إنَّ صيانة العقل المسلم من لوثة الفكر الضال هي المقصد الأسمى للشريعة الغراء، وإنَّ تفكيك بنية الإرهاب يبدأ من استئصال جذوره الاجتماعية والثقافية قبل مواجهة ثمارها المُرّة بصحيح المنهج وقوة البيان.
إنَّ صيانة العقل المسلم من لوثة الفكر الضال هي المقصد الأسمى للشريعة الغراء، وإنَّ تفكيك بنية الإرهاب يبدأ من استئصال جذوره الاجتماعية والثقافية قبل مواجهة ثمارها المُرّة بصحيح المنهج وقوة البيان.
إنَّ الإنسان في حقيقته ابنُ بيئته، والنفوس البشرية جُبلت على التأثر بالمحيط الذي تدرجت فيه، فالأسباب الاجتماعية للإرهاب ليست مجرد ظروف عابرة، بل هي (الوسط البشري) الذي يمتزج به الفرد في أطوار عمره المتعاقبة، فيشكل وجدانه ويصيغ رؤيته للعالم، هذا الوسط كما يقرر أهل التحقيق في علم الإجرام، ينقسم إلى نوعين: وسط مفروض لا يد للمرء فيه كأسرته وموطنه، ووسط مختار أو مقبول يرتضيه المرء لنفسه عبر مخالطته للآخرين [د/ أحمد عوض بلال، علم الإجرام النظرية العامة والتطبيقات، ص ۳۷۰].
والجريمة في جوهرها ظاهرة اجتماعية تنبثق من تفاعل عوامل شتى تصبغ شخصية الفرد وتوجه سلوكه، فهي ثمرة لمؤثرات اجتماعية ثابتة تسهم في صنع القرار الإجرامي [د/ محمد سامي الشواء الظاهرة الإجرامية المطبعة الجامعية، القاهرة، ١٩٩٦م، ص ٢٧٤]، فمتى ما اهتزت أركان العدالة في قلب المجتمع، وضاعت الحقوق، وفُقدت المساواة، وغاب الصوت الذي ينصف المظلوم ويقتص له من المعتدي، وُجدت الثغرة التي يتسلل منها دعاة الفوضى.
إنَّ الفرد حين يفقد الدفء الأسري، ولا تتاح له فرصة العمل الشريف الذي يصون كرامته، ويجد نفسه عاجزًا عن تحصيل حقوقه الأساسية، فإنه يقع -لا محالة- في شراك (صحبة السوء) التي تزين له القبيح، وتفتنه البرامج الإعلامية المضللة ومنشورات دعاة التخريب الذين يلبسون الباطل ثوب الحق، فلا يجد أمامه في ظنه الآثم سوى طريق الإرهاب كسبيل للتنفيس عن غضبه [(٣) The sociology and psychology of Terrorism: WHO Becomes A Terrorist And Why? A Report prepared under an Interagency A agreement by the Federal research Division-library of congress September ١٩٩٩,p.٢٢].
إنَّ المتأمل في سير أولئك الذين ضلوا الطريق وسفكوا الدماء، يجد أنَّ الغالبية العظمى منهم ينحدرون من (أسر مفككة)؛ إما بسبب حالات الانفصال والطلاق التي تترك ندوبًا في الروح، أو بسبب غياب دور الأب أو الأم في الرعاية الحكيمة والاهتمام الواعي بأبنائهم، هذا الفراغ العاطفي والتربوي أدى إلى انخراط الشباب في جماعات متطرفة استغلت فيهم هذا الشتات، لقد بدأت التنظيمات الإرهابية كجماعات دينية متطرفة، وتفننت في استغلال الظروف الاجتماعية المتدنية، وحالة اليأس والإحباط والسخط على المجتمع لدى هؤلاء الشباب، فأغرتهم بالانضمام إليها تحت مزاعم (الولاء والبراء) الزائفة [د/ عبد الرحيم عبد الصادق عزب شكر الإرهاب في القانون المصري والمقارن، رسالة دكتوراه كلية الحقوق بجامعة القاهرة، ۲۰۱۲م، ص ٢٥].
وتعتبر المدرسة الاجتماعية في تفسير الجريمة من أكثر المدارس حداثة ورصانة في البحث العلمي، وهي تمثل امتدادًا للمدارس الجغرافية والاقتصادية التي عالجت مسألة الإجرام في إطار اجتماعي عام، مؤكدةً على أهمية (المحيط والبيئة) في تطوير السلوك الإجرامي [د/ أحمد شوقي: أبو خطوة علم الإجرام والعقاب، مطابع البيان التجارية دبي، الطبعة الثانية، ١٩٩٠م، ص ١٥٢].
إنَّ القسوة في التعامل مع الطفل، واستخدام العقاب البدني المبرح، وإهمال احتياجاته النفسية، يزرع في روعه أنَّ (العنف) هو اللغة الوحيدة والسبيل الأوحد لحل المشكلات وتخطي الصعاب، هذا العنف الذي يبدأ في حضن الأسرة ينتهي غالبًا بالانخراط في الجماعات الإرهابية، خاصة مع طغيان القيم المادية الجافة على القيم المعنوية الروحية داخل البيت، مما أدى لغياب التفاعل الحر والواعي، وعجز الفرد عن مواجهة مشكلات الحياة بالحكمة والروية، وهو ما ساهم في خلق الفكر الإرهابي المظلم [د/ توفيق مرعي: التوعية والإرشاد النفسي عالم الكتب القاهرة، ١٩٩٤، ص ٤٥].
ويرى الباحث أن هناك أسبابًا اجتماعية عديدة للإرهاب، منها النمو السكاني المتسارع الذي لا يتكافأ مع النمو الاقتصادي، والهجرة من الريف إلى المدن وما يصحبها من شعور بالاغتراب، والبطالة التي تقتل الطموح، وعدم التربية الإسلامية الحقيقية المعتدلة التي تعمر ولا تدمر، فكل هذه العوامل أدت مجتمعة نحو الارتماء في أحضان الإرهاب [للمزيد من الايضاح انظر: محمد أحمد حسين وهاس، الفقر وأثره في السلوك الإجرامي، ص ۲۷].
تُمثل البيئة الثقافية مجموع العوامل ذات الصبغة المعنوية التي تسود في مجتمع معين؛ من أفكار وقيم أخلاقية ودينية وعادات وتقاليد وخبرات مكتسبة [د/ أحمد عوض بلال: علم الإجرام، ص ٣٩٢]، وللعوامل الثقافية سطوة كبرى في توجيه الفرد نحو الإرهاب، فهي تشكل (المناخ الفكري) الذي يحدد سلوكياته وتصرفاته من خلال اختلاطه الوثيق بمن حوله في جميع مراحل حياته [د/ أحمد شوقي أبو خطوة: علم الإجرام والعقاب، ص ١٥١].
ويطلق عليها البعض (عناصر البيئة الثقافية) وما يصاحبها من متغيرات في قيم الناس، حيث تكون الثقافة هي ما يتعارف عليه الأفراد من معايير وسلوكيات [د/ أحمد سيد مصطفى: التخطيط الاستراتيجي لمكافحة الإرهاب، ص۲۲۸]، والثقافة في معناها الأسمى هي مجموع المعارف التي تغذي رصيد الإنسان المعرفي وتعين على فهم الأوضاع في حياته . [HTTP//WWW. Ebn masr. Net/ forum]
لكن المشكلة تكمن حين تنحصر الثقافة في (بيئة ضيقة منغلقة)؛ حيث يشعر أفراد هذه الجماعات وزعماؤها بأنهم وحدهم الكيانات التي تستحق الريادة، وأنَّ سواهم من البشر لا يساوي شيئًا، لقد توهموا أنَّ تطهير المجتمعات من الخطايا منوط بهم وحدهم باعتبارهم يمثلون أمة الإسلام والمسلمين، وأي اسم آخر يطلقونه على أنفسهم ما هو إلا ستار لرفض الآخر، لقد اعتبروا من يخالف فكرهم شخصًا لا يستحق المناقشة، بقدر ما يستحق التفجير والقتل، وهذا لعمري هو عين الضلال [د/ هالة مصطفى: الاسلام السياسي في مصر من حركة الإصلاح إلى جماعات العنف، ص۱۹۰].
وهنا نؤكد على أنَّ غياب دور المؤسسات الدينية في إعداد الأفراد إعدادًا إيجابيًّا، وغياب المؤسسات التعليمية في تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الدين لدى النشء، قد ساهم في انتشار الإرهاب، فنبذ ثقافة العنف والتعصب يبدأ من مقاعد الدراسة ومن على منابر المساجد الواعية [د/ أحمد عصام الدين المليجي: جرائم العنف والإرهاب استراتيجية الأسباب وأساليب مكافحتها، ص ٣٧].
إنَّ ما تبثه بعض الوسائل الإعلامية من (استفزاز) يظهر الجانب الحضاري للمجتمع الغربي بصورة براقة، مبرزةً الإيجابيات دون السلبيات، يدفع الكثير من الشباب للمقارنة الجائرة بين واقع بلادهم وبين ذاك البريق، مما يصيبهم بالإحباط وفقدان الانتماء، وهذا بدوره يقودهم إلى العنف [محمد أحمد حسين وهاس: الفقر وأثره في السلوك الإجرامي، ص ۲۷].
ويرى الباحث أنَّ للأسباب الثقافية دورًا خطيرًا في توجيه السلوك الإرهابي؛ حيث تتجه الجماعات المتطرفة لنشر أفكارها عبر وسائل إعلامية متعددة، مخاطبةً الشارع بفهم مغلوط للدين ومعتقداته، وبأساليب مشوهة لمفهوم (الجهاد)، ونظرًا لضعف الاهتمام الرسمي بشريحة الشباب، ينتشر الجهل والتخلف، مما يجعل هؤلاء الشباب صيدًا سهلًا لتلك الأفكار الظلامية.
إنَّ الإسلام بريء من كل هذا الغلو، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعۡتَدُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾ [سورة البقرة: ١٩٠]، والرسول - صلى الله عليه وسلم - حذرنا من التنطع فقال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» [رواه مسلم، ٢٦٧٠]، أي: المتجاوزون للحدود في أقوالهم وأفعالهم، إنَّ مِنْ مفهوم الجهاد في شريعتنا جهادَ النفس بالبناء والعمران، لا بالهدم والعدوان.
إنَّ الإرهاب ظاهرة مركبة، تقتضي مواجهة شاملة تجفف منابعه الاجتماعية بتوفير العدالة والحياة الكريمة، وتستأصل جذوره الثقافية بنشر العلم الصحيح والمنهج الوسطي الذي يجمع بين النص والعقل، إنَّ حماية الأوطان أمانة في عنق كل مثقف وعالم، وصيانة دماء الناس هي المقصد الأول من مقاصد الشريعة، ولن يستقيم أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وهي، الرحمة، والرفق، والحكمة.
إن صون الأوطان من أسمى مقاصد الأديان، وإن الذود عن أمن الكنانة بالبيان والسنان وبالقانون المحكم لهو ذروة سنام الأمانة.
إنَّ الأوطان في ميزان الوحيِ ليست مجرد جغرافيا صَمَّاء، بل هي محراب للعمران وحصن للأمان.
إن صون الأوطان من أسمى مقاصد الأديان، وإن الذود عن أمن الكنانة بالبيان والسنان وبالقانون المحكم لهو ذروة سنام الأمانة.