تُثير مفاهيم دار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب جدلًا فقهيًّا قديمًا يتجدد في سياقات معاصرة، خاصة مع تصاعد التيارات المتطرفة، وبينما حرّفت جماعات كداعش هذه التصنيفات لتبرير العنف، يُبرز الفقه الإسلامي الرصين علاقتها بالأحكام الشرعية والهجرة والتعايش.
تُثير مفاهيم دار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب جدلًا فقهيًّا قديمًا يتجدد في سياقات معاصرة، خاصة مع تصاعد التيارات المتطرفة، وبينما حرّفت جماعات كداعش هذه التصنيفات لتبرير العنف، يُبرز الفقه الإسلامي الرصين علاقتها بالأحكام الشرعية والهجرة والتعايش.
قام الفقيه المسلم بتقسيم العالم إلى قسمين: ديار إسلام، وديار كفر، والباعث الذي كان حاضرا في ذهنه، وحمله على هذا التقسيم، هو البحث في نطاق سريان الأحكام الشرعية، بصورتها المستقرة، وأين هو ذلك النطاق الذي يتوقف عنده سريان الأحكام بصورتها الكاملة المستقرة المعهودة، ليبدأ نطاق مكاني آخر، تسري فيه الأحكام الفقهية الاستثنائية.
ويرجع ذلك إلى أن الإنسان المسلم حتمًا سوف ينتقل ويسافر ويحتك ويتفاعل مع العالم حوله، على اختلاف فلسفاته واعتقاداته، فإن كان ارتحاله وإقامته في وسط مسلم تسري فيه الأحكام الشرعية في العبادات والعقود والمعاملات، فلا إشكال.
ومثال ذلك ابن بطوطة، فإنه ارتحل من طنجة، في أقصى الديار المغربية، إلى الصين، فكان يقوم بنشاطه البشري على اختلاف صوره في وسط مسلم، تسري فيه الأحكام بأريحية، ولا يحتاج إلى التفكير في الانتقال من الحكم المستقر إلى حكم استثنائي.
وفي المقابل فإن الإنسان المسلم سيتحرك حتمًا في آفاق العالم، وسوف ينتقل حتمًا إلى ديار وبلاد لغير المسلمين، فيحل ويرتحل، ويقيم ويتفاعل، ويبيع ويشتري، ويتزوج ويتوارث، وتنشأ حوله شبكة علاقات التفاعل الاجتماعية، صورها وأشكالها، فتنشأ أسئلة كثيرة حول كيفية قيامه بالأحكام الشرعية، في وسط غير مسلم، في نظمه وأعرافه وقوانينه وثقافته؟
فكان لا بد من قيام الفقيه المسلم بالتأمل في ذلك النطاق الفارق بين دار الكفر ودار الإسلام، بغرض تقديم الأجوبة التفصيلية النابعة من الوحي الشريف، والتي تسعف المكلف والإنسان المسلم في احتكاكه وتفاعله مع العالم من حوله.
فلا بد من وجود مناطق وبلدان وأمم وشعوب في العالم على غير الإسلام، ويعيش بينهم إنسان مسلم، ويمارس فيها حياته الطبيعية، ويقوم بالعقود، والبيوع والحياة والحركة والبحث العلمي والتعليم، فله حينئذ وضعية خاصة في معيشته، تقتضي أحكامًا خاصة، ستختلف حتمًا عن تلك الأحكام المستقرة السارية في ديار أهل الإسلام.
ولهذا نشأ الخلاف بين الفقهاء في تحديد المقومات والمحددات التي نستطيع بها التفرقة بين الدارين، للتفتيش عن الآثار المترتبة على مسار حياة الإنسان، وإسعافه بأجوبة الأسئلة الملحة التي ستشغل باله أثناء سفره وترحاله، ولم تكن لمجرد الترف بالفكرة في ذاتها.
وكان التعبير بدار الكفر ودار الإسلام هو التعبير المستقر حينئذ، ولم يكن قد اكتسب ذلك المدلول الصدامي الذي تداولته التيارات المتطرفة، والذي خلع على هذا التعبير ظلالا سلبية في الثقافة المعاصرة.
وكان الفقيه المسلم يدرك أن تقسيمه للعالم إلى دار إسلام ودار كفر غرضه فقط هو استكشاف الفوارق بين الأحكام الفقهية المستقرة والأحكام الاستثنائية، وليس غرضه هو البحث في طبيعة العلاقة البينية بين الدارَيْنِ أو العالَمَيْن، لأن علاقة المسلمين بغير المسلمين علاقة تفاعلية واسعة، تعتمد على المدخل الفقهي، والمدخل القيمي الأخلاقي، ومدخل السنن الإلهية المتعلقة بالاجتماع البشري، ومدخل الهداية، مما يجعل العلاقة البينية بين المسلمين وغيرهم واسعة، والأصل فيها هو الهداية والدعوة والأخلاق، وما سوى ذلك فهو أحوال عارضة وطارئة، تطرأ وتزول، ويبقى الأصل الذي هو الهداية والأخلاق.
قال الإمام الجليل تقي الدين السبكي في (الفتاوى): فقد قال صلى الله عليه وسلم: «فواللهِ لَأنْ يهديَ اللهُ بكَ رجُلًا واحدًا خيرٌ لكَ مِن أنْ يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ»، وعدم اختلاطهم بالمسلمين يبعدهم عن معرفة محاسن الإسلام، ألا ترى من الهجرة إلى زمن الحديبية لم يدخل في الإسلام إلا قليل، ومن الحديبية إلى الفتح دخل فيه نحو عشرة آلاف، لاختلاطهم بهم للهدنة التي حصلت بينهم، فهذا هو السبب في مشروعية عقد الذمة) فتاوى السبكي ٢/ ٤٠٤، ط: دار الفكر، بيروت.
وهذه الفكرة تشبه بالضبط تقسيم الكرة الأرضية إلى مناطق، يتفاوت فيها التقسيم الزماني، بغرض معرفة الأحكام الفقهية المستقرة، والأحكام الاستثنائية.
ومعنى هذا وجود منطقة في العالم تستقر فيها علامات الأحكام الشرعية وهي الأسباب، مثل انتظام طلوع الشمس وغروبها؛ لنعلم مواقيت الصلوات، وانتظام ظهور الهلال؛ لنعلم دخول رمضان وعدمه، وانتظام أوقات الشروق والغروب؛ لنعلم موعد إفطار الصائم.
فنجد أنه من خط عرض صفر إلى خط عرض ٤٢ تكون هذه العلامات الكونية مستقرة، ومن خط عرض ٤٢ إلى ٦٢ تكون علامات المواقيت وأسبابها مختلة، فتجد الليل فيها أربع أو خمس ساعات، والنهار هو ما تبقى من ساعات اليوم، كما أنه يطول ويقصر، فكيف يكون الصوم والإفطار للإنسان المسلم المقيم في هذه المنطقة؟ لابد من حكم فقهي يخصه، لأن هذا الشرع الشريف جاء متسعًا وملبيًا لاحتياجات الإنسان على اختلاف مناطق تواجده وسكناه على امتداد رقعة الكرة الأرضية.
كما نجد أنه من خط عرض ٦٢ درجة إلى القطب هي منطقة انعدام العلامة الشرعية، كما في الدول الإسكندنافية، كالسويد والنرويج، فضلًا عن سكان القطب، فإن ساكنها يري الشمس أمامه ٦ شهور معلقة في السماء ولا تغيب، إذن كيف يصلى الفجر؟ وكيف يُمسك ويُفطر في الصيام؟ فأصبحت هذه تُسمى منطقة انعدام العلامات الشرعية والشخص الذي تنعدم عنده العلامة الشرعية ماذا يفعل؟
فهذه هي الفلسفة والنظرية الكلية التي تجعل الفقيه يقسم العالم إلى منطقة تستقر فيها العلامات، ومنطقة تختل فيها العلامات، ومنطقة تنعدم فيها العلامة، وغرض الفقيه هو إسعاف الإنسان هناك حتى يستطيع العيش بالدين في هذه المنطقة.
نفس الوضع في النطاق المكاني الذي نستطيع أن نقول فيه إن هناك منطقة في العالم يسري فيها الإسلام بحيث تجرى عندهم الأحكام الشرعية، وتوجد منطقة أخرى لغير أهل الإسلام ويعيش فيها مسلمون يحتاجون إلى تقنين خاص، لسريان الأحكام الشرعية فيما بينهم وبين بعضهم، فبدأ السادة الأحناف مثلًا يفكرون في جواز التعامل بالعقود الفاسدة في ديار الكفر وفى جواز التوارث بينهم من عدمه.
وبالسؤال عن الفلسفة التي كانت داخل عقل الإمام أبي حنيفة، وأئمة مذهبه من بعده كالإمام السرخسي صاحب كتاب: (المبسوط)، والإمام الكاساني صاحب كتاب (بدائع الصنائع)، بالإضافة إلى الإمام الشافعي وأعيان مذهبه، وغيرهم من الفقهاء، نجد أنها هي بيان المساحة أو رسم الخريطة التي تستقر فيها الأحكام، ومعرفة النطاق الذي تختل فيه الأحكام، لنفكر في أنه كيف يستطيع الإنسان أن يعيش فيها وتسري الحياة باستصحاب أحكام الشريعة.
فالفلسفة الكبرى، التي أوجدت وحركت فكرة دار الإسلام ودار الكفر هي فلسفة الحياة، وليست فلسفة الموت والقتل والعداوة والصدام.
وتعالوا الآن لنرى كيف انحرفت التيارات المتطرفة في الثمانين عامًا الماضية، فأخرجت قضية دار الكفر ودار الإسلام عن نطاقها، وانتزعتها عن سياقها، وانحرفت بها عن فلسفة الحياة إلى فلسفة الموت والدمار والدماء، حتى تحولت هذه الفكرة إلى باب شقاء على المسلمين والبشرية، وجعلت الناس تسيء الظن بعقل الفقيه المسلم، بل وتسيء الظن بالإسلام نفسه.
لقد تحولت قضية دار الكفر ودار الإسلام عند سيد قطب ومن تأثر به، كصالح سرية في كتابه: (رسالة الإيمان)، وشكري مصطفى، ومحمد عبد السلام فرج في كتابه: (الفريضة الغائبة)، انتهاء بتنظيم داعش، إلى مفهوم مختل، وفلسفة مختلفة، قال في: (ظلال القرآن): "ينقسم العالم في نظر الإسلام وفي اعتبار المسلم إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما:
الأول، دار الإسلام: وتشمل كل بلد تطبق فيه أحكام الإسلام، وتحكمه شريعة الإسلام، سواء كان أهله كلهم مسلمين، أو كان أهله مسلمين وذميين، أو كان أهله كلهم ذميين ولكن حكامه مسلمون يطبقون فيه أحكام الإسلام، ويحكمونه بشريعة الإسلام أو كانوا مسلمين، أو مسلمين وذميين ولكن غلب على بلادهم حربيون، غير أن أهل البلد يطبقون أحكام الإسلام ويقضون بينهم حسب شريعة الإسلام، فالمدار كله في اعتبار بلد ما دار إسلام هو تطبيقه لأحكام الإسلام وحكمه بشريعة الإسلام.
الثاني، دار الحرب: وتشمل كل بلد لا تطبق فيه أحكام الإسلام، ولا يحكم بشريعة الإسلام، كائنًا أهله ما كانوا، سواء قالوا: إنهم مسلمون، أو إنهم أهل كتاب، أو إنهم كفار، فالمدار كله في اعتبار بلد ما دار حرب هو عدم تطبيقه لأحكام الإسلام وعدم حكمه بشريعة الإسلام، وهو يعتبر دار حرب بالقياس للمسلم وللجماعة المسلمة.
والمجتمع المسلم هو المجتمع الذي يقوم في دار الإسلام بتعريفها ذاك، وهذا المجتمع القائم على منهج الله المحكوم بشريعته هو الذي يستحق أن تصان فيه الدماء، وتصان فيه الأموال ويصان فيه النظام العام وأن توقع على المخلين بأمنه، المعتدين على الأرواح والأموال فيه العقوبات التي تنص عليها الشريعة الإسلامية، في هذا الدرس وفي سواه، ذلك أنه مجتمع رفيع فاضل، ومجتمع متحرر عادل، ومجتمع مكفولة فيه ضمانات العمل وضمانات الكفاية لكل قادر ولكل عاجز، ومجتمع تتوافر فيه الحوافز على الخير، وتقل فيه الحوافز على الشر من جميع الوجوه، فمن حقه إذن على كل من يعيش فيه أن يرعى هذه النعمة التي يسبغها عليه النظام وأن يرعى حقوق الآخرين كلها من أرواح وأموال وأعراض وأخلاق، وأن يحافظ على سلامة دار الإسلام التي يعيش فيها آمنًا سالمًا غانمًا مكفول الحقوق جميعًا، معترفًا له بكل خصائصه الإنسانية، وبكل حقوقه الاجتماعية - بل مكلفًا بحماية هذه الخصائص والحقوق - فمن خرج بعد ذلك كله على نظام هذه الدار - دار الإسلام - فهو معتد أثيم شرير يستحق أن يؤخذ على يده بأشد العقوبات مع توفير كل الضمانات له في أن لا يؤخذ بالظن، وأن تدرأ عنه الحدود بالشبهات.
فأما دار الحرب بتعريفها ذاك، فليس من حقها ولا من حق أهلها أن يتمتعوا بما توفره عقوبات الشريعة الإسلامية من ضمانات، لأنها ابتداء لا تطبق شريعة الإسلام، ولا تعترف بحاكمية الإسلام، وهي - بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في دار الإسلام ويطبقون على حياتهم شريعة الإسلام - ليست حمى، فأرواحها وأموالها مباحة لا حرمة لها عند الإسلام - إلا بعهد من المسلمين حين تقوم بينها وبين دار الإسلام المعاهدات - كذلك توفر الشريعة هذه الضمانات كلها للأفراد الحربيين - القادمين من دار الحرب - إذا دخلوا دار الإسلام بعهد أمان مدة هذا العهد، وفي حدود دار الإسلام التي تدخل في سلطان الحاكم المسلم، والحاكم المسلم هو الذي يطبق شريعة الإسلام". [في ظلال القرآن ٢/ ٨٧٣].
وهذا الكلام في غاية الخطورة، وتنبع منه كل تطبيقات التنظيمات التكفيرية المتطرفة، التي صارت شوكة في ظهر المسلمين، وأراقت دمائهم، وانكفأت على أهل الإسلام فقط، تكفرهم وتقتلهم، وكل تطبيقات تنظيم داعش وتنظيم القاعدة وغيرها من التنظيمات تنبع من هذا النص وأشباهه.
حيث يذهب سيد قطب أن العالم من حولنا دار إسلام ودار كفر ولا ثالث لهما، فلا مجال عنده لوجود مدخل آخر يتفاعل به أهل الإسلام مع غيرهم، ثم إن دار الكفر عنده هي عموم دول المسلمين بعد أن اعتدى عليهم بالتكفير، وجعلهم أهل جاهلية، تلك الجاهلية التي تعني عنده الكفر والردة، فلا يمكن وجود دار الإسلام عنده إلا بأن تنحاز فئة في منطقة أو إقليم وتدعي أنها هي دار الإسلام دون غيرها من بلدان المسلمين.
ثم إن العلاقة البينية القائمة بين هذه الفئة التي سمت نفسها دار الإسلام، وبين بقية ديار الكفر - التي تهجم هو عليها وكفرها - هي الحرب المستمرة التي لا هوادة فيها، ودار الإسلام في نظره هي التي تنعم بالأمان، وهو وحده الذي تصان فيه الدماء والأموال والنظام العام.
وأما دار الحرب - والتي هي هنا عموم بلاد المسلمين بعد أن كفرهم هو وجعلهم أهل جاهلية - فليس من حقها ولا من حق أهلها أن يتمتعوا بضمانات الأمان، لأنها بالنسبة لأهل دار الإسلام ليست حمى وأرواحها مباحة.
فهذا التصور المظلم المعقد المعذب نفسيًا، المفعم بالتشنج والعذاب والأسى، لو جمعنا مفرداته ومكوناته وتم تطبيقها على الأرض لوجدنا داعش قد تجسدت أمامنا كاملة غير منقوصة، أو تنظيم القاعدة، أو غيرها من التنظيمات الإرهابية الإجرامية.
وقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ومَن خَرَجَ علَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّها وفاجِرَها، ولا يَتَحاشَى مِن مُؤْمِنِها، ولا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فليسَ مِنِّي ولَسْتُ منه». [صحيح مسلم، ٦/ ٢١، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ط. دار النوادر، دمشق، سنة ١٤٣٣هـ-٢٠١٢م].
فكيف يا رسول الله بمن خرج على أمتك، فكفرهم، ورماهم بالشرك، واستعلى عليهم، وجعل فئة منهم تفارق مجموعهم، وتضرب برهم وفاجرهم، ولا تتحاشى من مؤمنهم لأنها كفرته، ونقضت العهود والمواثيق، فلم تف لذي عهد بعهده، ثم هي تدعي أنها وحدها أهل الإسلام، وأن دينك وشرعك الذي جاء رحمة للعالمين قد صار على يدهم عذابا للعالمين وشقاء لهم.
قال في ظلال القرآن: "حقا إنه لم يكن بد لهذا الدين أن يدافع المهاجمين له، لأن مجرد وجوده في صورة إعلان عام لربوبية الله للعالمين، وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وتمثل هذا الوجود في تجمع تنظيمي حركي تحت قيادة جديدة غير قيادات الجاهلية، وميلاد مجتمع مستقل متميز لا يعترف لأحد من البشر بالحاكمية، لأن الحاكمية فيه لله وحده.
إن مجرد وجود هذا الدين في هذه الصورة لا بد أن يدفع المجتمعات الجاهلية من حوله، القائمة على قاعدة العبودية للعباد، أن تحاول سحقه دفاعًا عن وجودها ذاته، ولا بد أن يتحرك المجتمع الجديد للدفاع عن نفسه، هذه ملابسة لا بد منها، تولد مع ميلاد الإسلام ذاته، وهذه معركة مفروضة على الإسلام فرضًا، ولا خيار له في خوضها، وهذا صراع طبيعي بين وجودين لا يمكن التعايش بينهما طويلًا". في ظلال القرآن، ٣/ ١٤٤١.
ويقول أيضا: "ويعرفون أن الجاهلية التي صاروا إليها، وصارت إليها أوضاع قومهم وأخلاقهم وأنظمتهم، لا يمكن أن يهادنها هذا الدين، أو يبقي عليها، وأنها - من ثم - معركة لا تهدأ حتى تجلو الجاهلية عن هذه الأرض، ويستعلي هذا الدين، ويكون الدين كله للّه، أي أن يكون السلطان في الأرض كله للّه وأن يطارد المعتدون على سلطان اللّه في الأرض كلها، وبذلك وحده يكون الدين كله للّه" في ظلال القرآن، ٢/ ١٠٦١.
وقال: "فيعلن- سبحانه - بهذه النصوص القطعية عن وحدة الهدف بين جميع معسكرات الجاهلية تجاه الإسلام والمسلمين، وعن قوة الإصرار على هذا الهدف وامتدادها عبر الزمان، وعدم توقيتها بظرف أو زمان، وبدون إدراك ذلك القانون الحتمي في طبيعة العلاقات بين التجمع الإسلامي والتجمعات الجاهلية، وتفسير الظواهر التي تنشأ عنه - على مدار التاريخ - بالرجوع إليه، لا يمكن فهم طبيعة الجهاد في الإسلام ولا طبيعة تلك الصراعات الطويلة بين المعسكرات الجاهلية والمعسكر الإسلامي، ولا يمكن فهم بواعث المجاهدين الأوائل، ولا أسرار الفتوحات الإسلامية ولا أسرار الحروب الوثنية والصليبية التي لم تفتر قط طوال أربعة عشر قرنًا والتي ما تزال مشبوبة على ذراري المسلمين - وإن كانوا لسوء حظهم تخلوا عن حقيقة الإسلام ولم يبق لهم منه إلا العنوان - في المعسكرات الشيوعية والوثنية والصليبية كلها، في روسيا والصين ويوغسلافيا وألبانيا، وفي الهند وكشمير، وفي الحبشة وزنجبار وقبرص وكينيا وجنوب افريقية والولايات المتحدة، وذلك فوق عمليات السحق الوحشية البشعة لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان في العالم الإسلامي - أو الذي كان إسلاميًا بتعبير أدق - وتعاون الشيوعية والوثنية والصليبية مع الأوضاع التي تتولى سحق هذه الطلائع، ومد يد الصداقة إليها، وإمدادها بالمعونات التي تبلغ حد الكفالة، وإقامة ستار من الصمت حولها وهي تسحق هذه الطلائع الكريمة، إن شيئًا من هذا كله لا يصبح مفهومًا بدون إدراك ذلك القانون الحتمي والظواهر التي يتجلى فيها". في ظلال القرآن، ٣/ ١٥٩٢.
فعندما نرى حديث كبار العلماء عن مفهوم الدارين والفارق بينهما وأحكامهما، ثم نرى كيف تحدث عنها هذا الجيل المعاصر فإننا نرى الفارق الشاسع بين المنهج العلمي الدقيق: الذي يستخرج ما في دين الله تعالى من رحمة وراحة، وبين حالة افتقاد المنهج العلمي، مما انعكست معه مقاصد الشريعة أو تشوهت فتحولت إلى صدام وصراع.
هذا التعبير - دار الإسلام ودار الكفر - كان في القرن الثالث والرابع الهجري، وكان تعبيرًا سائغًا ومستقرًا وليس فيه تعيير ولا يشعر أحد منه بالخطر، ومع تطور الفكر البشري بدأ يتحول إلى تعبير آخر تمامًا يُسمى الآن بعلم العلاقات الدولية أو القانون الدولي.
إذن ما فكر به أبو حنيفة والفقهاء الكبار في زمنهم، قبل ألف وثلاثمائة سنة تقريبا، تحت اسم دار الكفر ودار الإسلام تحول عندنا الآن إلى علم كامل له أصوله وفلسفته وقوانينه وأساتذته يُعرف بعلم العلاقات الدولية ويتفرع منه القانون الدولي، والعلاقات الدولية المبنية على المعاهدات والمكاتبات والبروتوكولات والتعاقدات والشروط والصلح، وهذا الذي بحث عنه الإمام أبو حنيفة، ولكنه أسماه بدار الكفر ودار الإسلام.
ولما بدأ عدد من الباحثين المعاصرين يرددون النظر في كتاب: السير الكبير، للإمام محمد بن الحسن الشيباني، رأوا أن هذا الكتاب حافل بتصوير وقائع الصدر الأول وزمن النبوة وما بعده من غزوات أو سرايا أو معارك أو معاهدات أو شروط أو اتفاقات هدنة، إلى غير ذلك من صور التفاعل، فانتهوا إلى أن هذا الكتاب يعد أول كتاب مدون في علم العلاقات الدولية، حتى أنشأت جمعية قانونية في باريس سنة ١٩٦٨م، اسمها جمعية الشيباني، تعنى بدراسة هذا الإمام وكتابه المذكور، وأن أول كتاب يشبهه في تاريخ أوربا جاء بعده بنحو ستة قرون.
ولذلك بدأ جماعة من الباحثين المعاصرين يدققون النظر والتأمل فيما كان يتكلم عنه الفقيه القديم على ضوء العلوم المعاصرة، فصدرت عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي موسوعة من اثني عشر جزءًا، تسمى: موسوعة العلاقات الدولية في الإسلام، وهي تتحدث عن أن ما فكر فيه الفقيه القديم هو اليوم علم العلاقات الدولية، وأن تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر يحتاج إلى تتمة وتكميل، يبرز به القسم الثالث والذي هو دار العهد.
وقد قام أحد الباحثين المعاصرين وهو الأستاذ عابد السفياني، فأنشأ أطروحة علمية في تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر، فادعى أن هناك إجماعًا على انحصار العالم في نظر الفقيه القديم في دار الكفر ودار الإسلام فقط وأنه لا ثالث لهما.
ولكن فى المقابل قام الدكتور إسماعيل فطاني بإنشاء دارسة أخرى كبيرة عبارة عن أطروحة جامعية انتهى فيها إلى عدم وجود إجماع، وأننا لا نستطيع اليوم أن نسميها، كذلك لشيوع المسلمين مع إمكان ممارسة الشعائر في كل العالم، بل تحول التقسيم القديم إلى ما يمكن تسميته اليوم بدار العهد، وأن هذا هو التراكم الطبيعي للفكرة، التي تبلورت على مدى قرون من الزمان، من تغير الأعراف وأنماط المعيشة، ونظم الإدارة، فضلًا عن طفرات الفلسفة السياسية.
ثم قدم الدكتور محيي الدين أحمد قاسم رسالته للدكتوراه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، تحت عنوان: التقسيم الإسلامي للمعمورة، مقارنةً بالجماعة الدولية المعاصرة، فوصل فيها إلى كل ما نقوله الآن، وأن هذه الفكرة تؤكد ما وصلنا إليه من مقصد الفقيه القديم لقضية دار الكفر ودار الإسلام، وكيف انعكست عند التيارات المتطرفة في الثمانين عامًا الماضية، التي اختزلت كل هذه الآفاق الواسعة التي كانت حاضرة عند الفقيه الجليل المهموم والمشغول بكيفية تيسير حياة الإنسان في أي بقعة على ظهر الأرض، وأنه كيف يعيش الإسلام في وسط غير مسلم، ويحافظ في الوقت نفسه على صورة دين الله تعالى أمام العالمين، حتى يرى الناس من خلاله محاسن الشريعة، وأنها دين هداية وأخلاق.
فبينما كان الفقيه مشغولًا بهذا وبدراسة الأحكام المترتبة على هذه القضية التي تم تحويلها الآن إلى علم العلاقات الدولية إذ بهذا الفكر يُختزل - في عقلية سيد قطب ومحمد عبد السلام فرج وصالح سرية وتنظيم داعش - إلى مفهوم أن دار الكفر ودار الإسلام بينهما الصدام والصراع المسلح الذى تراق فيه الدماء، بل والأسوأ أن نقلوا هذه التصور الموهوم إلى داخل ديار المسلمين بعد أن كفروها، فجعلوا مصر دار كفر، وجعلوا سائر البلدان العربية والإسلامية ديار كفر، ثم انتقلوا إلى التعامل مع هذه الديار بطريقة القتل ورفع السلاح وإراقة الدماء، ثم سموا هذا الإجرام جهادًا.
فكم من مفهوم شرعي صحيح قد أهين، وكم من مبدأ نوراني، أنزله الله تعالى ليكون حياةً وهداية ورحمة وتظهر به حكمة الشرع الشريف، قد تم اختزاله وتشويهه بتحريف غال، وانتحال مبطل، وتأويل جاهل.
فلم تعد القضية عند تلك التيارات قضية البحث عن نطاق سريان الحكم عند غير المسلم، مع إبراز رفعة فكرة العلاقات الدولية وجذورها في الفكر الفقهي القديم، بل نقلتها تلك التيارات إلى ديار الإسلام، وإلى مصر بلد العلم والدين والأزهر والإسلام، فحولوها إلى دار كفر، وسحبوا عليها هذا الفكر المشوش، القائم على التعامل مع دار الكفر في نظرهم بالصراع والعدوان وحمل السلاح، ثم يسمون ذلك جهادًا.
ثم إن ابن تيمية بدأ في مناقشة فكرة أخرى وهي افتراضه أن توجد دار مختلطة أو مشتبهة، لا يسري عليها تعريف دار الإسلام ولا دار الكفر، مثال ذلك: دار من ديار الإسلام تغلب عليها حاكم غير مسلم، كما وقع أيام دخول التتار إلى أعالي بلاد الشام أو العكس فهذه الدار شعبها مسلم، وحاكمها غير مسلم، فتسمى بـ (الدار المركبة)، وهي دار لها حالة خاصة، قدم فيها مكتوبًا يسمى (الفتوى الماردينية)، وماردين هو إقليم وُلد ونشأ فيه ونزح منه في صغره لما دخل التتار.
قال ابن تيمية: "إن هذه الدار مركبة لها قانون، ملخصه: يعامل فيها المسلم بما يستحقه، ويقاتل فيها الخارج عن الشريعة بما يستحقه"، فبدأت التيارات الجهادية والتكفيرية تبني تصرفاتها الدموية على كلمة (يقاتل).
ولكن هنا إشكالات كثيرة، لأن الفتوى عباراتها فضفاضة، فما هو مفهوم الخارج عن الشريعة؟ إنه مفهوم واسع جدًا، وشامل لأي شخص مبتلي بشيء من صغار الذنوب إلى الشخص الذي يخرج على المجتمع بالدمار، فهي إذن هي مساحة واسعة وغير محددة والعبارة ليست محكمة.
وبالنسبة لكلمة (يُقاتَل) فمن الذي يقوم بالقتال، فقالت التيارات المتطرفة: نحن نقوم به، وهذا خطأ فادح؛ إذ ليس من حق الأفراد الاستلاب والادعاء والتعدي للمهام التي لا ينهض بها سوى المؤسسات، ولا بد من أن توجد مؤسسة أو نظام إداري مستقر يقوم بنشر الأمن وبمقاومة الفساد كما هو شأن أي أمة محترمة في العالم.
والمقصود أن كلمة (يُقاتل) هي التي بدأ يستمد منها محمد عبد السلام فرج في كتابه (الفريضة الغائبة) موقفه التكفيري الدموي المتعدي على البلدان والناس بالباطل، ورد عليه العالم الفقيه الشيخ عطيه صقر أيضًا في كتاب: نقض كتاب الفريضة الغائبة.
ثم بدأ عدد من العلماء المعاصرين بدراسة هذه الفتوى من مدخل آخر، وهو تنويع ابن تيمية بين كلمة (يقاتل) مقابل كلمة (يعامل)، وتأكد أن هناك التباسًا، خصوصا أنه عن البحث في هذه الزاوية ومراجعة المصادر، فوجد العلماء أن ابن مفلح وهو محرر ومتقن في نقل مذهب الحنابلة ويحكي عبارات ابن تيمية، قد نقل الفتوى، فإذا بها: "يعامل المسلم بما يستحق، ويعامل الخارج عن الشريعة بما يستحق"، وفارق كبير بين يعامل ويقاتل، يُعامل تعني دراسة للوضع الاجتماعي والقانوني والتركيبة الثقافية والفكرية للبلد ومراعاة أعرافها وتقاليدها وهذا شيء مختلف تمامًا عن مدلول كلمة (يقاتل).
وكان الشيخ رشيد رضا قد نقلها في مجلة المنار على الصواب، لكن هذا التصحيف قد وقع أول ما وقع في طبعة فتاوى ابن تيمية التي أخرجها فرج الله الكردي، سنة ١٣٢٧هـ، ثم تبعه على ذلك الخطأ عبد الرحمن القاسم في مجموع الفتاوى، ج٢٨، ص٢٤٨، وأصبح النص المحرف هو المشهور والمتداول لشهرة تلك الطبعة وتداولها.
وغياب التوثيق، وافتقاد قواعد العلم ومفاتيحه تؤدي إلى كوارث، ونصف العلم أخطر من اللا علم، فإن غياب التوثيق في هذه الفتوى أدى إلى تحريفها بشكل أهدر دماء المسلمين وغيرهم، وأضر بمقاصد الشريعة وأهدافها، وتسبب في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وخاصة أن ترجمة الفتوى إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية قد اعتمدت على النص المحرف.
فقام العلامة الكبير الشيخ عبد الله بن بية بترتيب عمل بحثي دقيق، استعان فيه بعدد من الخبراء للوصول إلى النسخة المخطوطة من تلك الفتوى لابن تيمية، في المكتبة الظاهرية بدمشق، رقم ٢٧٥٧، مكتبة الأسد، فإذا بها (يعامل) وليست (يقاتل).
ثم انعقد مؤتمر في مدينة ماردين بتركيا، بتاريخ ربيع الثاني سنة ١٤٣١هـ، بحضور عدد من العلماء والفقهاء، وصدر عنه بيان يشرح ذلك، وشارك الأزهر الشريف في ذلك من خلال دراسة تؤكد ذلك، ومن خلال بيان علمي أعدهما مفتي الديار المصرية العلامة الكبير علي جمعة، وكان بحث فضيلته من ضمن مرتكزات مؤتمر ماردين.
فكفى اعتمادًا على كتابات المتحمسين والهواة والمحبين والمندفعين الذين لا يعتمدون إلا على ملكة أدبية أو حماسية، فيخوضون بها في أحكام دقيقة شديدة الصعوبة، ويخرجون بأفهام خاطئة، وتأويلات منحرفة، يُحولون بها دين الله إلى شقاء فى أعين العباد، قال الله تعالى {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [سورة النساء، الآية ٨٣]
فالاقتصار على المدخل الفقهي وحده عند دراسة العلاقة بين دار الكفر ودار الإسلام خطأ فادح، لأن هناك مدخلًا آخر من مداخل دراسة تلك العلاقة، وهو المدخل القيمي الأخلاقي، وعندما نجمع مدخل الفقه، مع مدخل القيم، مع مدخل السنن الإلهية المتعلقة بالمجتمع، مع مقاصد الشريعة، مع مدخل الهداية العامة، فحينئذ تتضح أمامنا النظرية الكاملة، التي يمكن للعقل المسلم أن يتوصل إليها، في فهم طبيعة علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم والحضارات والشعوب.
ثم إن هناك مدخلا قيميًا بجوار المدخل الفقهي، في فهم هذه القضية، والمدخل القيمي يقول: إننا ننظر إلى العالم من حولنا من خلال شبكة العلاقات البينية بين القوى الموجودة في العالم من المسلمين أو غيرهم، فلا ترجع فقط إلى الحكم فقهي القائم على الحل والحرمة، والصحة والفساد، والانعقاد وعدمه، بل نرجع حينئذ إلى آفاق أخرى كبيرة، في علم يسمى بعلم السنن الإلهية، ندرس فيه سنن الله تعالى في عباده.
والسنن الإلهية علم قرآني عريق، يبين لنا القوانين الإلهية السارية المستقرة المطردة، التي بنى الله تعالى الكون كله عليها، وأن تلك السنن قوانين عليا، لا تتبدل، ولا تختل، ومنها سنن إلهية في الأنفس، وسنن في الاجتماع البشري، وسنن في قيام الحضارات وسقوطها، وسنن في الكون.
وقد لهج بهذا العلم هنا في المتأخرين الشيخ محمد عبده، ورشيد رضا في تفسير المنار، ثم الشيخ محمد الصادق عرجون، من كبار علماء الأزهر الشريف، ثم كتب فيه الدكتور مصطفى الشكعة، والدكتور مجدي عاشور، ثم استفاض الأمر عند تلامذة الدكتور مصطفى الشكعة من المغاربة، وقد أكثر المغاربة والجزائريين في الكتابة عن هذا العلم الجليل، علم السنن الإلهية، ثم درس هذا العلم في مؤتمر بالأردن، حتى توصل العلماء والباحثون فيه إلى نحو ستين سنة إلهية في القرآن الكريم، في الأنفس والشعوب والحضارات والآفاق.
والسنن الإلهية المتعلقة بالمجتمع والحضارات مهمة جدًا في فهم طبيعة العلاقة بين المسلمين وغيرهم، ومهمة جدًا في صناعة أصول فقه الحضارة، في مقابل أصول فقه النص عند الإمام الشافعي.
ومن تلك السنن: سنة التعارف، وسنة التكامل، وسنة التوازن، وسنة التدافع، وغير ذلك من السنن، وسنة التعارف مهمة جدًا في علاقة المسلمين بغيرهم، بل في علاقة الأمم والشعوب عامة، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [ سورة الحجرات، الآية ١٣]
ونحن نستخدم هذه الآية الكريمة بصورة فردية، عندما نلتقي أحدًا ونريد التعرف عليه، فحولناها إلى تعارف فردى بين شخصين، ولكن الله جعل التعارف هنا مبنيًا على انقسام البشر إلى شعوب وقبائل، وهذا يعني تعارفًا أُمميًا، يجري بين الشعوب والقبائل، مما يجعلنا نلتفت إلى أن الأصل في علاقة الأمم هي التعارف، وليست الصدام والإبادة، وهذا في مقابل موجة فلسفية عالمية تتصور طبيعة العلاقة بين الأمم على أنها قائمة على الصدام والصراع، وأنه لا بد لإحدى الحضارات من إفناء غيرها، وهذا الذي نادى به صامويل هانتنجتون في أطروحته (صدام الحضارات)، وفوكوياما في: (نهاية التاريخ)، وهو بعينه الفكر الذي نادى به سيد قطب والتيارات المتطرفة، الذين انحرف تصورهم للشرع، وذهبوا يلصقون الأهواء والأفهام السقيمة بالشرع الشريف، بحيث لو أننا حذفنا الأسماء والهيئات والعوارض، لوجدنا أننا أمام فلسفة واحدة، وفكرة واحدة، وتصور واحد، وهو الصدام والصراع، لكنه هنا يأخذ شكل الإسلام والآيات والأحاديث بتأويل منحرف، فيخرج في صورة التيارات المتطرفة، وهناك يأخذ شكل الفلسفة وفلسفة نهاية التاريخ فيخرج في صورة هانتنجتون، وقد قام ملك أسبانيا سنة ١٩٩٧م بالتعاون مع محمد خاتمي وبعض العلماء الإيرانيين لعمل موجة عالمية أرادوا تسميتها (تحالف الحضارات).
ولكن يبقى هذا العلم العريق القرآني يتكلم عن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين وعن العلاقات الدولية وأنها قائمة على سُنة إلهية جليلة، وهي: (تعارف الحضارات)، فأين هذا المدخل وكيف غاب وتوارى وأهدر بجوار قضية التكفير وسفك الدماء؟!
وقد كتب أيضا الأستاذ زكى الميلاد عن تعارف الحضارات وبدأت تُدار عنه ندوات؛ لتبحث مفهوم تعارف الحضارات، وهو الصورة الواسعة، التي تشمل التبادل الثقافي، والتفاعل المعرفي، والتشابك الحياتي، والخبرات ومفاتيح العلم والمعرفة، كما يشمل أحيانًا الحروب، والحرب وضع عارض، وصورة عابرة من صور التفاعل، غارقة في محيط واسع يهدف إلى الهداية والرحمة، سماه الله تعالى بالتعارف.
كان تقسيم الفقيه للعالم إلى دار إسلام ودار كفر غايته تنظيم الأحكام الشرعية بحسب البيئات المختلفة، لا بثُّ الكراهية أو الصراع، أما التيارات المتطرفة فحرفت المفهوم لتحويله إلى ذريعة للتكفير والقتل باسم الدين، وهكذا شوهوا مقصده الرحيم، وطمسوا جوهر الشريعة القائم على الهداية والتعايش.
الإسلام هو الدين الذي جاء به جميع الأنبياء والمرسلين
إن تصنيف العالم إلى دار إسلام ودار حرب ليس من العقائد ولا من الثوابت، بل من الاجتهادات الفقهية التي تتغير بتغير الأحوال
الأمن ضد الخوف، وهو: عدم توقع مكروه في الزمان الآتي