وهذا قريب مما يقرره القشيري
(ت٤٦٥هـ) في معنى الفناء حيث يرى أن "من استولى عليه سلطانُ الحقيقة، حتى لم
يشهد من الأغيار لا عينًا ولا
أثرًا ولا رسمًا ولا طللاً فقد فَنِى عن الخلق، وبقي بالحق". (الرسالة القشيرية، القشيري:
ص٦٨)
فإذا قيل: لقد فني
الإنسان عن نفسه وعن الخلق، فنفسه موجودة والخلق موجودون، ولكن لا علم له بهم ولا
به، ولا إحساس ولا خبر، فتكون نفسُه موجودة والخلق موجودين، ولكنه غافل عن نفسه
وعن الخلق أجمعين، غير حاس بنفسه وبالخلق، وذلك لكمال اشتغاله بما هو أرفع منهما.
ويذكر
القشيري أنك ربما ترى الرجل يدخل على ذي سلطان أو محتشم في هيبة فيذهل عن نفسه
وأهل مجلسه وهيئات ذلك
الصدر، وهيئات نفسه، فلا يمكنه الإخبار عن شيء، وقد قال الله تعالى في شأن نسوة يوسف -عليه السلام-: {فَلَمَّا
سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً
وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ
فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ
لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: ٣١].
فهذا تغافل
مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق آخر، فما ظنك بمن يكاشف بشهود الحق سبحانه وتعالى،
فلو تغافل عن إحساسه بنفسه وأبناء جنسه فأية أعجوبة فيه؟. (الرسالة القشيرية، القشيري:
ص٦٨)
ويرى الهجويري (ت نحو ٤٧٠هـ) أن الاصطلام هو
"شهود تجليات الحق التى تجعل الإنسان مقهورًا، حتى يكون عدمًا، فالقلب
الممتحن والمصطلم سيان، ولو أن الاصطلام في اصطلاح الصوفية أشد وضوحًا وأبين من
الامتحان". (كشف المحجوب، الهجويرى: ص٤٧٣)
وعند
ابن عربي (ت٦٣٨هـ) أن الاصطلام هو نعت (وقيل: نوع) وَلَهٍ يرد على القلب فيسكن تحت
سلطانه. (اصطلاحات الصوفية،
ابن عربي: ص١٥)
وفي الباب الثاني
والثلاثين بعد المائتين من "فتوحاته" يقول شيخ الصوفية الأكبر تحت عنوان "مقام الاصطلام":
للاصطلام على القلوب تحكم وله على كل النعوت
تقدم
يعطى التحير في العقول وجوده وهو السبيل من الإله
الأقوم
من قال زدني فيك ربّ تحيرًا ذاك المؤمل والنبي الأعلم
لولاه ما عرف الإله ولا درت ألباب أهل الله أين هم هم
الاصطلام
في اصطلاح القوم وَلَه يرد على القلب، سلطانه قوي، فيسكن من قام به نعته، وهو أن العبد إذا
تجلى له الحق في سره في صورة الجمال أثر في نفسه هيبة،
فإن الجمال نعت الحق تعالى، والهيبة نعت العبد، والجمال
نعت الحق، والأنس نعت العبد، فإذا اتصف العبد بالهيبة لتجلى الجمال -فإن الجمال
مهوب أبدًا- كان عن الهيبة أثر في القلب وخدر في الجوارح.