كيف تحمي الدولة الوطنية مستقبلنا من حروب العقول وخناجر الغدر الرقمية؟
عبر يقظة تكنولوجية ووعي وطني يرسخ أن حماية الأوطان واجب شرعي، ومحاربة الإرهاب بشتى صوره الإلكترونية والمادية هي جوهر مقاصد الشريعة لصيانة الإنسان وعمارة الأرض.
كيف تحمي الدولة الوطنية مستقبلنا من حروب العقول وخناجر الغدر الرقمية؟
عبر يقظة تكنولوجية ووعي وطني يرسخ أن حماية الأوطان واجب شرعي، ومحاربة الإرهاب بشتى صوره الإلكترونية والمادية هي جوهر مقاصد الشريعة لصيانة الإنسان وعمارة الأرض.
إن الناظر بعين البصيرة في فلسفة الاجتماع البشري يدرك أن الجريمة ظاهرة اجتماعية تولد مع التجمعات وتتطور بتطور مهارات الإنسان، ولا شكّ أنّ المارقين من شُذَّاذ الآفاق وأصحاب الفكر المتطرف يحاولون، تمامًا كما تفعل المؤسسات الأمنية الوطنية اليقظة، الاستفادة القصوى من ثورات التقدم العلمي والتقني، فنحن نعيش في عصر العولمة الكاسحة وثورة المعلومات؛ حيث سعى الإرهابيون إلى امتلاك ناصية المعلومات عبر شبكات الحاسب الآلي والإنترنت، بل وشرعوا في محاولات يائسة لامتلاك أسلحة الدمار الشامل كالسلاح الجرثومي والكيماوي والنووي، متجاوزين بذلك كلّ حواجز الأخلاق والقيم الإنسانية.
إن هذا السعي المحموم لا يهدف إلا لتقويض بنيان (الدولة الوطنية) التي هي في حقيقتها الحصن المنيع الذي أقامه الحق - سبحانه - لإرساء موازين القسط وصيانة دماء العباد وأعراضهم؛ فهي المظلة التي يستظل بها الإنسان ليأمن على نفسه ودينه، إن المتطرف الذي يسعى لامتلاك السلاح الفتَّاك يظن بجهله أنه يتقرب إلى الله، وهو في الحقيقة يهدم (بنيان الله) الذي هو الإنسان؛ ذلك البنيان الذي أمر الوحي الشريف بتكريمه لا بترويعه، فالدولة بمؤسساتها وهيبتها هي التي تأخذ على يد الباغي ليأمن الضعيف ويستقر الساعي في مناكب الأرض، وهذا التطور الخطير في وسائل الإرهاب يستوجب تطورًا موازيًا في (فقه المواجهة) وفي (وعي الأمة)؛ لندرك جميعًا مكر هؤلاء الذين اتخذوا من المنجز العلمي وسيلة لهدم الحضارة لا لبناء العمران [سامي علي حامد عياد، استخدام تكنولوجيا المعلومات في مكافحة الإرهاب، دار الفكر الجامعي الإسكندرية، ۲۰۰۸ م، ص ٥٥].
يعد الإرهاب الإلكتروني نمطًا جديدًا وخطيرًا من حروب العصر، فهو حرب لا تعتمد على المتفجرات التقليدية، بل تنطوي على استغلال الثغرات التقنية في الأنظمة المدنية والعسكرية، مما يؤثر تأثيرًا مباشرًا على الأمن الوطني والعالمي، ويعرف الإرهاب الإلكتروني بأنه الإرهاب الناجم عن منتجات الحداثة والموجه لتدمير المنجزات الحضارية والثقافية بأساليب إجرامية متطورة، مستهدفًا المعلومات والبيانات لإحداث عنف ضد أهداف مدنية من قبل مجموعات مارقة [مشار إليه في مؤلف د. أحمد فلاح العموش،مستقبل الإرهاب في هذا القرن، ص ٩٠].
إن المأساة تكمن في التقاطع بين (العالم المادي) و(العالم الافتراضي)؛ فالعالم المادي هو الحيز الذي نعيش فيه ونمارس فيه أدوارنا، أما الافتراضي فهو المكان الذي تعمل فيه البرامج وتنتقل فيه البيانات، وحين تتقاطع هذه العوالم، تظهر أداة الإرهاب الإلكتروني كخنجر مسموم يهدد العالم، إن هذا النمط من الإرهاب يجري أحيانًا في حالة من الاسترخاء؛ حيث يستطيع المجرم الوصول لمنشأة أمنية وهو في كامل راحته، وهذا يذكرنا بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن «الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ» [أخرجه البخاري، رقم: ٧٠٩٦]، مما يستدعي من الدولة اليقظة التكنولوجية التامة.
وتتنوع صور هذا الإرهاب؛ فمنها: محاولات اختراق أنظمة التحكم الإنتاجي للمصانع، كتغيير مقادير الغذاء لقتل ملايين الأطفال، أو وضع (متفجرات رقمية) تؤدي لخسائر مادية وبشرية ونشر الهلع [د. عبد الرحمن بن عبد الله السند، وسائل الإرهاب الإلكتروني، ص ٥ وما بعدها]، كما يهدف إلى ضرب عصب الاقتصاد القومي عبر تدمير التحويلات المالية وقيمة الأسهم، واستهداف أنظمة الملاحة الجوية والقطارات لإحداث كوارث مروعة، إن أمثلة مثل: تدمير شبكة الصرف الصحي في أستراليا عام ٢٠٠٠م، أو اختراق جماعة (أوم) لنظام برمجة السيارات في اليابان، تبرهن على أن هؤلاء القوم قد نُزعت الرحمة من قلوبهم، فصاروا أعداء لـ (العمران) الذي أمر الله به في قوله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١]، إن الاستعمار هنا هو التعمير، والإرهاب الإلكتروني هو الخراب المحض.
أما الحديث عن الإرهاب النووي والكيماوي والبيولوجي، فهو حديث عن (عقيدة التوحش) في أقبح صورها، فمنذ تفكك الاتحاد السوفييتي، صارت المواد النووية كاليورانيوم عرضة للسرقة والتهريب [د. حسنين المحمدي بوادي، الإرهاب النووي لغة الدمار، ص ٥٩]، وإذا وقعت هذه المواد في يد المنظمات المتطرفة، فإننا سنكون أمام إرهاب لا يُبقي ولا يَذر، حتى وإن لم يصنعوا قنبلة فإن تلويث مياه الشرب بأملاح البلوتونيوم هو تهديد وجودي للبشرية.
وفي الجانب الكيماوي، نجد غازات الأعصاب مثل (السارين) و(التابون) التي اكتشفها الألمان واستخدمها الإرهابيون، كما حدث في مترو أنفاق طوكيو عام ١٩٩٤م؛ حيث زعم هؤلاء المارقون أنهم يخلون الأرض من الأشرار! إن هذا الفهم المعوج للدين هو (تطرف كيماوي) يحول رسالة (الرحمة للعالمين) إلى (نقمة على العالمين)، لقد أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [رواه البخاري، رقم : ١٠]، وهؤلاء لم يسلم البشر من غازاتهم ولا من سمومهم.
أما الإرهاب البيولوجي فهو أشد فتكًا؛ إذ يستخدم كائنات حية دقيقة تقتل الإنسان والحيوان والنبات، وسواء كانت أسلحة بيولوجية تقليدية أو مصممة وراثيًّا، فإنها تهدف لنشر الأوبئة مثل: (الإنثراكس) أو الطاعون [د. حسنين المحمدي بوادي، الإرهاب النووي لغة الدمار، ، ص ١٠٠-١٠٢]، إن هؤلاء الذين يدسون بودرة الموت في الرسائل البريدية يمارسون أبشع أنواع (الفساد في الأرض)، والله - عز وجل - يقول: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِی ٱلۡأَرۡضِ لِیُفۡسِدَ فِیهَا وَیُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، فالإرهابي البيولوجي هو العدو الأول للحرث والنسل، وعدو منهج الله في التعمير.
إن مواجهة هذه الأنماط المستحدثة من الإرهاب لا تتأتى إلا بدولة قوية تملك زمام التقنية وتحمي سيادتها الرقمية والمادية، إن الجماعات الإرهابية تستغل الإنترنت لتجنيد الشباب وبث الأفكار المسمومة والحصول على التبرعات من أصحاب القلوب الرحيمة الذين لا يدركون أن أموالهم تتحول إلى رصاصٍ في صدور جنودهم أو سمومٍ في هوائهم؛ لذا فإن (الوعي الوطني) هو الحصن الأول.
ويجب علينا كعلماء ومفكرين وأبناء وطن واحد أن نُرَّسِخ أن (الدولة الوطنية) هي صمام الأمان الذي يحمي الضروريات الخمس: (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)، إن محاربة التطرف ليست مجرد مواجهةٍ أمنية، بل هي معركة فكرية لإعادة تعريف الجهاد بوصفه (بناءً لا هدمًا)، ولترسيخ أن طاعة ولي الأمر في حماية الأوطان هي من طاعة الله: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: ٥٩]، إن استقرار الوطن هو الثمرة التي يقطفها الجميع، وضياع هيبة الدولة يعني غياب الأمان، وحين يغيب الأمان تضيع الأديان وتخرب الأبدان، إن نصرة الدولة في مواجهة الإرهاب الإلكتروني والنووي هي (واجب شرعي) وفريضة وطنية لضمان بقاء ﴿كُنتُمۡ خَیۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
إن الدولة الوطنية هي الأَمينة على مقاصد الشريعة وحرمة الأنفس، وهي الكيان الذي يحقق مراد الله في عمران الأرض، وإن الضرب على يد الإرهاب بشتى صوره المستحدثة يعد صيانة للميثاق الغليظ وحماية لبيضة الإسلام والديار، فلا بقاء للدين ولا استقرار للعبادة إلا في كنف وطن عزيز مهاب، تحرسه القوة الشرعية وتصونه هيبة المؤسسات؛ لذا فإن الالتفاف حول راية الوطن هو السبيل الوحيد لقطع دابر المارقين الذين اتخذوا من الدمار منهجًا وعقيدة، ليظل إنساننًا مكرمًا ووطننا آمنًا، وتستمر رسالة أمتنا في نشر قيم الحق والخير والجمال في العالمين أجمعين.
إن صيانة الأوطان من غوائل الفكر المنحرف تبدأ بامتلاك رؤية كلية تجمع بين سداد الفكر.
إن صيانة العقل الإنساني، وتزكية النفس البشرية، هما المبتدأ والخبر في بناء الأوطان.
إن صيانة العقول من لوثات الغلو هي الفريضة الغائبة التي بها تستقيم شؤون الدين والدنيا.