إن القرآن الكريم هو أشرف كلام، وقد تعددت أسماؤه وإطلاقاته لغةً وشرعًا، مما يعكس شرف المسمَّى وعظيم قدره، وعلى الرغم من كثرة ما ذُكر من أسماء له، إلا أن الجدير بالاعتبار الفعلي كاسم لا كصفة هو خمسة أسماء فقط.
إن القرآن الكريم هو أشرف كلام، وقد تعددت أسماؤه وإطلاقاته لغةً وشرعًا، مما يعكس شرف المسمَّى وعظيم قدره، وعلى الرغم من كثرة ما ذُكر من أسماء له، إلا أن الجدير بالاعتبار الفعلي كاسم لا كصفة هو خمسة أسماء فقط.
أولًا: القرآن: أسماؤه وإطلاقاتها لغةً وشرعًا قال الجاحظ: "سمّى الله كتابه اسمًا مخالفًا لما سمى العرب كلامهم على الجملة والتفصيل، سمّى جملته قرآنًا، كما سموا ديوانًا، وبعضه سورةً كقصيدة، وبعضها آيةً كالبيت، وآخرها فاصلةً كقافية [الإتقان ج ١ ص١٧٨]، وقد أفرد البعض أسماء القرآن بالتصنيف، فصنف فيها الحرَّالي جزءًا أنهى فيه أسامي القرآن إلى نيف وتسعين اسمًا [البرهان ج ١ ص ٢٧٣].
وقال أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك المعروف بشيذلة [في المطبوع "سيدلة" بالسين، تصحيف، وشيذلة، ضبطها ابن خلكان بفتح الشين والذال واللام، وقال: "وهو لقب عليه، معناه: مع كشفي عنه" وعزيزي، ضبطه أيضًا بفتح العين، هو ابن عبد الله أحد فقهاء الشافعية، وصاحب كتاب البرهان في مشكلًات القرآن. توفي سنة ٤٩٤ه. انظر ابن خلكان جاء ص٨ ١ ٣، وشذرات الذهب ٤٠١/٣، وكشف الظنون ٢٤١] في (كتاب البرهان): "واعلم أن الله سمى القرآن بخمسةٍ وخمسين اسمًا" أ هـ.
وإذا كانت كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى غالبًا كما يقولون، فإنه لا أشرف من القرآن ولا أجدر منه بالحظوة بكل شرف ورفعة، بيد أن أولئك الذين قد بلغوا بأسماء القرآن إلى هذا الكم الهائل نيف وتسعين أو خمسة وخمسين وما إلى ذلك قد أسرفوا، وما لزموا الجادة في التفرقة بين ما حقه أن يعد اسمًا، وما هو من قبيل الأوصاف التي لا ينبغي نظمها في سلك الأسماء، فلم يفرقوا بين القرآن الاسم، والحكيم الوصف.
وإنما الجدير أن يُعد من أسماء القرآن حقًا خمسة أسماء:
أولها: وأشهرها على الإطلاق: (القرآن) وفي بيان أصل هذا اللفظ ومأخذه نقول: لم يختلف أحد في علمية – أي: كونه علمًا - كلمة القرآن على هذا الكتاب الحكيم المجموع بين دفتي المصحف، وإنما الخلاف الواقع بين أهله في هذه الكلمة في ثلاثة أمور: أحدها: هل نقل عن معنى كان قبل العلمية أو لا؟
ثانيها: هل هو مشتق أو مأخوذ من شيء أو لا؟
ثالثها: هل يهمز أو لا يهمز؟ وإن همز فهل همزته أصلية ونونه زائدة أو العكس.
وهاك تفصيل ذلك كله:
١ - قال قوم منهم اللحياني [اللحياني: هو أبو الحسن علي بن حازم، اللفوي المشهور المتوفى سنة ٥ ١ ٢ه، وقد أفاد ابن سيدة من كتبه في تأليف (المخصص)]: وهو مصدر لقرأت، كالرجحان والغفران، سُمِّى به الكتاب المقروء من باب تسمية المفعول بالمصدر أ هـ [الإتقان جاء ص١٨٢].
وهذه المقالة من أصحابها تتضمن أمرين:
أولهما: أن الكلمة التي جعلت علمًا لهذا الكتاب هي بعينها الكلمة التي جاءت في اللغة مصدرًا بمعنى القراءة، فتكون عمليتها منقولة عن المعنى المصدري، تسمية للمفعول بالمصدر، كاللفظ بمعنى الملفوظ، والمعنى المصدري ظل مستعملًا ولم يهجر مع استعمال الكلمة في معنى المفعول أيضًا.
وثاني الأمرين وهو يترتب على أولهما: أن هذه الكلمة في علميتها كما هي في مصدريتها مهموزة همزتها أصلية ونونها زائدة على زنة فعلان، ومن حذف همزتها كقراءة ابن كثير ونطقها هكذا (قران) فهو من باب التخفيف بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها على وزن (فعان)، وهذا القول وما يتضمنه من هذين الأمرين هو المختار الذي لا ينبغي التعويل إلا عليه [أنظر: المسألة التاسعة من تفسير قوله تعالى: {شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ} [البقرة: ١٨٥] من تفسير الجامع لأحكام القرآن (ج٢ ص٢٩٨)]، فمن ثم وفق الأستاذان الجليلان الزرقاني وغزلان كل التوفيق إذ اختاراه [أنظر: مناهل العرفان للزرقاني (ج ا ص٤٠ ١)، والبيان، للشيخ غزلان (ص١٩ - ١ ٢)]، وهذا الرأي هو ما عليه جمهور من كَتَب في علم الأصول كالسعد التفتازاني والجلال المحلي.
٢ - وذهبت طائفة منهم الزجاج إلى أنه: وصف على وزن (فعلان) من القرء بمعنى الجمع، وعلى ذلك يكون للفظة (القرآن) استعمالان في معنى المصدرية وتكون بمعنى القراءة الوصفية وتكون مشتقة من القرء بمعنى الجمع، والثاني هو العلم على خصوص الذكر الكريم، وعليه أيضًا تكون الهمزة أصلية في الكلمة والنون زائدة، ومن حذف الهمزة تخفيفًا نقل حركتها للساكن قبله فصارت على وزن (فعان).
والذي أذهب إليه هو ضعف هذا الرأي وإن مال بعضهم إلى اختياره كالألوسي، وقد رد هذا القول أيضًا الشيخ غزلان بأن هذه الصيغة غير مألوفة فهي سماعية لا يخرج عليها إلا عند الضرورة ولا ضرورة هنا [البيان في مباحث من علوم القرآن لغزلان (ص٢٠)].
٣ - ونقل الزركشي عن بعض المتأخرين [أنظر: البرهان (ج ا ص٢٧٧)] والسيوطي عن قطرب [أنظر: الإتقان (ج ١ ص١٨٢)] أن: مادة القرآن هي (قرأ) بمعنى أظهر وبين، وأنكر بعض المتأخرين أن تكون من القرء بمعنى الجمع لقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ} [القيامة: ١٧] وهذ القول لم يبين أصحابه هل لفظة (القرآن) مصدر أم وصف على وزن فعلان، وإن كان المتعين من حكاية الزركشي أنهم يجعلونها مصدر من الإظهار وليس الجمع، وعلى هذا القول تكون الهمزة من أصل الكلمة كسابقه، ولكن أصحاب هذ القول منعوا أن تكون لفظة (قرآنه) في قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ} [القيامة: ١٧] من القرء بمعنى الجمع أو مصدرًا بمعنى القراءة، والصحيح أن العطف للفظة (قرآنه) على (جمعه) لا يلزم منه التكرار كما قالوا، بل (جمعه) يكون في قلبه صلى الله عليه وسلم، و(قرآنه) يكون في اللسان فيكون بمعنى القراءة، أو القرء بمعنى الجمع لحروفه بعضها البعض، وعليه يكون المعنى: أن يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم، ما جمعه الله له في صدره، وهذا المعنى هو الظاهر الراجح ولقد اتفقت الأقوال الثلاثة السابقة في أمرين هما: علمية لفظة (القرآن) على الذكر الحكيم، وكون الهمزة من أصل كلمة (القرآن).
٤ - نقل الزركشي عن تاريخ الخطيب قول الشافعي: أنه قرأ القرآن على إسماعيل بن قسطنطين ولم يكن يهمز (القرآن) وأنه كان يجعله اسمًا ليس مأخوذًا من القراءة، ونقل عن الواحدي أيضًا نسبة عدم الهمز لقراءة ابن كثير والشافعي وإن همز الأخير (قرأت)، فهي علم مشتق كما قاله جماعة من الأئمة.
٥ - ونقل الزركشي أيضًا عن البيهقي أنه: نقل عن جماعة أن (القرآن) مشتق من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممته، لضمه السور والآيات بعضها لبعض، ونقل عنه نسبة هذ المعنى للأشعري [انظر: البرهان (ج ١ ص٢٧٧) وما بعدها].
٦ - ونقل السيوطي عن الفراء أنه: مشتق من القرائن [وعبارة الزركشي عن هذا القول: «وقال القرطبي: القرآن بغير همز - مأخوذ من القرائن»، وهي أدق مما نقل عن الفراء؛ لأن الاشتقاق إما أن يكون من المصدر، وهو المختار الذي عليه مذهب البصريين، وإما أن يكون من الفعل الماضي على ما هو مذهب الكوفيين، والقرائن الذي هو جمع قرينة ليس بمصدر ولا بفعل حتى يشتق منه، فالقول من مثله غلط محض، أما الأخذ الذي عبر به القرطبي فيما نقل عنه الزركشي فهو أوسع دائرة من الاشتقاق فيصح] لأن الآيات يصدق بعضها بعضًا، والأقوال الثلاثة الأخيرة تتفق في أمرين هما: أن لفظة (قران) لم تستعمل قبل التنزيل بل هي علم مرتجل وليس منقولًا، وأنها غير مهموزة ونونها أصلية فهي على وزن (فعال)، ومن همز تكون على وزن (فعئال) بزيادة الهمزة، هذا كله في لفظة (قرآن) في غير آية القيامة.
ويختلف القول الثالث منها عن الآخرين في جعله لفظة (قران) علمًا غير مشتق، وهما يجعلانه مشتقًا، وهذه الأقوال الثلاثة ضعيفة؛ لمخالفتها ما أطبق عليه القراء - ما عدا ابن كثير- من إثبات الهمزة، وادعاء زيادتها لأصحاب الأقوال الثلاثة بغير برهان؛ لأن الأصل عدم الزيادة، وهذا ما جعل الزجاج ينسب هذا القول للسهو، وهو ما أشار إليه الفارسي في الحلبيات [انظر: البرهان (ج ا ص٢٧٨)، ومما يجب الالتفات إليه أن أصحاب الأقوال السابقة جميعها لا ينكرون مجيء لفظة (قرآن) مصدرًا في اللغة، ولكنهم عندما يختلفون يتكلمون عن كلمة أخرى، لأنهم صرحوا بنسبة (القرآن) للاستعمال في المصدرية، صرح بذلك الفراء والقرطبي، ويصعب أن يغيب مثل هذا الثابت في اللغة عن أمثال الشافعي والفراء.
وأما ثاني أسمائه: فهو: "الفرقان" وقد سماه الله به في قوله تعالى من سورة آل عمران: {نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ * مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَ} [آل عمران: ٣-٤] وقوله جل قائلا: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: ١] وفي تفسير هذا الاسم يقول الزركشي في البرهان: "وأما تسميته (فرقانًا)؛ فلأنه فرّق بين الحق والباطل، والمسلم والكافر، والمؤمن والمنافق، وبه سُمّى عمر بن الخطاب الفاروق"[انظر: البرهان (ج١ ص٢٨٠)] وذهب لمثل هذا المعنى الآلوسي وإن زاد أنه قد يكون سمي بذلك لفصل بعضه عن بعضه الآخر، أو لكونه نزل مفصلًا وليس دفعة واحدة كغيره من الكتب، وزاد أيضًا أنه مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول [روح المعاني، للألوسي (ج١٨ ص٢٣١)] ومما سبق نقله تكون كلمة (الفرقان) تطلق ويراد منها الفاعل أي: الفارق لأنه يفرق بين الحق والباطل، وتطلق ويراد منها المفعول أي: المفروق بين سوره أو بين نجومه في نزوله، أو المفروق فيه بين الحق والباطل، وقد رد العلامة الآلوسي جميع أسماء القرآن وأوصافه لهذين الاسمين (القرآن والفرقان)، ولذا اقتصر عليهما [روح المعاني، للألوسي (ج١ ص٨)].
وأما ثالث هذه الأسماء الخمسة: فهو (الكتاب) قال الآلوسي رحمه الله في تفسيره من قوله تعالى سورة البقرة: {ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ} والكتاب كالكتب مصدر كتب ويطلق على "المكتوب كاللباس بمعنى الملبوس" والكتب كما قال الراغب: "ضم أديم إلى أديم بالخياطة".
وفي المتعارف: ضم الحروف بعضها إلى بعض، والأصل في الكتابة النظم بالخط، وقد يقال ذلك للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ، ولذ يُستعار كل واحد للآخر، ولذا سُمِّي (كتاب الله)، وإن لم يكن كتابًا، والكتاب هنا إما باق على المصدرية وسمي به المفعول للمبالغة أو هو بمعنى المفعول، وإطلاقه على المنظوم عبارة قبل أن تنتظم حروفه التي يتألف منها في الخط تسمية بما يؤول إليه مع المناسبة، ويطلق الكتاب كالقرآن على المجموع المنزل على النبي المرسل صلى الله عليه وسلم ،وعلى القدر الشائع بين الكل والجزء [روح المعاني، للألوسي (ج ا / ص٦ ١٠)] أ هـ.
وبعد هذا التحرير لأمر هذه الأسماء الثلاثة، لم يبق غير رد دعاوى بعض أتباع المستشرقين من أمثال بلاشير وكرنكو عندما يذهبون إلى عدم أصالة هذه الألفاظ الثلاثة في اللغة العربية، وأنها ترتد لأصل آرامي [انظر: مباحث في علوم القرآن (ص٧ ١-١٩)]، وهذا باطل أيضًا من جهة أخرى: أن استعمال العرب هذه الألفاظ قبل التنزيل كان كافيًا لتعريبها.
وأما رابع هذه الأسماء فهو (التنزيل) قال في تفسيره الزركشي رحمه الله: "وأما تسميته (تنزيلًا)؛ فلأنه مصدر نزلته لأنه نزل من عند الله على لسان جبريل، لأن الله تعالى أسمع جبريل كلامه وفهمه إياه كما شاء من غير وصف ولا كيفية، فنزل به على نبيه، فأداه هو كما فهمه وعلمه" أ هـ [انظر: البرهان ج١ ص ٢٨١]، وقد جاء ذكر هذا اللفظ - أعني لفظ التنزيل - في نحو قوله تعالى من سورة الشعراء: {وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ}، وقوله في سورة الحاقة {تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ}.
وأما خامس هذه الأسماء فهو: (الذكر) كما في قوله تعالى فيما قال جوابًا على المتهكمين على القرآن ونبيه صلى الله عليه وسلم {وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ} [الحجر: ٦] الآية، وقوله تعالى: {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: ٩]، وقوله علا وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡۖ} [فصلت: ٤١] الآية، وقوله سبحانه: {ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ} [آل عمران: ٥٨]، وقوله جل من قائل: {وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ} [الزخرف: ٤٤]، وقوله تعالى: {وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ} [الأنبياء: ٥٠]، والذكر مصدر ذكر يذكر، فإطلاقه على التنزيل المجيد إما لكونه ذاكرًا للناس ما يصلح أمر معاشهم ومعادهم مذكرًا بما فيه من البشارة والنذارة، فيكون من إطلاق المصدر على الفاعل، وإما لكونه مذكور بفضله وشرفه، وبالقلب وعيًا وإجلالًا، وباللسان تلاوة وعلمًا، مذكورًا فيه ما لا يستقيم أمر الخلق إلا به، فيكون من إطلاق المصدر على المفعول.
ويجوز أن يكون من الذكر بمعنى الشرف، لكونه شريفًا في نفسه مشرفًا لمن انتسب إليه وتخلق به، قال تعالى: {لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} [الأنبياء: ١٠] وقال: {وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ } [الزخرف: ٤٤]، فيكون من الإطلاق الأول - أعني إطلاق المصدر على الفاعل، وعبارة الزركشي رحمه الله في تفسير هذا الاسم: "وأما تسميته ذكرًا" فلما فيه من المواعظ والتحذير وأخبار الأمم الماضية، وهو مصدر ذكرت ذكرًا والذكر الشرف، قال تعالى: {لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ} [الأنبياء: ١٠] أي: شرفكم أ هـ [انظر: البرهان ج١ ص٢٧٩].
وبعد فهذه هي الأسماء الخمسة لهذه الحقيقة الشرعية، وقد أغفل الطبري رحمه الله منها، رابعها وهو التنزيل، بيد أن هذا الاسم قد صار من أشهر أسمائه في عرف جميع المنتسبين إليه من العلماء فمن دونهم.
قال الشيخ طاهر الجزائري في كتابه (التبيان): "وقد كثر تداول العلماء لهذا الاسم: فتراهم يقولون: ورد في التنزيل كذا، ولم يرد في التنزيل كذا إلى غير ذلك، وهو يعنون بالتنزيل القرآن" أ هـ. [انظر: البيان (ص١٢٣)] قال شيخنا غزلان: "وهذه الأسماء الخمسة هي التي شاع على ألسنة العلماء استعمالها أسماء للنظم الكريم، وكلها أعلام بالغلبة، ولا ريب أن القرآن أشهرها وأكثرها جريانًا على الألسنة" أ هـ [البيان (ص٢٢) وقوله رحمه الله: (وكلها أعلام بالغلبة) غلبة العلمية هي أن يكون للاسم عموم بحسب الوضع فيعرض له الخصوص في استعماله لغلبة إطلاقه على شىء بعينه، ثم إن كان استعمل في غير ما غلب عليه كالعقبة والنجم فالغلبة تحقيقية، وإن لم يستعمل في غيره أصلا مع صلوحه لذلك بحسب وضعه فتقديرية. انظر حاشية الخضري على ابن عقيل (ج١ ص٨٧) والأسماء الخمسة استعملت بالفعل في فرد آخر مندرج تختها فهي من الغلبة التحقيقية].
وقد تعددت إطلاقات القرآن بالمعنى الشرعي تبعًا لتعدد اعتبارات ما يراد منه، فتارة يراد باعتباره لفظا منطوقًا، وتارةً باعتباره نقشًا مرموقًا في المصحف، وثالثةً باعتباره الكلام النفسي القائم بذاته الأقدس جل جلاله.
وقد اتفق العلماء على صحة إطلاق (القرآن) على اللفظ المنطوق بالألسنة، وعلى النقش المرقوم في المصحف، سواء كان هذا الإطلاق من خلال جعله علم شخص بأن يكون هذا الإطلاق على المجموع المؤلف من مائة وأربع عشرة سورة بحركاتها وسكناتها، أم كان من خلال اسم الجنس الذي يطلق فيه الاسم (القرآن) على كل القرآن أو بعضه؛ لأنهما يشتركان في قدر مشترك، ولكنهم يختلفون في إطلاقه على الكلام النفسي القائم بذاته، وبهذا التمهيد يصلح أن نفصل الكلام في إطلاق القرآن باعتبارًاته الثلاثة، فنبدأ بموطن اتفاق العلماء، ثم نثني بموطن الاختلاف.
الإطلاق الأول: القرآن باعتباره ألفاظًا منطوقة:
أولًا: القرآن بوصفه علم شخص على هذا الاعتبار: إذ أردنا أن نعرف القرآن من حيث هو علم شخص فعلينا أن نعين مدلوله بإيراد أهم خصائصه التي اشتهر بها، ولا سيما عند علماء أصول الفقه، ومنها:
١ - الإنزال أو التنزيل على النبي صلى الله عليه وسلم.
٢ - الإعجاز بسورة منه.
٣ - النقل بالتواتر.
٤ - الكتابة في المصحف.
٥ - التعبد بالتلاوة.
وذكر بعض هذه الخصائص يكفي لتمييز مدلوله، ولنا أن نعرفه من خلال هذه الخصائص الخمسة بقولنا: "القرآن هو القول أو الكلام المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه، المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب في المصحف، المتعبد بتلاوته من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس"، وخرج "بالقول أو الكلام" الألفاظ المهملة، وبـ "المنزل" ما لم ينزل من كلامه المدخور عند الذي لا ينفد كلامه، والأحاديث النبوية، أما خروج الأحاديث القدسية فيتوقف على القول في: هل نزلت على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بألفاظها أو لا؟
فبالأول: قال بعض المحققين مثل الأستاذ محمد عبد الله دراز في (النبأ العظيم) وعليه نحتاج إلى قيد لإخراج هذه الأحاديث القدسية.
وبالثاني: قال الجمهور، وعليه لا حاجة لقيد جديد لإخراجها.
فالحديث النبوي سواء كان النبي صلى الله عليه وسلم فهمه من كلام الله وبتأمله حقائق الكون فهو التوفيقي، أم كان توقيفيًّا بأن تلقى مضمونه من الوحي فهو من حيث مضمونه منسوب له سبحانه وتعالى، ولكنه في القسمين حريٌّ بأن ينسب من حيث كونه كلامًا لفظيًا لقائله وهو النبي صلى الله عليه وسلم فخرج القسمان بالقيد الأول، وكذلك الحال في الحديث القدسي، لأنه على القول الراجح منزل بمعناه فقط؛ لأنه لم يأخذ أحكام حرمة اللفظ كالقرآن من حرمة روايته بالمعنى، ومس المحدث لما حواه.
وكون التحدي بالقرآن دون الحديث القدسي فارق آخر، وكذلك عدم التعبد بتلاوته كلاهما يثبت عدم نزوله بلفظ.
أما نسبة القول في الحديث القدسي له سبحانه وتعالى فنسبة مألوفة معروفة في العربية، وإنما لم نُسمِ بعض الحديث النبوي بالقدسي لأننا لم نقطع بنزول معناه كما قطعنا في الحديث القدسي؛ لورود النص بقوله صلى الله عليه وسلم في القدسي: "قال الله تعالى".
هذا مع تلقينا لكل سننه صلى الله عليه وسلم بالقبول بقسميها التوفيقي والتوقيفي لقوله تعالى: {وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ} [الحشر: ٧].
وجعل التنزيل متعلقًا لقوله في التعريف على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قيد ثان يخرج المنزل على غيره صلى الله عليه وسلم من ملائكة ورسل وأنبياء آخرين كصحف إبراهيم، وتوراة موسى.
وقولنا في هذا التعريف: "للإعجاز بسورة منه" المقصود به إظهار عجز المرسل إليهم وصدق النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الإعجاز يكون بأي سورةٍ ولو الكوثر أقصر سورة أو ما في قدرها، وهذا المعنى يفيد أن الإعجاز لم يكن بالقرآن كله كما في آية الإسراء، ولا بعشر سور كما في آية هود، بل بسورة واحدة، وجاء بها نكرة في سياق الشرط ليعممها كما في آية البقرة: {وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ} [البقرة: ٢٣] ليدل إطلاقها على صدقها بأي سورة ولو أقصرها، ويفيد أيضًا أن المراد بالقرآن المعرف هو المجموع الشخصي الذي لا يقال إلا على كل القرآن دفعة واحدة، وأيضًا منع توهم بعض الجاهلين أن الإعجاز لا يكون إلا بما هو أكبر من سورة الكوثر مثلًا.
وعليه فقولنا: "للإعجاز بسورة منه" قيد ثالث اكتفى به بعض المعرفين؛ للاحتراز عن الكلام غير المعجز المنزل من عنده سبحانه وتعالى، وعن المنسوخ، وهذا صنيع ابن الحاجب، ورأي ابن السبكي في (جمع الجوامع) عدم الاكتفاء به، وجعله مخرجًا للأحاديث القدسية.
وقولنا: "المنقول إلينا بالتواتر" قيد رابع يخرج المنقول أحاديًا، كمنسوخ التلاوة إن نُقل آحادًا بسند صحيح أو حسن، ويخرج أيضًا القراءات الشاذة، وأرى أن قيد التواتر في التعريف إنما هو لبيان الواقع لا للإخراج، لأن القراءات الشاذة ومنسوخ التلاوة خرجا بقيد الإعجاز السابق.
وكذلك قولنا: "المكتوب في المصحف" فإنه لا يخرج شيئًا، وإن كان بعض الأئمة كأبي حامد الغزالي في (المستصفى) ألَّف بين القيدين "التواتر والكتابة في المصحف" واكتفى بهما عن غيرهما، وهو صنيع صدر الشريعة في تنقيحه وتوضيحه، فعرَّف هؤلاء (القرآن) بأنه هو: "ما نقل بين دفتي المصحف تواترًا"، وقولنا: "المتعبد بتلاوته" أيضًا لبيان الواقع لا للإخراج.
ومن قال: إنه لإخراج القراءات الشاذة أو منسوخ التلاوة كالجلال المحلي، فقول غير صحيح، بل هذه العبارة لا تصلح قيدًا ولا يحتاج إليها في التعريف، لأنه من أحكام القرآن، ومن المقرر أن التعريفات تنزه عن ذكر الأحكام فيها.
قال الأخضري: "وعندهم من جملة المردود أن تدخل الأحكام في الحدود وذلك لأن اشتمال التعريف على الأحكام يوقع في الدور، لأن الحكم على الشيء فرع تصوره، وبهذا يكون تصور الشيء توقف على نفس تصوره".
ولكن هذا لا يمكن لأن عددًا من العلماء كالزرقاني والشيخ غزلان والجلال المحلي ذكروا "المتعبد بتلاوته" كقيد، ولكن العلامة الناصر استشكل هذا القيد، ومع ذلك فنحن نسلم للجلال والبناني بأن الحكم المذكور في التعريف إن ذكر للتمييز فحسب لا يضر.
وقولنا: "من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس" لبيان أنه علم شخص يطلق على القرآن كله، ويشبهه في هذه الدلالة قول ابن السبكي في آخر تعريفه: "المحتج بأبعاضه".
ثانيا: القرآن بوصفه اسم جنس باعتبار اللفظ المنطوق: وفي هذا الحديث نتكلم عن (القرآن) بوصفه اسم جنس على هذا الاعتبار نفسه، فكيف نعرفه؟ وهل إطلاقه بوصفه اسم جنس حقيقة أو مجاز؟ وإن كان حقيقة فهل إطلاقه عليهما "علم الشخص واسم الجنس" من قبيل الاشتراك اللفظي أي بوضع واحد، أو من المشترك المعنوي أي: بأوضاع مختلفة؟
ويمكن أن نقول: إن لفظ (القرآن) كبقية أسمائه من المشترك اللفظي بين تمام المجموع "علم الشخص" وبين القدر المشترك بين الكل والبعض "اسم الجنس"، والتعريف الذي يظهر أنه اختيار التفتازاني للقرآن بوصفه اسم جنس هو "الكلام المنقول في المصحف تواترًا" ولعل مما لا يخفى أن كون هذا تعريفًا صحيحًا للقرآن بهذا الوصف - أعني وصف كونه اسم جنس - لا يتم إلا لو أريد من "أل" في قوله: "الكلام" تعريف الجنس لا تعريف العهد، وهذا هو قصده قطعًا، فأما حيث يراد منها تعريف العهد، فإن هذا التعريف إنما يكون للقرآن بوصفه علم شخص، ويحسن زيادة لفظ "مطلق" قبل هذا التعريف، لنفي احتمال التردد بين الجنس والعهد في "أل" وعند تجرد إطلاق لفظ "القرآن" عن القرينة فيحمل على معنى تمام المجموع الذي هو علم الشخص، ويحمل أيضًا عليه عند وجود القرينة المحتملة له كما في قوله تعالى: {شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ}.
أما إذ وجدت القرينة الصارفة له عن هذا المعنى فيحمل على اسم الجنس كما في قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ}، لأنه من المعلوم أن الاستماع مطلوب لبعض القرآن كما هو مطلوب لمجموعه.
ولقد كان للقرينة دورها في حمل لفظ "القرآن" على أحد المعنيين، لأن شأن المشترك كذلك، لأنه من قبيل المجمل المحتاج للقرينة لتبيينه، ووقوع لفظ (القرآن) نكرة في سياق النفي وشبهه كالشرط والاستفهام قرينة صارفه له عن المعنى الشخصي إلى الجنسي، بسبب العموم الذي عرض له في هذا السياق، وكذلك في سياق الإثبات لتبادر الإطلاق الصالح لأن يقال على كل فرد من أفراد جنسها على سبيل البدل كما في قوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ} ولقد نبه العلامة الفناري على أن إطلاق المعنى الجنسي (للقرآن) على أبعاضه حقيقة، وذلك لأن إطلاق العام وإرادة الخاص لا بخصوصه لا تخرجه عن حيز الحقيقة، إنما المخرج هو إرادة الخاص بخصوصه، وذلك لبقاء المعنى الكلي في الإطلاق الأول، وهو الحقيقة في اسم الجنس وعدم بقائه في الثاني لإرادة الجزئي الذي ينافي معنى الكلي.
الإطلاق الثاني: القرآن باعتباره نقشًا مرقومًا:
النقوش الموجودة في المصحف الدالة على ألفاظ القرآن لا على نفسها هي أحد الوجودات الأربعة، وهي الوجود في خطِّ البنان، وهذه الألفاظ المنقوشة تعطى حكم نفس الألفاظ عرفًا وشرعًا.
ولعل من السهولة بمكان تعريف (القرآن) باعتباره نقشًا مرقومًا كعلم شخص أو اسم جنس، فالأول مثل قولنا: "ما بين دفتي المصحف من أول سورة الحمد إلى آخر سورة الناس" والثاني مثل قولنا: "مطلق ما في المصحف"، ولقد اتفقت الأمة على صحة إطلاق (القرآن) بالاعتبارين السابقين.
الفرق بين القرآن وبين كل من الحديثين القدسي والنبوي:
وخلاصة الفرق بين "القرآن" باعتبار اللفظ المنطوق والنقش المرقوم وبين الحديثين النبوي والقدسي:
(أ) ألفاظ القرآن منزلة، والحديث النبوي غير منزلة، أما الحديث القدسي فالجمهور على أنها منزلة خلافًا لبعض المحققين.
(ب) القرآن لا تجوز رواية شيء منه بالمعنى، والحديث النبوي تجوز باتفاق، والحديث القدسي تجوز على التحقيق.
(ج) القرآن منزل للإعجاز منه بسورة، وكلًا الحديثين ليس للإعجاز.
(د) القرآن منقول كله بالتواتر، وكلا الحديثين ينقل بالتواتر والآحاد، وأغلب نقلها بالآحاد.
(هـ) للقرآن أسماؤه الخمسة المخصوصة، وله اسم مخصوص لمجموعه المكتوب وهو (المصحف)، وكلا الحديثين ليس كذلك.
(و) القرآن متعبد بتلاوته، والحديث بقسميه ليس كذلك، بل أقل القليل منه المتعبد بتلاوة لفظه وهو الأذكار إجماعًا.
(ز) القرآن مختلف في قراءة الجنب والحائض له والنفساء: الجمهور يمنع، وفريق على جوازها، والحديث تجوز قراءة هؤلاء له باتفاق.
(ح) مس المصحف للمحدث حدثًا أصغر الجمهور على منعه، وفريق على جوازه، واتفقوا على جواز مس كتب الحديث للمحدث حدثًا أصغر.
الإطلاق الثالث: القرآن باعتباره كلامًا نفسيًا قائمًا بذاته "إطلاقه عند المتكلمين":
لقد ثار الخلاف حول النظر للقرآن من هذا الاعتبار، وهو اعتبار الكلام النفسي القائم بذاته قديمًا قدم الذات الأقدس، وذلك في محاولة جميع العلماء تحديد العلاقة بين القرآن بهذا الاعتبار "الكلام النفسي القائم بذاته"، وبين القرآن بالاعتبارين السابقين "اللفظ المنطوق والنقش المرقوم".
وقد كان للعلامة السعد التفتازاني في شرح مقاصده نص طويل، يوضح هذا الخلاف الواقع في هذه المسألة، يحسن ذكره بطوله، فقد قال: "وبالجملة لا خلاف لأرباب الملل والمذاهب في كون الباري تعالى متكلمًا، وإنما الخلاف في معنى كلامه وفي قدمه وحدوثه، فعند أهل الحق: كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف، بل صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى، منافية للسكوت والآفة كما في الخرس والطفولة، هو بها آمرٌ، ناهٍ، مخبرٌ وغير ذلك يدل عليها بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة، فإذا عبر عنها بالعربية فقرآن وبالسريانية فإنجيل، وبالعبرانية فتوراة، الأحرف في العبارات دون المسمى، كما إذا ذكر الله تعالى بألسنة متعددة ولغات مختلفة، وخالفنا في ذلك جميع الفرق، وزعموا أنه لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف المسموعة الدال على المعاني المقصودة، وأن الكلام النفسي غير معقول، ثم قالت الحنابلة والحشوية: إن تلك الأصوات والحروف مع تواليه وترتب بعضه على بعض ويكون الحرف الثاني من كل كلمة مسبوقًا بالحرف المتقدم عليه، كانت ثابتة في الأزل قائمة بذات الباري تعالى وتقدس، وأن المسموع من أصوات القراء والمرئي من أسطر الكتاب نفس كلام الله تعالى القديم وكفى شاهدًا على جهلهم ما نقل عن بعضهم: أن الجلدة والغلاف أزليان".
وعن بعضهم: أن الجسم الذي كتب به الفرقان فانتظم حروفًا ورقومًا هو بعينه كلام الله تعالى، وقد صار قديمًا بعدما كان حادثًا.
ولما رأت الكرامية أن بعض الشر أهون من بعض، وأن مخالفة الضرورة أشنع من مخالفة الدليل ذهبوا إلى أن المنتظم من الحروف المسموعة مع حدوثه قائم بذات الله تعالى وأنه قول الله تعالى لا كلامه، وإنما كلامه قدرته على التكلم وهو قديم، وقوله حادث لا محدث، وفرقوا بينهما بأن: كل ما له ابتداء إن كان قائمًا بالذات فهو حادث بالقدرة غير محدث، وإن كان مباينًا للذات فهو محدث بقوله: "كن" لا بالقدرة، والمعتزلة لما قطعوا بأنه المنتظم من الحروف، وأنه حادث، والحادث لا يقوم بذات الله تعالى، ذهبوا إلى أن معنى كونه متكلمًا أنه خلق الكلام في بعض الأجسام.
واحترز بعضهم من إطلاق لفظ المخلوق عليه لما فيه من إيهام الخلق والافتراء، وجوزه الجمهور.
ثم المختار عندهم - وهو مذهب أبي هاشم ومن تبعه من المتأخرين - أنه من جنس الأصوات والحروف، ولا يحتمل البقاء حتى أن ما خلق مرقومًا في اللوح المحفوظ أو كتب في المصحف لا يكون قرآنًا، وإنما القرآن ما قرأه القارئ وخلقه الباري من الأصوات المتقطعة والحروف المنتظمة، وذهب الجبائي إلى أنه من جنس غير الحروف، يسمع عند سماع الأصوات، ويوجد بنظم الحروف وبكتبها، ويبقى عند المكتوب والحفظ ويقوم باللوح المحفوظ وبكل مصحف وكل لسان، ومع هذا فهو واحد لا يزداد بازدياد المصاحف ولا ينتقص بنقصانه ولا يبطل ببطلانها.
والحاصل أنه انتظم من هذه المقدمات قياسان: ينتج أحدهما قدم كلام الله تعالى، وهو أنه من صفات الله وهي قديمة، والآخر حدوثه، وهو أنه من جنس الأصوات وهي حادثة، فاضطر القوم إلى القدح في أحد القياسين، ومنع بعض المقدمات ضرورة امتناع حقية النقيضين، فمنعت المعتزلة كونه من صفات الله، والكرامية كون كل صفة قديمة، والأشاعرة كونه من جنس الأصوات والحروف، والحشوية كون المنتظم من الحروف حادثًا، ولا عبرة بكلام الكرامية والحشوية، فبقي النزاع بيننا وبين المعتزلة وهو في التحقيق عائد إلى إثبات كلام النفس ونفيه، وأن القرآن هو هذا المؤلف من الحروف الذي هو كلام حيٌ، وإلا فلا نزاع لنا في حدوث الكلام الحسي، ولا لهم في قدم النفسي لو ثبت، وعلى البحث والمناظرة في ثبوت الكلام النفسي، وكونه هو القرآن ينبغي أن يحمل ما نقل من مناظرة أبي حنيفة وأبي يوسف ستة أشهر، ثم استقرار رأيهما على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر [انظر: المقاصد، ج٢ ص٥].
مراجع للاستزادة:
- الإتقان في علوم القرآن، للحافظ جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة عيسى الحلبي، الطبعة الأولى.
- البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين الزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط عيسى الحلبي، الطبعة الأولى.
- البيان في مباحث من علوم القرآن، للأستاذ الدكتور عبد الوهاب غزلان، ط دار التأليف، الطبعة الأولى.
- التلويح، لسعد الدين التفتازاني، على التوضيح لصدر الشريعة وحواشيه للفنري وملا خسروا وغيرهما.
- الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ط دار الكتاب، الطبعة الثانية.
- حاشية البناني على شرح الجلال المحلي لجمع الجوامع، لتاج الدين السبكي، ط مصطفي الحلبي، الطبعة الأولى.
- حاشية سعد الدين التفتازاني على شرح العضد لمختصر ابن الحاجب، نشر مكتبة الكليات الأزهرية.
- حاشية الخضري على ابن عقيل، ط الحلبي، الطبعة الأولى.
- حاشية الشيخ محمد عبده على شرح الجلال الدواني للعقائد العضدية، ط الخيرية.
- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لمحمود بن عمر الآلوسي، ط المنيرية.
- شرح المقاصد للتفتازاني.
- شرح المواقف وحاشيته، ط اسطنبول، الطبعة الأولى.
- مباحث في علوم القرآن، للدكتور صبحي الصالح، ط دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى.
- مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) للإمام الرازي، ط المنيرية.
- مفردات القرآن، للراغب الأصفهاني، ط مصطفي الحلبي، الطبعة الأولى.
- مناهل العرفان في علوم القرآن، للدكتور محمد عبد العظيم الزرقائي، ط عيسى الحلبي، الطبعة الثانية.
- النبأ العظيم، للدكتور محمد عبد الله دراز، نشر مكتبة عمار. وغير ذلك.
القرآن الكريم هو كتاب الله الخاتم، وقد اختلف العلماء في أسمائه، إلا أن المحققين يرون أن له خمسة أسماء رئيسة: القرآن (الأشهر، ويعني القراءة والجمع وهو اسم علم مشتق ومهموز)، والفرقان (لما يفرقه بين الحق والباطل)، والكتاب (لما جمع من آيات وسور)، والتنزيل (لكونه نزل من عند الله)، والذكر (لما فيه من تذكير ومواعظ وشرف)، وهذه الأسماء تعكس جوانب متعددة لهذا الكتاب العظيم، سواء كلفظ منطوق، أو نقش مرقوم، أو كلام قائم بذات الله.
الأحرف السبعة في القرآن الكريم موضوع مثير للجدل والنقاش بين العلماء، حيث يتنوع تفسيرها وتأويلها
القراءات القرآنية علم يُعنى بكيفية نطق ألفاظ القرآن الكريم كما نقلها الأئمة المتقنون عن النبي صلى الله عليه وسلم
يتناول هذا المقال قضية عروبة لغة القرآن الكريم، ويبحث في مدى تأثير وجود ألفاظ معرَّبة أو أعجمية على فصاحته