الغرابة في اللغة العربية مفهوم دقيق يميز بين الكلمات غير المألوفة والمألوفة، وله دور مهم في فهم النصوص الشرعية، خاصة القرآن الكريم؛ حيث تتفاوت ألفاظه بين الغريب الحسن والقبيح.
الغرابة في اللغة العربية مفهوم دقيق يميز بين الكلمات غير المألوفة والمألوفة، وله دور مهم في فهم النصوص الشرعية، خاصة القرآن الكريم؛ حيث تتفاوت ألفاظه بين الغريب الحسن والقبيح.
عَرّف السعد التفتازاني في شرحه (لتلخيص المفتاح) الغرابة بأنها: (كون الكلمة وحشية، غير ظاهرة المعنى، ولا مأنوسة الاستعمال)، ثم قال: (لا يُقال الغرابة - كما يُفهم من كتبهم -: الكلمة غير مشهورة الاستعمال، وهما في مقابلة المعتادة، وهي بحسب قوم دون قوم.
والوحشية هي المشتملة على تركيب يَنفر الطبع منه، وهي في مقابلة العذبة، فالغريب يجوز أن يكون عذبًا، فلا يَحسُن تفسيره بالوحشية، بل الوحشية قيد زائد لفصاحة المفرد، وإن أُريد بالوحشية غير ما ذكرنا، فلا نُسلِّم أن الغرابة بذلك المعنى تُخلّ بالفصاحة؛ لأنا نقول هذا -أيضًا- اصطلاح مذكور في كتبهم؛ حيث قالوا: الوحشي منسوب إلى الوحش الذي يسكن القفار، استُعيرت للألفاظ التي لم تُؤنس استعمالها.
والوحشي قسمان: غريب حسن، وغريب قبيح.
فالغريب الحسن هو الذي لا يُعاب استعماله على العرب؛ لأنه لم يكن وحشيًا عندهم، وذلك مثل: شِرْنَبث، واشْمَخَرَّ، واقْمَطَرَّ.
وهي في النظم أحسن منها في النثر، ومنه غريب القرآن والحديث.
والغريب القبيح يُعاب استعماله مطلقًا، ويُسمى الوحشي الغليظ، وهو أن يكون مع كونه غريب الاستعمال، ثقيلًا على السمع، كريهًا على الذوق، ويُسمى المُتوعِّر [ص ١٨] وقوله مثل: شِرْنَبث، واشْمَخَرَّ، واقْمَطَرَّ، قال عبد الحكيم السيالكوتي في حاشيته على المطول: أي غليظ الكفين والرجلين، ويراد به الأسد، والنون فيه زائدة بدليل شَرابث واشمخر ارتفع واقمطر تفرق واشتد أو وفر واجتمع ص ٣٠] _أيضًا_ اهـ.
وقال عبد الحكيم السيالكوتي -رحمه الله- تعقيبًا على قول السعد: (فالغريب الحسن هو الذي لا يُعاب استعماله على العرب. اعلم أن الألفاظ على ثلاثة أقسام:
منها ما هي مُستعملة مطلقًا؛ كالأرض والسماء، فلا يُعاب استعمالها على أحد.
ومنها ما هي مُستعملة في العرب العرباء، غير مُستعملة في غيرهم، فلا يُعاب استعمالها عليهم، ويُعاب على غيرهم، ومنه غريب القرآن والحديث.
ومنها ما هي غير مُستعملة مطلقًا، فيُعاب استعمالها على الكل، فمنه ما هو كريه على الذوق والسمع كجِحِّيْش [هو كالفريد وزنًا ومعنى وهو المتنحي عن الناس، قال أبو حنيفة بن النعمان اللغوي: الجحِّيش: الفريد الذي لا يزاحمه في داره مزاحم يقال: نزل جحِّيشًا، كما يقال: نزل حريدًا فريدًا. انظر: اللسان في هذه المادة].
ومنه ما هو غير مكروه كتكأكأتم وافرنقعوا [ تكأكأتم أي اجتمعتم (وافرنقعوا) أي تفرقوا أو انصرفوا كما في شرح السعد نفسه]، وإليه أشار الشارح -رحمه الله- بقوله -فيما سيأتي في وجه النظر-: من أن الجِرشَّي [ الجِرشي هي بكسر الجيم والراء وفتح الشين مع تشديدها بعدها ألف (النفس) كما أفاده السعد نفسه انظر المطول ص ١٩: وانظر: القاموس واللسان في هذه المادة] إما من قبيل تكأكأتم أو جحِّيش، فعُلِم مما ذكرنا أن قوله: (والوحشي قسمان) ليس المقصود منه الحصر، بل مجرد إطلاق الغريب على الوحشي.
ثم ذكر أن عدم الغرابة المعتبرة (هي عند العرب العاربة لا عند غيرهم، فلا تُعتبر الغرابة عند غيرهم وجودًا ولا عدمًا [ انظر: المصدر نفسه].
إذن الغريب قسمان:
١- قبيح: غير مأنوس الاستعمال لدى جمهور العرب العاربة، وهو عيب يُخلّ بالفصاحة، ولذا لا يشتمل القرآن على شيء منه؛ لأنه إن وُجد جَرّ لنسبة الجهل أو العجز له سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، كما يقول السعد في شرحه (لمختصر التلخيص): قلت: (أو السفه والعبث؛ لأنه -سبحانه وتعالى- إن لم يعلم بعدم فصاحة الكلمة لزم نسبة الجهل إليه، وإن علم فلم يستطع وضع الفصيح لزم العجز، أو استطاع ولم يضع لزم العبث بتعريض القرآن لما يُسقط حجِّيّته، ونبيه لما يُذهب نبوته؛ ولذا لا شيء منه في كلام الله -سبحانه وتعالى- ولا كلام نبيه -صلى الله عليه وسلم-). [انظر: شروح التلخيص (ص٨٢) من أعلى].
٢- حسن: مأنوس لدى جمهور العرب الخُلَّص، وإن غَمض على من سواهم بقدر ما يَجهلون من مدلول اللغة. أما العرب فلا يُتصور في حقهم الجهل بهذا القسم، وإلا صار كالأول وللزمت منه مفسدة فوق ما ذكرنا، وهي التناقض بأن نجعله عند العرب حسنًا مأنوس الاستعمال، ونجعله كذلك عندهم قبيحًا مهجور الاستعمال، وكذلك يستلزم اختلال القسمة؛ لأن المقسوم ليس أعم من أقسامه، بل القسم الواحد هو عين مقسومه وهو عين القسم الآخر، فالغريب ليس أعم من القبيح بل هو عين القبيح، والقبيح هو عين الحسن فليس هناك قسمة.
والذي دفعنا لهذا التفصيل هو غفلة بعض أصحاب الرواية عنه، وهم الذين يشترطون لصحة الحديث خلوه من الشذوذ والعلة، ومع ذلك ينقلون عن جماهير الصحابة أنهم كانوا -وهم العرب الخُلّص- يَجهلون مدلول اللغة، وهذا يستلزم جميع المعاني السابق ذكرها، ودفعهم إلى ذلك حرفيتهم في اتباع صحة السند مما رواه أبو عبيد القاسم وابن سعد عن أبي بكر الصديق وعمر -رضي الله عنهما- في عدم معرفة (الأبّ) في قوله تعالى: {وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا} [عبس: ٣١]، وإن كان ابن كثير أعلّ الأثر المروي عن أبي بكر بالانقطاع؛ لعدم إدراك إبراهيم التيمي -الراوي عن أبي بكر- أبي بكر الصديق، ولكنه لعله رفعه لدرجة الحسن بالأثرين الشاهدين له عن عمر -رضي الله عنهما-، وتكلَّف ابن كثير في تأويل الأثر بأن عمر -رضي الله عنه- أراد استكشاف علم كيفية الأبّ، وإلا فكونه نبتًا في الأرض معلوم لقوله تعالى: {أَنۢبَتۡنَا فِيهَا حَبّٗا} [عبس: ٢٧]، وكان يكفي الحافظ إعلال متن الأثر بما سبق أن ذكرنا من علة مُتمثّلة في المفاسد السابقة.
قدمنا بأن جهل العرب الخُلّص بمدلول القسم الحسن من الغريب غير مقصود؛ لذا فهناك أسباب أخرى غير الجهل منها:
أ. تَعنُّت مشركي قريش وتجاهلهم في فهم الواضحات: تلبيسًا على القرآن والنبي -صلى الله عليه وسلم- كسؤالهم عن الرحمن فيما أورده القرآن في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ للرحمن قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا} [سورة الفرقان آية: ٦٠]، وقد بيَّن أبو حيان في (تفسيره) أنهم استفهموا عن (الرحمن) وهم عالمون به [البحر المحيط (ج٦ ص ٥٠٩)]. وذلك كما صنع فرعون؛ حيث جحد الحقيقة عندما سأل عن رب العالمين وهو يعلم حقيقة الأمر وحقيقة الإطلاق والاستعمال.
وما استظهره أبو حيان هو عين ما استظهره الآلوسي، وهو الحق الذي لا ريب فيه.
فهم يعلمون من الاشتقاق أن هذا الاسم مشتق من صفة الرحمة؛ للدلالة على المبالغة فيها.
ب. استهداف المشركين إظهار القرآن في مظهر السابِق المُتهافِت والعابِث اللاهي: ويظهر هذا بوضوح عند تشبيههم على شجرة الزقوم وهم يقولون: النار تأكل الشجر فكيف تُنبت فيه شجرة؟
وقال آخر: ما الزقوم إلا التمر بالزبد، وأنا أتزقمه. فرد عليه القرآن بقوله تعالى: {أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ * طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ * فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ * ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ } [سورة الصافات الآيات: ٦٢-٦٨].
وقد ذكر البغوي في تفسير هذه الآيات أن ابن الزِّبَعْرَي قال لصناديد قريش: إن محمدًا يُخوّفنا بالزقوم، فجمعهم أبو جهل في بيته وقال لجارية: زقمينا، فأتتهم بالزبد والتمر، فقال: تزقَّموا فهذا ما يوعدكم به محمد، فقال تعالى: {إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ} [المسمى بمعالم التنزيل، بهامش تفسير الخازن المسمى بـ (لباب التأويل في معاني التنزيل) (ج٦ ص ٢٣) وما بعدها].
وغير ذلك من النماذج من هذا النمط الخبيث، من نحو سخريتهم من عدد التسعة عشر لخزنة النار، على ما جاء في سورة المدثر، وحمل اليهود استقراض الله خلقه على حقيقته لا على مجازه أو الاستعارة التمثيلية حتى قالوا: {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ}، واستشكال نصارى نجران من أخوة مريم لهارون، وهي أخت موسى -عليهما السلام-، فكان القرآن يرد بحسم على تشبيهاتهم وسفههم. وكذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما رد على نصارى نجران بأنهم كانوا يُسمَّون بأنبيائهم وصالحيهم [أخرجه مسلم (كتاب الآداب - باب النهي عن التكنّي بأبي القاسم...)، والترمذي (كتاب التفسير. باب من سورة مريم) وقال: (حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس)].
جـ. الفهم الخاطئ عن حسن قصد لبعض نصوص التنزيل: بسبب النقص في أدوات الاجتهاد الأخرى، مما يدفع للتسرع والعجل، وقد وقعت نماذج من ذلك من الصحابة -رضي الله عنهم-، وكأنه -سبحانه- أراد أن يُنبّه على وجود التزام أقصى غايات الاحتياط وبذل الجهد في فهم الكتاب العزيز؛ لأن الصحابة الذين شهدوا منازل الوحي يقع منهم مثل هذا، فعلى الجميع أن يتحروا التقوى وبذل أقصى الجهد في فهم الكتاب، وسنعرض نموذجين فقط من هذه النماذج وهما:
١- النموذج الأول: ما وقع في فهم بعض الصحابة لقوله تعالى: {وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ}، فالمجاز لمشهور الذي يكاد يُلحق بالحقيقة، أن المقصود بالخيط الأبيض بياض النهار، والخيط الأسود سواد الليل، ثم نزل البيان المانع من حمل معنى الخيطين على الحقيقة، وهو قوله -تعالى-: {مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ}، ولكن بعض الصحابة حملوا المعنى على الحقيقة فجاء بخيطين: أبيض وأسود، وربطهما في قدميه، وظل يأكل حتى يتبين كل واحد من الآخر، حتى نزل البيان بقوله: {مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ}، هكذا في رواية البخاري [ صحيح البخاري (كتاب التفسير- سورة البقرة باب {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}. إلخ)]. التي نقلها الحافظ ابن كثير في تفسيره.
ثم ذكر روايات أخرى فقال: «وقال الإمام أحمد: حدثنا هشام، أخبرنا حصين عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم، قال: لما نزلت هذه الآية: {وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ}، عَمَدتُ إلى عِقَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَسْوَدُ، والآخَرُ أَبْيَضُ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لِي الأَبْيَضُ مِنَ الأَسْوَدِ أَمْسَكْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ فَقَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا ذَلِكَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ». أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن عدي [انظر نفس المصدر السابق، وصحيح مسلم كتاب الصيام باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر... إلخ.].
ويعني قوله: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ» أي: إن كان ليسع الخيطين الأسود والأبيض المراد بهذه الآية تحته، فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب.
وهكذا وقع في رواية البخاري مفسرًا بهذا: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادَتِي... قَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ، إِنْ كَانَ الخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ». وَجَاءَ فِي بَعْضِ الأَلْفَاظِ: «إِنَّكَ لَعَرِيضُ القَفَا» [نفس الموضع من الجامع الصحيح]، ففسره بعضهم بالبلادة. وهو ضعيف، بل إذا صح فإنه يرجع إلى هذا؛ لأنه إذا كان وساده عريضًا فقفاه -أيضًا- عريض. والله أعلم.
ويفسره رواية البخاري أيضًا: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ أَهُمَا الْخَيْطَانِ؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا، إِنْ أَبْصَرْتَ الْخَيْطَيْنِ»، ثُمَّ قَالَ: «لَا بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» [نفس الموضع]. انتهى المقصود منه [ تفسير ابن كثير ج١ ص ٢٢١].
٢- النموذج الثاني: ما وقع من بعض الصحابة في فهم قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ* فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا} [سورة الانشقاق الآيات: ٧-٩]. فقد فهمت عائشة -رضي الله عنها- أن المنة والنعمة من الله في تخفيف الحساب، فوقع عندها تعارض بين معنى الآية وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ». فبيَّن لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجه الصواب. والقصة كما أخرجها البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود من حديث ابن أبي مليكة قال: إن عائشة كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ». فقالت: أليس يقول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ * فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا} فقال: «إنّما ذَلك العرض، ولَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَومَ القِيَامَةِ إلَّا هَلَكَ» وفي رواية: «وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ». وفي أخرى قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إلَّا هَلَكَ». قلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، جعلني الله فداك، أليس الله تعالى يقول: {َأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ* فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا} قال: «ذَلِكَ الْعَرْضُ تُعْرَضُونَ وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ» [رواه البخاري (١١/٧٦) في كتاب العلم - باب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه...)، ومسلم في (الرقاق - باب من نوقش الحساب عُذّب) (رقم ٢٨٧٦)، وأبو داود (رقم ٣٠٩٣) في الجنائز (باب عيادة النساء)، والترمذي (رقم ٢٤٢٨)، في (صفة القيامة - باب من نوقش الحساب عُذّب) انظر جامع الأصول (ج١ ص ٣٤٢) وما بعدها] إلى غير ذلك من نماذج هذا اللون الواقعة في عهده -صلى الله عليه وسلم- وهي أفراد قليلة على أية حال.
د. أن يقع عام يراد به الخصوص: أو يخصص بما يقع به البيان من كتاب أو سنة فلا يُعلم المراد إلا بذلك البيان.
هـ. أن يقع مطلق فيقع تقييده من بيان القرآن أو السنة: فيحتاجون لمعرفة البيان.
و. أن يقع مُجمل يُبيّنه الكتاب أو السنة: كذلك فيتوقف فهم المراد على هذا البيان.
ز. أن يأتي مُبهم من مبهمات القرآن وقع بيانها في الكتاب أو السنة: كتفسير لفظ: (خليفة) في قوله تعالى: {وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ} فجاء البيان في القرآن بأنه (آدم) -عليه السلام- وكذلك (العبد الصالح) في آية الكهف: {فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا} فجاء البيان في السنة في حديث البخاري الطويل بأنه الخضر -عليه السلام.
ح. تبادر أن للمنطوق مفهومًا ثم يُبيّن صاحب الشريعة أنه لا مفهوم له: كما في حديث آية قصر الصلاة في السفر، {فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ} فإن قيد {إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ} لا مفهوم له، بيّن لهم ذلك المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» [الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن] وذلك جواب على استفسار بعض الصحابة الذين أشكل عليهم فهم الآية؛ لأن القيد هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن غالب أسفارهم كانت مخوفة. وكذلك خرج القيد مخرج الغالب في قوله تعالى: {وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا}. وقوله تعالى: {وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ}.
ط. أن تُراد الحقيقة الشرعية (عند القائلين بوقوعها) وهي دون الحقيقة اللغوية: فيحتاجون للبيان من الشارع.
فهذه تسعة أسباب لوقوع هذا القسم من الغريب للعرب الخُلّص من الصحابة، ثم امتنعت خطوات الحديث عن الغريب بعد عصر النبوة، وفي عصر الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم، وكلما طال الزمان على الناس، احتاجوا إلى البيان وإلى المزيد منه، ثم اتسعت الدولة الإسلامية وظهر المولّدون وذهب العرب الخُلّص، فصار الاحتياج إلى ما كان ظاهرًا بيِّنًا، حتى سرى إلى كثير من العامة وإلى بعض الخاصة، فصُنّفت كتب النحو والصرف والبلاغة والمعاجم وفقه اللغة، وأفردت المصنفات في غريب القرآن، وبيان أن اللفظ لا تتوقف معرفته على معرفة حقيقته؛ لأن حمله على الحقيقة اللغوية قد يسبب مفاسد عظيمة في فهم النص الشرعي، وأوضح من دلل على فائدة معرفة معاني مفردات غريب القرآن الراغب الأصفهاني في مقدمة كتابه (المفردات)، فقد بيّن أن أول درجات الوصول لمعاني القرآن فهم مفرداته، بل هي أول درجات إتقان العلوم المختلفة؛ لأن ألفاظ القرآن هي لُبّ كلام العرب، وذكر أنه في كتابه سيبيّن الألفاظ القرآنية ويبيّن مناسبتها لسياقها والاشتقاقات وكذلك الألفاظ المستعارات منها [مقدمة المفردات: (ص. د. ه)].
وقال السيوطي في (الإتقان): (أفرده (يعني بيان الغريب) بالتصنيف خلائق لا يُحصون منهم: أبو عبيدة، وأبو عمر الزاهد، وابن دريد، ومن أشهرها (كتاب العزيزي)؛ فقد أقام في تأليفه خمس عشرة سنة يحرره هو وشيخه أبو بكر بن الأنباري، ومن أحسنها (المفردات) للراغب، ولأبي حيان في ذلك تأليف مختصر في كراسين.
قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير: (قال أهل المعاني)، فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن، كالزجاج والفراء، والأخفش، وابن الأنباري). انتهى.
وينبغي الاعتناء به، فقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ، وَالْتَمِسُوا غَرَائِبَهُ»، وأخرج من حديث ابن عمر مرفوعًا: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عِشْرُونَ حَسَنَةً، وَمَنْ قَرَأَهُ بِغَيْرِ إِعْرَابٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
والمراد بإعرابه: معرفة معاني ألفاظه، وليس المراد به الإعراب المصطلح عليه عند النحاة، وهو ما يقابل اللحن؛ لأن القراءة مع فقده ليست قراءة، ولا ثواب فيه. وعلى الخائض في ذلك التثبت، والرجوع إلى كتب أهل الفن وعدم الخوض بالظن [الإتقان في علوم القرآن: (ج٢ ص ٣)]. اهـ. وقد قام مجمع اللغة العربية بمصر بتصنيف مصنف نفيس في هذا الباب باسم (معجم ألفاظ القرآن الكريم) استفاد واضعوه من جميع كتب التفسير.
الغرابة تنقسم إلى قسمين: غريب حسن مألوف لدى العرب الخُلّص، وغريب قبيح مهجور يخلّ بالفصاحة، ولا يوجد من النوع القبيح في القرآن الكريم حفاظًا على كماله.
وأسباب ظهور الغريب الحسن متعددة منها: تعنت المشركين، وفهم الصحابة المحدود لبعض النصوص. وإن معرفة الغريب ضرورية لفهم القرآن بدقة، وقد بذل العلماء جهودًا كبيرة في التصنيف فيه، وقاموا ببيانه لضمان صحة التفسير والقراءة.
المنطوق والمفهوم من المفاهيم اللغوية والأصولية التي تشكل أساس فهم النصوص الشرعية
العموم في اللغة العربية يشير إلى الشمول أو التناول، وهناك صيغ تدل عليه في القرآن مثل (كل) و(جميع)
المجمل هو ما لم تتضح دلالته في النص القرآني، وله أسباب متعددة، والبيان هو إخراج المعنى من الإشكال إلى الوضوح