ومهما كانت دوافع
الهجوم على التصوف فإن خصوم التصوف – قديمًا وحديثًا - قد هاجموا التصوف مهاجمة
شديدة، وحاربوه حربا لا هوادة فيها.
وكان من أشد هؤلاء
وأطولهم نفسا في الهجوم على الصوفية من القدامى أبو الفرج بن الجوزي (٥٩٧هـ) الذي
ألف كتابا سماه تلبيس إبليس حاول أن يلفت فيه النظر إلى مكائد إبليس ومصائده التي
يوقع بها الناس في الضلال عن دينهم.
وقد اتسم هجومه بالشدة، وقد ذهب إلى أن
السبب الأصلي في تلك الأخطاء التي وقع فيها الصوفية يرجع إلى أن إبليس أغواهم بترك العلم، وزين لهم الاكتفاء بما يعتقدون أنه علم ذوقي لدني، وتفرع على ذلك ما
وقعوا فيه من غلو وإسراف ومبالغة تتعلق بزهدهم فى الدنيا، وإيثارهم الجوع والعزلة،
وتركهم العمل والتداوي من المرض بدعوى التوكل، وقعودهم بلا عمل في الزوايا والرباطات،
واعتمادهم على غيرهم في معاشهم، وتركهم الزواج تشبها بالرهبان.
ويمكن القول بأن بعض ما قاله
ابن الجوزي في نقد الصوفية كان له ما يسوغه من سلوك بعض الصوفية وآرائهم وخاصة لدى
من وقعوا في المغالاة، وقد كان من هؤلاء من دخلوا إلى الصحراء بغير زاد، وقعدوا عن
العمل بدعوى التوكل، أو ظنوا أن التصوف هو لبس المرقعات وحضور مجالس السماع
والإنشاد التي يقال فيها قصائد الغزل، وذكر الحكايات عن كرامات الشيوخ وإطلاق
العبارات التي توهم أن صاحبها من أهل الكشف والشهود والولاية.
ولقد كان ابن الجوزي على حق في
نقده لتلك الأمور وأمثالها مما يجري مجراها، ولكن حملته القاسية قد أوقعته في
التحامل أحيانا كما أنها استدرجته إلى التعميم أحيانا أخرى، ومن دلائل ذلك اتهامه
للصوفية بترك العمل والتكاسل عن طلبه، وقد قال ابن الجوزي نفسه عن أقوال شيوخ التصوف ما يدحض هذا الاتهام
بالنسبة لبعض الصوفية على الأقل وهو يروي قول سهل التستري لرجل جاء إليه يحمل دواة
حبر: اكتب وإن استطعت أن تلقى الله وبيدك المحبرة والكتاب فافعل، وقال مرة أخرى:
ما من طر يق إلى الله أفضل من العلم، فإن عدلت
عن طريق العلم خطوة تهت في الظلام أربعين صباحا. (تلبيس إبليس ص٣١٣، ٣١٤)
وكان أبو القاسم الجنيد يقول: علمنا هذا
مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم عن
علمنا.
وقد دعا السري السقطي للجنيد
بقوله: جعلك الله صاحب حديث صوفيا ولا جعلك صاحب حديث.
ويفسر أبو طالب المكي تلك
العبارة؛ بقوله: يعني إذا ابتدأت بعلم الحديث ومعرفة الأصول والسنن ثم تزهدت وتعبدت
تقدمت في علم الصوفية وكنت صوفيا عارفا، وإذا ابتدأت بالتعبد والتقوى والحال شغلت بها
عن العلم والسنن، فخرج إما شاطحا أو عالما لجهلة بالأصول فالسنن، فأحسن أحوالك أن
ترجع إلى العلم الظاهر وكتب الحديث. (قوت القلوب: ١/٣٢٢)