Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإمام البخاري

الكاتب

أ.د/ أحمد عمر هاشم

البخاري  (١٩٤ - ٢٥٦ هـ - ٨١٠ - ٨٧٠ م)

الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤-٢٥٦هـ / ٨١٠-٨٧٠م)، أمير المؤمنين في الحديث، ولد في بخارى، ونشأ يتيمًا في بيت علم وورع، وقد ظهر نبوغًا مبكرًا، حيث ألهمه الله حفظ الحديث في العاشرة من عمره، وتفوق على شيوخه في الحادية عشرة بدقته في الأسانيد.

نسبه ومولده

هو أمير المؤمنين في الحديث، الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي ولاء؛ حيث أسلم جده المغيرة على يد اليمان الجعفي والى بخارى فانتمى إليه بالولاء، البخاري مولدًا.

ولد أبو عبد الله بمدينة بخاري، إحدى مدن ما وراء نهر جيحون على بعد ثمانية أيام من سمرقند من بلاد فارس، وهذه المدينة الآن تتبع ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي، وكانت ولادة البخاري بها يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة من الهجرة، الموافق ٠ ٨١م.

حياة والد البخاري وورعه وطلبه الحديث

كان والده ورعًا تقيًّا ومحدثًا فاضلًا، كما كان ثقة، ترجم له ابن حبان في كتاب (الثقات)، وقد خرج إسماعيل - والد البخاري - حاجاً قبل سنة ١٧٩هـ، وتقابل مع إمام المدينة مالك بن أنس، وحدث عن أبى معاوية بن صالح وجماعة، وروى عنه أحمد بن حفص وغيره من العراقيين، وبلغ إسماعيل في ورعه درجة عالية، فكان يبتعد عن الشبهات، وثروته الطائلة التي جمعها نقية خالصة استثمرها في الخيرات، روى عنه أحمد بن حفص قال: دخلت عليه عند موته فقال: "لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شبهة، فتصاغرت إلى نفسي".

وفاته

توفي الإمام البخاري - رحمه الله - ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين للهجرة، الموافق ٠ ٨٧ م عن عمر يناهز ٦٣ سنة.

نبوغه العلمي

في بيئة الطهر والورع، والدين والدنيا، استقبل بيت الحديث والنعمة محمد بن إسماعيل، وقد لبث الوالد قرير العين بابنه إلى أن عاجلته المنية، فترك ابنه طفلًا صغيرًا، فكفلته أمه وقامت بتربيته ورعايته وعقدت عليه أسمى الآمال، ثم وجهته إلى التعليم؛ لينسج على منوال أبيه، ويستفيد مما خلفه من ثروة العلم، فاتجهت به إلى الكُتاب؛ ليحفظ القرآن الكريم، والحديث الشريف، وما أن بلغ البخارِي العاشرةَ من عمره إلا وألهمه الله حفظ الحديث الشريف في هذه السن المبكرة، مما يدل على ما وهبه الله من قدرة فائقةٍ في الحفظ وقريحة وقَّادة فيه، يقول محمد بن أبى حاتم ورَّاق البخاري: سمعت البخاري يقول: "ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب، فقلت: كم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل".

ولهذا النبوغ الهائل انطلق الإمام البخاري في سن الحادية عشرة قاصدًا أئمة الحديث؛ لينهل من مواردهم، يساعده على ذلك عقلية واعية، وحافظة قوية، ومما يدل على نبوغه العلمي ما تحدث به عن نفسه في هذه المرحلة: "ثم خرجت من الكتاب فجعلت اختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ الناس: سفيان عن أبى الزبير عن إبراهيم، فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه، ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير وهو ابن عدى ابن إبراهيم، فأخذ القلم، وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت، قال: فقال له إنسان: ابن كم حين رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة".

منهج البخاري في طلب الحديث

ينحصر منهج الإمام البخاري في طلب الحديث في أمور ثلاثة: [العناية بالسند والمتن - رحلاته العلمية - حفظه ومعرفته بعلوم الحديث]

أولًا: العناية بالسند والمتن: منذ اتجه البخاري إلى طلب الحديث، وهو يُعني بالإسناد، فعرف الرجال، وتواريخهم وأحوالهم، وعنى بالمتن وأصوله، وكان لا يروي الموقوف الذي روى عن الصحابي، أو المقطوع الذي وقف على التابعي، إلا إذا كان له أصل من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة المسندة، يقول سليم بن مجاهد : "كنت عند محمد بن سلام البيكندي، فقال: لو جئت قبل لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث، فخرجت حتى لحقته، فقلت له: أنت تحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: نعم وأكثر، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروى حديثاً عن الصحابة والتابعين إلا ولى من ذلك أصل أحفظه من الكتاب أو السنة"؛ وهكذا هيأته عناية الله، وتوفيقه؛ لسلوك طريق العلم منذ صغره على أساس متين مع الاستعداد الفطري والعقلية الحادة، مما جعل لمروياته الثقة المتوفرة، كما أعانه على تحصيل العلم واستيعابه ما تركه والده من التراث العلمي النافع، فظل يحفظ ويناقش ويطلب العلم حتى ذاع صيته وأصبح موضع الإعجاب من شيوخه، وما أن بلغ من عمره ست عشرة سنة إلا وحفظ كتب عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح، وعرف مذاهب أهل الرأي وكلامهم.

ثانيًا: رحلاته العلمية: أما عن رحلات الإمام البخاري في  طلب العلم؛ فقد كابد الأخطار في  رحلاته، وبذل كثيراً من الجهود المضنية في طلب العلم، وتحرى الأحاديث الصحيحة، ولم يكتف الإمام البخاري فيما يرويه على ما جمعه من أحاديث بلده الذي يعيش فيه، وإنما هاجر ورحل إلى كثير من البلاد يجالس المحدثين والحفاظ؛ ليأخذ عنهم، ويسمع منهم، ولم يألُ جهدًا في  استيعاب ما عند المحدثين حتى جمع الكثير من الحديث، وقد حفزه إلى الرحلة ما وفقه الله – تعالى- إليه من إلهامه الصواب، وتذليل طرق البحث والتعليم، وما كان يستشعره في  نفسه من نهم علمي، وطموح مبكر، وتوجيه سديد.

وقد ابتدأ الإمام البخاري رحلته بمكة المكرمة مهبط الرسالة؛ ليؤدي فريضة الحج، فخرج هو وأمه، وأخوه أحمد سنة عشرة ومائتين ٠ ١ ٢هـ، وأقام الإمام البخاري بمكة يطلب العلم، ورجع أخوه أحمد إلى بخارى، وفي مكة سمع من أبى الوليد أحمد بن محمد الأزرقي، وإسماعيل بن سالم الصائغ، ثم اتجه بعد ذلك إلى المدينة المنورة دار الهجرة، وفي رحاب المسجد النبوي وبجوار صاحب الرسالة صلي الله عليه وسلم بدأ البخاري تأليف ما وفقه الله إليه، فصنف (قضايا الصحابة والتابعين)، ثم صنف (التاريخ الكبير)، قال البخاري: "فلما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب (قضايا الصحابة والتابعين)، ثم صنفت (التاريخ) في المدينة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت أكتبه في  الليالي المقمرة، وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب).

ومكث الإمام البخاري في المدينة سنة، ثم رحل بعدها إلى البصرة، وأقام بها خمس سنين، وكان يتردد منها على مكة أيام الحج، يقول البخاري: (دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصى كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين).

وهكذا طوَّف البخاري في سبيل العلم في أقطار شتى، فمن مكة إلى المدينة والشام وبغداد والبصرة والكوفة ومصر وبخارى ومرو ونيسابور وقيسارية وعسقلان وحمص وخراسان، وكان لهذه الجهود التي بذلها من الأهمية ما يعطينا الثقة الكاملة بمروياته، يقول البخاري: (كتبت عن ألف شيخ أو أكثر ما عندي حديث لا أذكر إسناده).

ثالثًا: حفظه ومعرفته بعلوم الحديث: تميز الإمام البخاري منذ صغره بمواهب عظيمة منحه الله إياها، فكان لديه الاستعداد الفطري الذي فطره الله عليه: حافظةً قويةً، وعقليةً صافيةً، وعمل دائب، فلا غرو أن كان في حفظه ومعرفته بعلوم الحديث آية بهرت العقول، وقد سلك في دراسته أدق الطرق وأسماها، فكان ينمى ما عنده من القدرات بالجد والاجتهاد، والمداومة على المذاكرة.

المنهج السليم للحفظ

يقول البخاري موضحًا المنهج السليم للحفظ: "لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهمة الرجل ومداومة النظر". كما كان يستعين على تثبيت المعلومات بربطها بما يحيط بها، كما كان يربط بين أقوال الصحابة والتابعين وبين الكتاب والسنة حتى يتضح القول في ذهنه من جميع الجوانب، فسبق علماء النفس بهذا المنهج التربوي في الدراسة.

الامتحان الصعب الذي اجتازه البخاري بنجاح

ومما يشهد للبخاري بسعة حفظه، ومعرفته بعلوم الحديث ما رواه أحمد بن الحسين الرازي، قال: (سمعت أبا أحمد بن عدى الحافظ يقول: سمعت عدة من مشايخ بغداد يقولون: إن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا به، وأرادوا امتحان حفظه، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا عليه الموعد للمجلس، فحضروا وحضر جماعة من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فما زال يلقى عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ، والبخاري يقول: لا أعرفه، وكان العلماء ممن حضروا المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فهم الرجل، ومن كان لم يدر القصة يقضى على البخاري بالعجز والتقصير، وقلة الحفظ، ثم انتدب رجل من العشرة أيضًا فسأله عن حديث من الأحاديث المقلوبة، فقال: لا أعرفه، فسأل عن آخر، فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقى عليه واحدًا واحدًا حتى فرغ، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على (لا أعرفه)، فلما علم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فقلت كذا: وصوابه كذا، وحديثك الثاني كذا وصوابه كذا، والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك؛ فأقر الناس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل).

يقول ابن حجر: (هنا يخضع للبخاري، فما العجب من رد الخطأ إلى الصواب، فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة).

وفي هذا الامتحان الصعب الذي اجتازه الإمام البخاري بنجاح باهر ما يدل على قوة ذاكرته، وبلوغه في الإحاطة بالحديث حدًا لم يصله سواه حتى أقر له الجميع بالإمامة والفضل.

البخاري حجة في معرفة علوم الحديث

كان الإمام البخاري حجة في معرفة علوم الحديث، ولم يتصدر للتحديث إلا بعد إحاطته بالصحيح من السقيم، كما قال: "ما جلست للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرت في كتب أهل الرأي".

وهكذا تتضح شخصيته العلمية، متكاملة الجوانب في مجال السنة المطهرة، يجمع بين حفظ الأسانيد والمتون، والإحاطة الدقيقة بعلل الحديث، مما جعله مرجعًا لكبار العلماء، قال أحمد بن حمدون الحافظ: "رأيت البخاري في جنازة، ومحمد بن يحيى الذهلي يسأله عن الأسماء والعلل، والبخاري يمر فيه مثل السهم كأنه يقرأ: "قل هو الله أحد".

شهادة العلماء له بالسبق والإمامة

لقد شهد الإمام مسلم للبخاري – رضي الله عنهما- بالسبق والإمامة معترفًا له بالفضل، قال أحمد بن حمدون: "جاء مسلم بن الحجاج إلى البخاري فقبله بين عينيه، وقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأساتذة، ويا سيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله".

كما شهد له أيضا أبو عيسى الترمذي، قال: "لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل".

كما شهد له أقرانه وشيوخه، وأثنوا عليه عاطر الثناء، فلا غرابة أن يلقب بأمير المؤمنين في الحديث، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

أهم مؤلفاته

ومن مؤلفاته: كان للإمام البخاري –رضي اله عنه- مجال فسيح في التأليف يدل على أفقه العلمي الواسع، ومعرفته الفائقة بأحوال الرواة، فكتب في كل ما يتصل بالسنة النبوية الشريفة، ومن تلك المصنفات الماتعة:

١ - الجامع الصحيح (صحيح البخاري).

٢ - الأدب المفرد.

٣ - رفع اليدين في الصلاة.

٤- بر الوالدين.

٥ - التاريخ الكبير.

٦ - التاريخ الأوسط.

٧ - التاريخ الصغير.

٨ - كتاب الضعفاء.

٩ - كتاب التفسير الكبير.

٠ ١ - القراءة خلف الإمام.

١١ - الكُنى.

١٢ - العلل.

١٣ - أسامي الصحابة.

١٤ - كتاب الأشربة.

١٥ - كتاب الوحدان وهو من ليس له إلا حديث واحد.

١٦ - كتاب الهبة.

١٧ - كتاب المسند الكبير.

١٨ - كتاب المبسوط.

١٩ - كتاب الفوائد.


مراجع للاستزادة:

١ - الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٢١٣.

٢ – النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر ص ٧ مخطوط بمكتبة الأزهر.

٣ - مقدمة فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر ص ٤٧٩.

٤ - هدى الساري لابن حجر ص ٤٧٩.

الخلاصة

الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤-٢٥٦هـ / ٨١٠-٨٧٠م)، أمير المؤمنين في الحديث، ولد في بخارى، ونشأ يتيمًا في بيت علم وورع، وقد ظهر نبوغًا مبكرًا، حيث ألهمه الله حفظ الحديث في العاشرة من عمره، وتفوق على شيوخه في الحادية عشرة بدقته في الأسانيد.

وله منهجه في طلب الحديث يتمثل في العناية الفائقة بالسند والمتن، ورحلاته العلمية الواسعة إلى حواضر العالم الإسلامي، وحفظه المذهل لعلوم الحديث مما جعله حجة في هذا الفن، امتحن في بغداد باختبار الأحاديث المقلوبة، فأعاد كل متن إلى إسناده الصحيح، مما أقر له العلماء بالإمامة والفضل، وشهد له الإمام مسلم والترمذي وغيرهما بالسبق والإمامة في علم الحديث، ومن أبرز مؤلفاته: الجامع الصحيح، الأدب المفرد، والتاريخ الكبير.

موضوعات مختارة