تُشرق سيرة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها كنموذجٍ فريد للفضل والبركة؛ إذ غيّر زواجها من سيدنا النبي ﷺ مسار قبيلتها من الأسر إلى العتق والحرية، فجمعت بين شرف المصاهرة النبوية والاجتهاد في الذكر ونقل العلم والسنن للأمة.
تُشرق سيرة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها كنموذجٍ فريد للفضل والبركة؛ إذ غيّر زواجها من سيدنا النبي ﷺ مسار قبيلتها من الأسر إلى العتق والحرية، فجمعت بين شرف المصاهرة النبوية والاجتهاد في الذكر ونقل العلم والسنن للأمة.
هي سليلةُ ذروةِ سنام بني المصطلق، ونشأت في بيتِ سيادةٍ ووجاهة، لتسوقها الأقدارُ لاحقًا من شرفِ النسبِ الرفيع إلى جلالِ المصاهرة النبوية العظيمة.
في لحظة تاريخية فارقة، تحول غبار المعركة إلى نور هداية، فكانت السيدة جويرية رضي الله عنها مفتاح الخير لأهلها؛ إذ لم تكن امرأة عادية، بل كانت "نسمة بركة" هبت على قومها ففكت قيودهم وأعتقت رقابهم ببركة زواجها الميمون.
بمجرد دخولها عتبات البيت النبوي، لم تكتفِ بتغيير مكان عيشها، بل طال التغيير جوهر اسمها وهويتها؛ فكان النبي ﷺ يزرع في روحها معاني التواضع والعبودية لله، ويحيطها بعنايته كأم للمؤمنين، لها ما لهن من الحقوق والمكانة العلية.
في ساحةِ المريسيع تحولت المحنةُ إلى منحةٍ، حين غدت جويريةُ رضي الله عنها أعظمَ النساء بركةً على قومها بعتقهم كرامةً لسيدنا رسول الله ﷺ.
بمجرد دخولها عتبات البيت النبوي، لم تكتفِ بتغيير مكان عيشها، بل طال التغيير جوهر اسمها وهويتها؛ فكان النبي ﷺ يزرع في روحها معاني التواضع والعبودية لله، ويحيطها بعنايته كأم للمؤمنين، لها ما لهن من الحقوق والمكانة العلية.
دخلت رحابَ البيتِ النبوي فغيّر سيدنا المصطفى ﷺ اسمها تفاؤلًا، وأسكنها في ذرى المجدِ زوجةً مصونةً وأمًا للمؤمنين ترفلُ في حجاب العفة والطهور.
انتقلت رضي الله عنها من محراب العبادة الخاصة إلى منبر التعليم العام، فوعى قلبها أحاديث المصطفى ﷺ، وحفظت عنه جوامع الكلم، لتصبح مروياتها مرجعاً لكل مسلم يبتغي الذكر والسكينة، وشاهداً على ذكائها وفضلها العلمي.
لم تكتفِ بالعبادةِ في محرابها، بل غدت مرجعًا علميًا يروي عن المصطفى ﷺ جوامعَ الكلمِ التي أضاءت للأمةِ سبلَ الذكر وفقه السنن.
الرواة عنها: نهل من علمها كبار الصحابة والتابعين، مما يؤكد منزلتها العلمية: رَوَى عَنْهَا أَبُو أَيُّوب يَحْيَى بن مَالك فِي الصَّوْم قَالَ أَحْمد بن سعد [أبو نصر الكلاباذي، الهداية والإرشاد (٢/٨٤٣)].
رَوَى عَنْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْعَتَكِيُّ، وَعُبَيْدُ بْنُ السَّبَّاقِ، وَالطُّفَيْلُ ابْنُ أَخِي جُوَيْرِيَةَ [أبي نعيم الاصبهاني، معرفة الصحابة (٦/٣٢٢٩)].
مكانة مروياتها في الكتب الستة: حظيت أحاديثها بالقبول المطلق لدى أئمة الحديث: روى لها مسلم حديثين، وكذلك البخاري، أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
روت جويرية عن النبي صلى الله عليه وسلم [ابن الاثير، أسد الغابة (٧/٥٨)]، وروى عنها: ابن عباس، ومولاه كُريب، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وأبو أيوب يحيى بن مالك الأزدي. [عبد الغني المقدسي، الكمال في أسماء الرجال (٢/٥٠)].
نماذج من أحاديثها:
١- في فضل الذكر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ صَلَّى الْغَدَاةَ، أَوْ بَعْدَمَا صَلَّى الْغَدَاةَ، وَهِيَ تَذْكُرُ اللهَ عز وجل، فَرَجَعَ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، أَوْ قَالَ: انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَهِيَ كَذَلِكَ، فَقَالَ: " لَقَدْ قُلْتُ مُنْذُ قُمْتُ عَلَيْكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ هُنَّ أَكْبَرُ وَأَرْجَحُ أَوْ أَوْزَنُ مِمَّا قُلْتِ: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَاءَ نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ" رَوَاهُ شُعْبَةُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، نَحْوَهُ[أبي نعيم الاصبهاني، معرفة الصحابة (٦/٣٢٣٠)].
٢- في فقه الطعام والصدقة: عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟» قُلْتُ: لَا إِلَّا أَعْظُمًا أُعْطِيَتْهُ مَوْلَاةٌ لَنَا مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ: «قَرِّبِي فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا» رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَعُقَيْلٌ، وَقُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ [أبي نعيم الاصبهاني، معرفة الصحابة (٦/٣٢٣١)].
٣- في ثياب الحرير: عَنِ الطُّفَيْلِ ابْنِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ حَرِيرٍ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبًا مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [أبي نعيم الاصبهاني، معرفة الصحابة (٦/٣٢٣١)].
٤- في الصيام: وفي صحيح البخاريّ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَقَالَ: أَصُمْتِ أَمْسِ، قَالَتْ: لَا، قَالَ: تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِينَ غَدًا، قَالَتْ: لَا، قَالَ: فَأَفْطِرِي» وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ: سَمِعَ قَتَادَةَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ: أَنَّ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَتْهُ: فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ. [البخاري (١٩٨٦)].
وعند مسلم من طريق الزّهريّ، عن عبيد بن السباق، عن جويرية بنت الحارث، قالت: دخلت علي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: «هل من طعام؟» الحديث.
٥- في سبب تسميتها: وفي صحيح مسلم كان اسمها برة، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم جويرية، كره أن يقال خرج من عند برة. [ابن حجر العسقلاني الإصابة في تمييز الصحابة (٨/٧٤)].
لكل شمس شروق وغروب، لكن شمس السيدة جويرية غابت جسداً لتبقى نوراً في صفحات التاريخ؛ فقد ودعت الأمة هذه الروح الطاهرة بعد سنوات من الصدق والوفاء للبيت النبوي، تاركة خلفها إرثاً لا يمحوه الزمن.
ودّعت الدنيا بعد حياةٍ زاهرةٍ بالنسكِ والفضل، لتبقى سيرةُ أمِّ المؤمنين برهانًا خالدًا على عظمةِ الإسلام في إعزازِ الصالحاتِ ورفعِ ذكرهنَّ في الخالدين.
رحلت أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها بعد حياة حافلة بالتقوى والزهد، مخلفةً وراءها مروياتٍ نبوية كريمة تضيء للمسلمين دروب العبادة، لتبقى ذكراها خالدةً كأعظم النساء بركةً على قومها، وشاهدةً على عظمة التشريع النبوي في صون الكرامة الإنسانية.
في سجلات الخالدين، لا يُقاس العمر بالأيام والسنين، بل بمقدار ما يتركه المرء من أثرٍ وحنين
أمهات المؤمنين هن زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم
يرى جمهور أهل السنة أن أهل البيت يشمل أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقاربه الذين حرمت عليهم الصدقة.
السيدة خديجة بنت خويلد "سيدة نساء قريش" ووزير صدق للنبي صلى الله عليه وسلم.
بَضْعَة سيدنا رسول الله ﷺ وسيدة نساء العالمين، والجهة المصطفوية الطاهرة.