ينحصر منهج الإمام البخاري في طلب الحديث في أمور ثلاثة: [العناية بالسند والمتن - رحلاته العلمية - حفظه ومعرفته بعلوم الحديث]
أولًا: العناية بالسند والمتن: منذ اتجه البخاري إلى طلب الحديث، وهو يُعني بالإسناد، فعرف الرجال، وتواريخهم وأحوالهم، وعنى بالمتن وأصوله، وكان لا يروي الموقوف الذي روى عن الصحابي، أو المقطوع الذي وقف على التابعي، إلا إذا كان له أصل من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة المسندة، يقول سليم بن مجاهد : "كنت عند محمد بن سلام البيكندي، فقال: لو جئت قبل لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث، فخرجت حتى لحقته، فقلت له: أنت تحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: نعم وأكثر، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروى حديثاً عن الصحابة والتابعين إلا ولى من ذلك أصل أحفظه من الكتاب أو السنة"؛ وهكذا هيأته عناية الله، وتوفيقه؛ لسلوك طريق العلم منذ صغره على أساس متين مع الاستعداد الفطري والعقلية الحادة، مما جعل لمروياته الثقة المتوفرة، كما أعانه على تحصيل العلم واستيعابه ما تركه والده من التراث العلمي النافع، فظل يحفظ ويناقش ويطلب العلم حتى ذاع صيته وأصبح موضع الإعجاب من شيوخه، وما أن بلغ من عمره ست عشرة سنة إلا وحفظ كتب عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح، وعرف مذاهب أهل الرأي وكلامهم.
ثانيًا: رحلاته العلمية: أما عن رحلات الإمام البخاري في طلب العلم؛ فقد كابد الأخطار في رحلاته، وبذل كثيراً من الجهود المضنية في طلب العلم، وتحرى الأحاديث الصحيحة، ولم يكتف الإمام البخاري فيما يرويه على ما جمعه من أحاديث بلده الذي يعيش فيه، وإنما هاجر ورحل إلى كثير من البلاد يجالس المحدثين والحفاظ؛ ليأخذ عنهم، ويسمع منهم، ولم يألُ جهدًا في استيعاب ما عند المحدثين حتى جمع الكثير من الحديث، وقد حفزه إلى الرحلة ما وفقه الله – تعالى- إليه من إلهامه الصواب، وتذليل طرق البحث والتعليم، وما كان يستشعره في نفسه من نهم علمي، وطموح مبكر، وتوجيه سديد.
وقد ابتدأ الإمام البخاري رحلته بمكة المكرمة مهبط الرسالة؛ ليؤدي فريضة الحج، فخرج هو وأمه، وأخوه أحمد سنة عشرة ومائتين ٠ ١ ٢هـ، وأقام الإمام البخاري بمكة يطلب العلم، ورجع أخوه أحمد إلى بخارى، وفي مكة سمع من أبى الوليد أحمد بن محمد الأزرقي، وإسماعيل بن سالم الصائغ، ثم اتجه بعد ذلك إلى المدينة المنورة دار الهجرة، وفي رحاب المسجد النبوي وبجوار صاحب الرسالة صلي الله عليه وسلم بدأ البخاري تأليف ما وفقه الله إليه، فصنف (قضايا الصحابة والتابعين)، ثم صنف (التاريخ الكبير)، قال البخاري: "فلما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب (قضايا الصحابة والتابعين)، ثم صنفت (التاريخ) في المدينة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت أكتبه في الليالي المقمرة، وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب).
ومكث الإمام البخاري في المدينة سنة، ثم رحل بعدها إلى البصرة، وأقام بها خمس سنين، وكان يتردد منها على مكة أيام الحج، يقول البخاري: (دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصى كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين).
وهكذا طوَّف البخاري في سبيل العلم في أقطار شتى، فمن مكة إلى المدينة والشام وبغداد والبصرة والكوفة ومصر وبخارى ومرو ونيسابور وقيسارية وعسقلان وحمص وخراسان، وكان لهذه الجهود التي بذلها من الأهمية ما يعطينا الثقة الكاملة بمروياته، يقول البخاري: (كتبت عن ألف شيخ أو أكثر ما عندي حديث لا أذكر إسناده).
ثالثًا: حفظه ومعرفته بعلوم الحديث: تميز الإمام البخاري منذ صغره بمواهب عظيمة منحه الله إياها، فكان لديه الاستعداد الفطري الذي فطره الله عليه: حافظةً قويةً، وعقليةً صافيةً، وعمل دائب، فلا غرو أن كان في حفظه ومعرفته بعلوم الحديث آية بهرت العقول، وقد سلك في دراسته أدق الطرق وأسماها، فكان ينمى ما عنده من القدرات بالجد والاجتهاد، والمداومة على المذاكرة.