Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ثورة ٣٠ يونيو.. دولة الأقدار وقدرية الأدوار

الكاتب

د. أسامة رسلان

ثورة ٣٠ يونيو.. دولة الأقدار وقدرية الأدوار

كثر الحديث عن "تجديد الخطاب الديني"؛ عن مقصوده وغاياته، عن تعريفه وحدوده، عن كيفياته ومناهجه، وعن منطلقاته التي تتراوح بين التراث دون المعاصرة أو بين المعاصرة دون الاكتراث بالتراث، أو بالجمع بين جواهر التراث وعلوم العصر؛ إلى غير ذلك مما لا يجهله المجتهد ولا يغيب عن علم المقتصد، وقد بات حريًا بالجميع أن ينتقل من الكلام عن التجديد إلى الاجتهاد فيه؛ والاجتهاد عملية متواصلة لا تقف عند جيل، ولا تكتفي بعلم واحد، ولا تتأتى (في العصر الحاضر) من جهد فردي، ولا تكون بفكرة مسبقة تجاه علم أو فكر أو عصر أو غاية، ولا تكون إلا بتأسيس علمي واسع الأفق، رحيب الاطلاع، متمازج التخصصات، مقاصدي التوجّه، نبوي الرحمة، لا يخلط بين الإجلال والتقديس، يتلقف الحكمة أينما كانت وحيثما ظهرت وممّن خرجت.

الحديث عن التجديد

كثر الحديث عن "تجديد الخطاب الديني"؛ عن مقصوده وغاياته، عن تعريفه وحدوده، عن كيفياته ومناهجه، عن منطلقاته التي تتراوح بين التراث دون المعاصرة أو بين المعاصرة دون الاكتراث بالتراث، أو بالجمع بين جواهر التراث وعلوم العصر؛ إلى غير ذلك مما لا يجهله المجتهد ولا يغيب عن علم المقتصد. 

وقد بات حريًا بالجميع أن ينتقل من الكلام عن التجديد إلى الاجتهاد فيه؛ والاجتهاد عملية متواصلة لا تقف عند جيل، ولا تكتفي بعلم واحد، ولا تتأتى (في العصر الحاضر) من جهد فردي، ولا تكون بفكرة مسبقة تجاه علم أو فكر أو عصر أو غاية، ولا تكون إلا بتأسيس علمي واسع الأفق، رحيب الاطلاع، متمازج التخصصات، مقاصدي التوجّه، نبوي الرحمة، لا يخلط بين الإجلال والتقديس، يتلقف الحكمة أينما كانت وحيثما ظهرت وممّن خرجت.

بيد أنّ الحديث في التجديد من هذا المنظور الجامع يقتضي نظرة تستقرئ التاريخ، وتستنهض الحاضر، وتستشرف المستقبل؛ كي لا نقع في ما نحذر منه، ولا نسقط في فخ الاجتزاء، ولا نهوي في مهاوي العمى عن الفضائل في كل عصر، ولا في مهاوي العمه عن الحق، والنظرة في التاريخ القريب كاشفة لواقع هيمن عليه خطاب التطرف الذي سعى إلى ترسيخ أقدامه في عقول الناس، واستتباع أذهان العامّة، واكتساب أرض في أوساط جمهور يكابد الكثير؛ فكان من سبله.

أهداف التطرف الديني

أولاً: الطعن في المؤسسة الدينية الرسمية، ووصم علمائها أنهم "علماء السلطان"؛ فبذلك تأتى لهم إفقاد الناس الثقة في العلماء بطريق الاغتيال الفكري الذي مهّد للاغتيال البدني، وأوغلوا في أن يبثوا في أذهان الناس الثنائيات المتضادة: إما أبيض وإما أسود.

ثانيًا: استغلال الحال الاقتصادية للناس بالتوسع في المساعدات لاستمالة البسطاء وأبنائهم وجيرانهم وكل من تطاله أيديهم؛ فجمعوا المال من الداخل والخارج وأنفقوه على الاستتباع واستدامته، لا في أوجه الإنفاق التي شرعها الحق سبحانه.

ثالثًا: ادّعاء الحق الأوحد لأنفسهم ولخطابهم المتطرف، فهم الحق وكل من سواهم باطل.

رابعًا: الانتشار القُطري والإقليمي والعالمي، والتشبيك بين مراكز ذلك الانتشار، وتدعيمه بكيانات وهمية أو صغيرة أو كبيرة تنشط في مجالات شتى لاختراق الأوساط السياسية والاقتصادية والحقوقية والصحفية والإعلامية والأكاديمية والبحثية وغيرها، وبث ما يريدون إما فكرًا وإما تأييدًا لمؤسسات تروج لذلك الفكر.

خامسًا: اصطناع ثنائيات تُعمي عن الصورة الكاملة، فمثلًا: تقيّأ ذلك الخطاب المتطرف ففرض ثنائيات متوهمة من قبيل إما الدين وإما الوطن، وإما القتال وإما الخذلان، وإما الانتماء للجماعة وإما التيه العقدي الفكري الاجتماعي؛ وهكذا.

سادسًا: اصطناع المعارضة وشرعنة الفحش؛ وهذا ما يجعل فئات الشباب والمراهقين (الغالبة سكانيًّا في كل بلداننا، وبما يعتريها من مرحلة عمرية تتسم بالتمرد على كل قيد) تنجذب إلى من يُعلي صوت الرفض، ويُذكي فكر الاعتراض، ويتألى على القيد الأسري والقانوني والديني، وما شاكل.

ظهور لحظات التفوق في الخطاب المتطرف

برزت أجلى لحظات التفوق لذلك الخطاب المتطرف في ٢٠١١ وما تلاها من سنوات قلائل؛ مُقتنِصًا فرصة التفكك والضعف والتراجع الحضاري والتردي المعيشي وما واكب ذلك من عوامل اقتصادية وسياسية وأمنية وغيرها، كما افترصت جماعات التطرف والإرهاب الميل العاطفي الديني لدى عامة الناس، الذين ينطبق عليهم وصف "إيمان عجائز نيسابور" أو توصيف "من خدعنا بالله انخدعنا به"... فما كانوا ليتهموا من علاهم سمت الدين بما ينافي الدين! من هنا يتجلى واحد من أهم بواعث ثورة الثلاثين من يونيو، لأن الثورة الشعبية فيها لم تكن بدافع اقتصادي محض ولا سياسي بحت؛ بل بدافع وطني جامع لكل البواعث، لا سيما مناهضة اختطاف الوطن واستراق وعيه واسترقاق مستقبله.

وبعبارة أخرى: كان اختطاف الخطاب الديني والافتئات على مقاصد الشرع باعثًا رئيسًا في الإعراض عن الأدعياء، والاجتهاد في استرداد الوطن المختطَف، عندئذٍ قامت ثنائية فرضها الواقع: إما خطاب المتطرفين الإرهابيين الذين جعل خطابهم الوطن "حفنة من تراب عفن"، واستيسر سب الوطن والاستخفاف به، واستباح الدم، واستباح العرض، وبذل الدين لأجل بلوغ الحُكم والاستمرار فيه، ودعا وعاون في احتلال بلدان المنطقة، وأطلق العنان لشباب مشبوب العاطفة للموت المزعوم في سبيل الله دون أن يقنعهم أن الحياة في السبيل الله أرجى وأجدى؛ وإما خطاب رشيد يحفظ النفس والعقل والعرض والمال والدين، ويبني الأوطان ويحفظ الأكوان، ويجعل المسلم سلما وسلامًا لكل حي ولكل شيء.

ظهور حقيقة خطاب الإرهاب والتطرف

سُرعان ما انكشف تهافت خطاب الإرهاب والتطرف، فانصرف من الخطاب إلى الفعل الموسع المكثف – أي من التطرف إلى الإرهاب، والتفكير بمنطق "لو" يحتم السؤال التالي: ماذا لو لم ينتصر الشعب في ثورة الثلاثين من يونيو ٢٠١٣ ولم يجد الحماية من مؤسسات الدولة؟ كيف كان ليصبح شكل الخطاب الديني الآن؟ وكيف كان ليتلقاه العالم من حولنا؟ لا أقل من زلزال عاتٍ كان ليدمر المنطقة ويسبب التعادي على أساس ديني بين أبناء الدين الواحد وبين الأديان المختلفة، ولتردد صداه في كل الدنيا، ولانتقلت الريادة الدينية من مصر الأزهر إلى ما سواه، ولترسخت اتهامات الإرهاب للإسلام وأهله في عيون العالمين، وغير ذلك من التبعات.

الحل الأمثل للمسار الصحيح

ونحن الآن على مفترق طرق بعد لجم نيران التطرف الفكري؛ فبين من يريد "تتريث الحاضر" (أي الاكتفاء بالتراث وفرضه على الحاضر)، ومن يريد "رد التراث" جُملةً، ومن يريد "أنسنة التراث" ومن يريد "تقديس التراث"... يظل الحراك متقدًا في انتظار جهد مؤسسي ينتشل الأمة مما طالها وينفي عنها خبث وباطل وانتحال المتطرفين، والمسار المرتجى يتمثل في أنسنة التراث والاستجابة الرشيدة لفريضة كل عصر: ألا وهي الاجتهاد العلمي في كل مجالات العلوم بلا استثناء، مع مراعاة فضيلة العصر المتمثلة في الاجتهاد والتجديد المؤسسيين

الخلاصة

 لقد شهدنا استسلاح الدين ضد الوطن، واختطاف المنابر لبث رسائل الفوضى والكراهية، والاستتباع الوظيفي من جماعات التطرف والإرهاب -بعلم وبغير علم- لمشاريع إقليمية وعالمية تُحاك ضد المنطقة بأسرها، حتى جاءت ثورة الثلاثين من يونيو لتبدأ التجديد بالتحرير، ولتكون حدًا تاريخيًا فاصلاً بين هجمة تترية الموجة، همجية النزعة، في ظل روح منهزمة؛ حتى قوبلت بحائط صدّ مصري ما هو إلا استدعاء لدور تاريخي لطالما جعل مصر بلدًا يجمع بين كونه بلد الأقدار، وصاحبَ قدرية الأدوار.

موضوعات ذات صلة

هو كل انحراف عن التوازن، سواء بالغلو والتشدد، أو بالتفريط والتسيب.

التجديد في الإسلام ليس خروجا عن الأصول بل عودة إليها بفهم معاصر.

انتفض الشعب المصري العظيم في الثلاثين من يونيو، ليُسطّر بدمائه وعزيمته ملحمةً وطنيةً.

موضوعات مختارة