البرهان
في علوم القرآن: (١/ ٥٧، ٥٨)].
وما ساقه الزركشي
هنا -فيما عدا الآية الأولى التي قالوا إنها في شأن زكاة الفطر- يمكن حمله على أنه
من باب الإخبار بالمغيبات التي وقعت كما أخبر القرآن عنها تمامًا، وذلك من أوجه
إعجاز القرآن الكريم.