Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الاصطلام

الكاتب

أ.د/ محمد أبو خليف

الاصطلام

الاصطلام عند الصوفية، فهو حالة من الفناء والغيبوبة التامة عن الوجود الذاتي والخلق بسبب استغراق القلب في تجليات الحق. تبدأ هذه الحالة بالذهول وتتطور إلى غيبوبة كاملة عن الحواس، حتى يصل فيها العبد إلى رؤية نفسه جزءًا من الوجود الإلهي، وهي إحدى أعلى مقامات الوله والقرب.

تعريف الاصطلام في اللغة

يقال في اللغة: صَلَمَه صَلَمَا: قطعه واستأصله، وغلب استعماله في الأذن والأنف، وصَلَّمَه: بالغ في قطعه، واصطلم الشيء أي: قطعه يقال: اصطلمهم الدهر أو الموت أو العدو: استأصلهم وأبادهم، والأصلم: المقطوع الأذن. (المعجم الوسيط مادة (صلم)                                                       

وفي لسان العرب: الاصطلام: الاستئصال، واصطُلِم القوم: أُبيدوا. والاصطلام: الإبادة، فإذا أبيد قومٌ من أصلهم قيل: اصطُلموا. وفي حديث الفتن:

«وتصطلمون في الثالثة»، والاصطلام: افتعال من الصلم: القطع. (النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: ٣/٤٩)                                                           

 وفي حديث الهدي والضحايا: «ولا المصْطَلَمةُ أطباؤها». أي: المقطوعة ضروعها. (أخرجه الطبراني)                                                             

 وفي حديث عاتكة بنت عبد المطلب: «لئن عُدتم ليصطمنكم». (رواه الهيثمي في مجمع الزوائد تحت رقم ١٥٣٩٦).  

الاصطلام عند الصوفية

قال أبو نصر السَّرَّاج (ت٣٧٨هـ): الاصطلام: نعتُ غلبةٍ يَرِدُ على العقول فيستلبها بقوة سلطانه وقهره.

وقال بعضهم: «قلوب ممتَحَنَةٌ وقلوب مصْطَلَمَة»، وإن وقع الاصطلام فهو ذهابه وطمسه، قال:

إذا ما بَدَتْ لى تعاظَمْتُها                                  فأُصْدِرُ في حالِ مَنْ لم يَرِدْ

فَيُصْطَلَمُ الكُلُّ مِنِّى بها                                        ويُحْجَبُ عَنِّى ما أجد 

(اللمع، السراج الطوسى: ص٤٥٠).

أقوال بعض العلماء في الاصطلام

 وهذا قريب مما يقرره القشيري (ت٤٦٥هـ) في معنى الفناء حيث يرى أن "من استولى عليه سلطانُ الحقيقة، حتى لم يشهد من الأغيار لا عينًا ولا أثرًا ولا رسمًا ولا طللاً فقد فَنِى عن الخلق، وبقي بالحق". (الرسالة القشيرية، القشيري: ص٦٨)

فإذا قيل: لقد فني الإنسان عن نفسه وعن الخلق، فنفسه موجودة والخلق موجودون، ولكن لا علم له بهم ولا به، ولا إحساس ولا خبر، فتكون نفسُه موجودة والخلق موجودين، ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين، غير حاس بنفسه وبالخلق، وذلك لكمال اشتغاله بما هو أرفع منهما.

ويذكر القشيري أنك ربما ترى الرجل يدخل على ذي سلطان أو محتشم في هيبة فيذهل عن نفسه وأهل مجلسه وهيئات ذلك الصدر، وهيئات نفسه، فلا يمكنه الإخبار عن شيء، وقد قال الله تعالى في شأن نسوة يوسف -عليه السلام-: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: ٣١].

فهذا تغافل مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق آخر، فما ظنك بمن يكاشف بشهود الحق سبحانه وتعالى، فلو تغافل عن إحساسه بنفسه وأبناء جنسه فأية أعجوبة فيه؟. (الرسالة القشيرية، القشيري: ص٦٨)

ويرى الهجويري (ت نحو ٤٧٠هـ) أن الاصطلام هو "شهود تجليات الحق التى تجعل الإنسان مقهورًا، حتى يكون عدمًا، فالقلب الممتحن والمصطلم سيان، ولو أن الاصطلام في اصطلاح الصوفية أشد وضوحًا وأبين من الامتحان". (كشف المحجوب، الهجويرى: ص٤٧٣)

وعند ابن عربي (ت٦٣٨هـ) أن الاصطلام هو نعت (وقيل: نوع) وَلَهٍ يرد على القلب فيسكن تحت سلطانه. (اصطلاحات الصوفية، ابن عربي: ص١٥)

وفي الباب الثاني والثلاثين بعد المائتين من "فتوحاته" يقول شيخ الصوفية الأكبر تحت عنوان "مقام الاصطلام":

للاصطلام على القلوب تحكم                             وله على كل النعوت تقدم

يعطى التحير في العقول وجوده                         وهو السبيل من الإله الأقوم

من قال زدني فيك ربّ تحيرًا                             ذاك المؤمل والنبي الأعلم

لولاه ما عرف الإله ولا درت                              ألباب أهل الله أين هم هم

الاصطلام في اصطلاح القوم وَلَه يرد على القلب، سلطانه قوي، فيسكن من قام به نعته، وهو أن العبد إذا تجلى له الحق في سره في صورة الجمال أثر في نفسه هيبة،

فإن الجمال نعت الحق تعالى، والهيبة نعت العبد، والجمال نعت الحق، والأنس نعت العبد، فإذا اتصف العبد بالهيبة لتجلى الجمال -فإن الجمال مهوب أبدًا- كان عن الهيبة أثر في القلب وخدر في الجوارح.

أثره وعلامته

وحكم ذلك الأثر اشتعال نار الهيبة فيخاف لذلك سطوته فيسكن.

وعلامته فيه في الظاهر خدر الجوارح وموتها، فإن تحرك مَنْ هذه صفته فحركته دورية حتى لا يزول عن موضعه، فإنه يخيل إليه أن تلك النار محيطة به من جميع الجهات فلا يجد منفذًا فيدور في موضعه، كأنه يريد الفرار منه، إلى أن يخف ذلك عنه بنعت آخر يقوم به، وهو حال ليس هو مقامًا.

 ولما كان هذا الاصطلام نعت الشبلى (ت٣٣٤هـ) كان يدور لضعفه وخوفه، غير أن الله كانت له عناية به فكان يرده إلى إحساسه في أوقات الصلوات فإذا أدى صلاة الوقت غلب عليه حال الاصطلام بسلطانه.

 فقيل للجنيد (ت٢٩٧هـ) -رضى الله عنه- فقال: أمحفوظ عليه أوقات الصلوات؟ فقيل: نعم. فقال الجنيد: الحمد لله الذي لم يجر عليه لسان ذنب».

ومن عجائب حكم الاصطلام – كما يرى ابن عربى – أنه يجمع بين الضدين؛ فإن الخدر ينفي الحركة، فما هو مخدور الجوارح بل هو محرّك يدار به، وهو صاحب خدر، هكذا يحسه من نفسه. (الفتوحات المكية، لابن عربي: ٢/٥٣٣)

الاصطلام عند الكاشاني (ت نحو ٧٣٠هـ) هو: "الوله الغالب على القلب وهو قريب من الهيمان". (معجم اصطلاحات الصوفية: الكاشانى: ص٥٥)

ويشير عبد الكريم الجيلي (ت٨٢٠هـ) إلى أن الاصطلام: "هو غيبوبة العبد عن وجوده بجاذب من الحضرة الإلهية الذاتية، فيذهب عن حسه، ويفنى عن نفسه. وهذا مقام السكر". (الإنسان الكامل، الجيلي: ٢/٤)

 وينقل عن الشيخ أحمد التجاني (ت١٢٣٠هـ) في حقيقة الاصطلام: أن أوله ذهول عن الأكوان وهو المعبر عنه بالسكر، ووسطه فناء عنها مع علمه بفنائه، وأعلاه فناؤه عنها وفناؤه عن فنائه، والمرتبة العليا منه أن يشهد نفسه عين ذلك الوجود، وهو المعبر عنه بالسحق والمحق. (موقع على الإنترنت: بعنوان: رباط الفقراء إلى الله تعالى)

وقيل: إن الاصطلام هو غلبات الحق الذي يجعل كُليَّة العبد مغلوبة له بامتحان اللطف في نفي إرادته. (المعجم الصوفي، عبد المنعم الحفني: ص٢٤.)

وقيل: هو حرارة الولع بأشواق القرب.

الخلاصة

 الاصطلام في اللغة يعني القطع والاستئصال. أما في الاصطلاح الصوفي، فهو حالة من الوله أو الغيبوبة التي تصيب العبد بسبب جاذب من الحضرة الإلهية، فيفنى عن نفسه وعن الوجود من حوله. هذه الحالة تُوصف بأنها غلبة تَجَلِّيات الحق على قلب العبد، فتجعله مقهورًا، وقد تتدرج من الذهول عن الأكوان إلى الفناء عنها ثم الفناء عن الفناء.

موضوعات ذات صلة

العلاقة الوطيدة بين الدين والتصوف تكشف عن الدور الذي يلعبه التصوف في إبراز الجانب الروحي العميق للدين.

الميثاق ليس مجرد كلمة في صفحات الكتب، بل هو عهد أزلي بين الروح وخالقها.

لصمت ليس مجرد حبس للسان؛ بل هو عبادةٌ خفيّة تتهذّب بها الأرواح، وتصفو بها الأسرار.

موضوعات مختارة