الفناء
والبقاء من أهم موضوعات التصوف قديما وحديثا، وهما في الدرجة العليا
والأخيرة في منازل السائرين، وهما توحيد الخاصة: التوحيد الخالص، والمعرفة
الكاملة.
فقد نقل السراج الطوسى عن الجنيد أنه سئل عن توحيد الخاصة، فقال: أن يكون العبد
شبحا بين يدى الله عز وجل، تجرى عليه تصاريف تدبيره في مجاري أحكام قدرته، في
لجج بحار توحيده، بالفناء عن نفسه وعن دعوة الخلق له، وعن استجابته بحقائق وجود
وحدانيته في حقيقة قربه بذهاب حسه وحركته لقيام الحق سبحانه له فيما أراد منه، وهو
أن يرجع آخر العبد إلى أوله، فيكون كما كان قبل أن يكون.
ونقل عن بعضهم: الوحدانية: بقاء الحق وفناء كل ما دونه. ( اللمع: ٣٤،٣٦.)
ويقول ابن عربى ت٦٣٨هـ فى كتابه التجليات: التوحيد: فناؤك عنك وعنه وعن الكون وعن الفناء. ( ابن عربى التجليات:٤٢٨، ضمن
رسائل ابن عربى، المكتبة التوفيقية.)
-الفناء والبقاء الدرجة الأخيرة فى معارج الوصول:
وقع فى كلام الصوفية ما يفهم منه أن الفناء والبقاء درجات عليا وأخيرة
فى مراتب السلوك، ومعارج الوصول، بل غاية ونهاية الطريق، بل هى الوصول ذاته إلى
الله تعالى.
فعند ابن عربى: الفناء هو الدرجة
الأخيرة فى المعراج العقلى للنفس التى ترتفع باستبعاد كل ما سوى الله تعالى إلى
مشاهدة الوجود المحض المطلق الخالى من كل
علاقة وحالة، ومن كل اسم وصفة. ( أثين
بلاثيوس، ابن عربي حياته
ومذهبه:٢٢٧-٢٢٨، ترجمة د/ عبد الرحمن بدوي، الأنجلو المصرية ١٩٦٥.)
وعبر عنهما السهروردي بالغاية والنهاية،
فقد قال فى عوارف المعارف: والعبد لا يتحقق بهذا المقام العالى والحال العزيز الذي
هو الغاية والنهاية، وهو أن يملك الاختيار بعد ترك التدبير والخروج من الاختيار،
إلا بإحكامه هذه الأربعة التى ذكرناها «صحة الإيمان، التوبة، الزهد، دوام العمل
لله»؛ لأن ترك التدبير فناء وتمليك التدبير والاختيار من الله تعالى لعبده ورده
إلى الاختيار تصرف بالحق، وهو مقام البقاء. ( فتوح الغيب: ٤٠.)
وعبر عنهما عبد القادر الجيلانى بالوصول إلى الله عزَّ
وجلَّ فقد قال: ومعنى الوصول إلى الله عز وجل: خروجك عن الخلق والهوى والإرادة والمنى،
والثبوت مع فعله ومن غير أن يكون منك حركة فيك ولا فى خلقه بك، بل بحكمه وأمره وفعله،
فهي حالة الفناء يعبر عنها بالوصول.
صلة الفناء والبقاء بالأحوال والمقامات:
الفناء والبقاء عند الصوفية أعلى درجات الطريق الصوفي،
وأرقى مراتب السلوك.
والطريق الصوفي الذي يسلكه المريد هو الأحوال والمقامات؛ فهى أخص
موضوعات التصوف وأهمها، بل هي علم التصوف.
المراد بالأحوال والمقامات عند الصوفية:
أولا: الأحوال:
عبر جمهور الصوفية عنها بأنها معانٍ ترد على
القلب، من غير تعمد ولا اجتلاب ولا اكتساب، مثل: الخوف و الرجاء، والقبض و البسط،
و الشوق، وعبر عنها السراج الطوسي -حسب ما ذهب إليه الجنيد - بأنها نازلة تنزل بالعبد في الحين،
فتحل بالقلب من وجود الرضا والتفويض وغير ذلك وتزول، وقال: وعند غيره -غير الجنيد-
ما يحل بالأسرار من صفاء الأذكار ولا يزول، فإذا زال فلا يكون ذلك حالا.
ثانيا: المقامات:
وهي ما يتحقق به العبد بمنازلته من الآداب؛
مما يتوصَّل إليه بنوع تصُّرفَ، ويتحقق به بضرب تطلُّب، ومقاساة تكلف، مثل التوبة
والزهد والصبر والتوكل والرضا.
وقد عبر الطوسي عن المقام بأنه: الذي يقوم بالعبد في الأوقات
مثل مقام الصابرين والمتوكلين، وقال: وهو مقام العبد بظاهره وباطنه في هذه
المعاملات والمجاهدات والإرادات، فمتى أقام العبد فى شيء منها على التمام فهو
مقامه حتى ينتقل منه إلى مقام آخر. ( الرسالة
القشيرية:٣٤، اللمع: ٣٣٦-٣٣٧.)
الأحوال مواهب والمقامات مكاسب:
على لسان السادة الصوفية: الأحوال مواهب والمقامات مكاسب،
والأحوال مواريث الأعمال، وصاحب المقام ممكن في مقامه، وصاحب الحال مترق عن حاله.
ومعنى هذا: أن الأحوال نوازل تنزل بالقلوب، ونسمات روحية تهب على المريد، من
غير تصنع منه، ولا قدرة على اجتلابها أو اكتسابها عن طريق المجاهدة والعبادات
والرياضات، ولا قدرة له على إزالتها أو الإبقاء عليها، بخلاف المقامات؛ فإنها
مكاسب تأتي ببذل المجهود.
يقول السهروردى: ولما كان الأصل في
الأحوال هذه الحالة (نازل المشاهدة) وهي أشرف الأحوال، وهي محض موهبة لا تكتسب،
سميت كل المواهب من النوازل بالعبد أحوالا، لأنها غير مقدورة للعبد بكسبه، فأطلقوا
القول وتداولت ألسنة الشيوخ أن المقامات مكاسب، والأحوال السموات ومتنزل البركات
.( عوارف المعارف: ٤٢٤.)
صاحب الأحوال مترقٍ فى أحواله:
حكي عن الجنيد أنه قال: الحال نازلة تنزل بالقلوب فلا
تدوم. بمعنى أن صاحب الحال مترق عن حاله، وأن حاله لا تدوم، وقد ذهب إلى هذا
المذهب أكثر الصوفية، بعضهم يرى أن زوالها بظهور صفات النفس، وبعضهم يرى أن زوالها
بانتهاء الوقت، سواء يعقبه المثل أولا، فإذا دام صار مقامًا.
وهذا المذهب هو ما تشعر به التسمية، فالحال سمى حالاَ لتحوله، فالأحوال كما تحلُّ بالقلب تزول فى الوقت، قال بعضهم: الأحوال كالبروق، فإن
بقي فحديث نفس.
وأنشدوا:
لو لم تَحُلْ ما سميت حالا وكل ما حال فقد زالا (اللمع: ٤٦، التعريفات ٣٣٧، الرسالة القشيرية
٣٤- ٣٥.)
أما من رأى أن الأحوال ما يحل بالقلوب من صفاء الأذكار فإنه ذهب إلى
أنها دائمة لا تزول، فإن زالت لا تكون حالاً بل لوائح وطوالع وبواده، وهي مقدمات
الأحوال لم يصل صاحبها بعد إلى الأحوال.
وقد تناقل الصوفية في هذا الصدد ما حكي عن أبي عثمان الحيرى ت٢٩٨هـ أنه قال: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهْتُه.
فهذه إشارة إلى دوام الرضا، والرضا من جملة
الأحوال عند بعضهم، ويكون منه حالاً ثم يصير مقامًا عند بعضهم . (اللمع: ٤٦، ٣٣٧، الرسالة القشيرية: ٣٥، ٩٧، عوارف المعارف: ٤٢٥.)
وقد وفق الإمام القشيري بين المذهبين
المذكورين بأن من أشار إلى بقاء الأحوال فصحيح
ما قال، فقد يكون الحال شربًا لأحد فيربي
فيه، ولكن لصاحب هذه الحال أحوال هي طوارق لا تدوم فوق أحواله التي صارت شربا له،
فإذا دامت هذه الطوارق له كما دامت الأحوال المتقدمة ارتقى إلى أحوال أخرى فوق هذه
وألطف من هذه، فأبدًا يكون في الترقي. (الرسالة القشيرية:
٣٥.)
- تكامل وتداخل الأحوال والمقامات:
الأحوال والمقامات تتداخل، فيشتبه الحال بالمقام، والمقام بالحال، فيترائى الشيء للبعض حالا، وللبعض
مقاما، لكنها تتكامل، فقد يكون الشيء حالا فيصير مقاما، مثل أن ينبعث من باطن
العبد داعية المحاسبة، ثم تزول الداعية بغلبة صفات النفس ثم تعود، ثم تزول، فلا
يزال العبد حال المحاسبة يتعاهد الحال، ثم يحوّل الحال بظهور صفات النفس إلى أن
تتداركه المعونة الإلهية ويغلب حال المحاسبة، وتنقهر النفس وتنضبط،
وتتملكها المحاسبة فتصير المحاسبة وطنه ومستقره ومقامه، فيصير فى مقام المحاسبة
بعد أن كان له حال المحاسبة، ثم ينازله حال المراقبة، فمن كانت المحاسبة مقامه
يصير له من المراقبة حال.
إذن الحال يدخل فى المقام، والمقام لا ينفصل عن الحال،
فالمقامات طرق الأحوال من جهة، وفيها تبطن الأحوال من جهة أخرى، وفي الأحوال تبطن
المكاسب وتظهر المواهب.
يشير السهروردى إلى أن المكاسب
محفوفة بالمواهب، والمواهب محفوفة بالمكاسب، وأن الأحوال مواجيد، والمقامات طرق
المواجيد، ولكن فى المقامات ظهر الكسب وبطنت المواهب، وفى الأحوال بطن الكسب وظهرت
المواهب، فالأحوال مواهب علوية سماوية، والمقامات طرقها، ويشير إلى أن
المقامات مقيدة بالأحوال، ولا تفرد لها دون سابقة الأحوال، فلابد لها من زائد
الأحوال، دون العكس، إذ المواهب في الأحوال غالبة وهي ليست مقيدة، فصارت إلى ما لا
نهاية له؛ إذ مواهبه تعالى غير متناهية، فمنها ما يصير مقاما ومنها ما لا يصير، ولطف
سنى الأحوال أن يصير مقامًا ( التعرف لمذهب أهل
التصوف ١٤٩- ١٥٠.)
الفناء والبقاء حالان متكاملان:
الفناء والبقاء بالمعنى الذي يقصده أكثر الصوفية وهو الغيبة عن
شهود الكائنات وعدم الإحساس بعالم الملك والملكوت أحوال، وقد دأب مشايخ
الصوفية على إدراجهما في قسم الأحوال في ترتيب منازل الوصول، أما بمعنى سقوط
الأوصاف المذمومة ووجود الأوصاف المحمودة، فإنهما مكتسبان يحصلان بالرياضات. ويبدو
من إطلاق الصوفية هذين المصطلحين مقترنين أنهما متنافيان أو متقابلان، وليس الأمر
كذلك؛ فإنه من الواضح من إشارات الصوفية أنهما متكاملان؛ إذا تحقق العبد
بأحدهما كان الآخر مستترًا فيه، فمن فني عن أوصافه المذمومة ظهرت عليه الصفات المحمودة،
ومن ترك مذموم أفعاله فني عن شهواته، ومن فني عن شهواته بقي بإخلاصه فى عبوديته،
ومن فني عن توهم الآثار من الأغيار بقي بصفات الحق.
لذلك ذهب بعض الصوفية إلى أنهما حال واحدة، فجعل الفناء بقاء،
كما جعل الجمع تفرقة، وأن هذه الحال تجتمع مع كل الأحوال التي تعبر عنها العبارات
المزدوجة كالجمع والتفرقة، و الغيبة والشهود والسكر والصحو؛ وذلك من حيث إن الفاني
عما له باق بما للحق، والباقي بما للحق فانٍ عما له، والمفارق مجموع؛ لأنّه لا
يشهد إلا الحقّ، والمجموع مفارق؛ لأنّه لا يشهد إياه ولا الخلق، وهو باق لدوامه مع
الحق، وهو جامعه به، وهو فان عما سواه مفارق لهم، وهو غائب سكران؛ لزوال التمييز
عنه.
قال الكلاباذى: والبقاء الذي يعقبه
هو أن يفنى عما له ويبقى بما لله. (المصدر السابق: ١٥٠ - ١٥٣.)
الفناء وصحة العبودية:
عبر الكلاباذى عن رؤية الصوفية في مصدر الفناء
حيث قال: فالفناء: فضل من الله ، وموهبة للعبد، وإكرام منه له، واختصاص له به.
وليس هو من الأفعال المكتسبة، وإنما هو شيء يفعله الله بمن اختصه لنفسه واصطنعه له، وليس مقام الفناء
يدرك بالاكتساب؛ فيجوز أن يكتسب ضده، وقد قرر ذلك ودفع ما قد يعارض به كالإيمان،
أو الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها. (المصدر السابق: ١٥٠ - ١٥٣.).
ولا يعني الصوفية بأنه موهبة ظهوره فجأة
وانعدام الأحوال والمقامات المهيئة له، فإنهم يرون أنه يقع بعد سلسلة من الأحوال
والمقامات، ويتحقق دائما في المراحل الأخيرة لطريق السلوك والمعرفة، وكأنه ثمرة
لمختلف المجاهدات والرياضات الصوفية تنزل على العبد وتمنح له دون قدرة منه على
اجتلابها واكتسابها. وقد عبر عن ذلك شيوخ الصوفية في إشاراتهم، فقد روى عن أبي يعقوب النهرجوري أنه سئل عن صحة علم الفناء والبقاء،
فقال: تصحبه العبودية في الفناء والبقاء، واستعمال علم الرضا، ومن لم تصحبه
العبودية في الفناء والبقاء فهو مدعٍ.
وروى عن بعضهم أنه قال: علم الفناء
والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من
المغاليط والزندقة. (اللمع: ٢٢٢، طبقات الصوفية: ٩٨.)
هذه الإشارات ونظائرها تسد بابًا يمكن
أن ينفذ منه المدعون الكاذبون أو الزنادقة الملحدون.
البقاء أكمل من الفناء:
أجمع مشايخ الصوفية على أن البقاء أكمل من الفناء على أي معنى اصطلحا
فيه مما يشير إلى أن الفناء ليس غاية عند الصوفية، ولا يعبر عن الكمال الأعلى في
حياتهم، وبالأحرى ما يقارنه من شطح أو انفعالات مرضية، بل الغاية عندهم البقاء.
فالفناء عندهم لا يعدو أن يكون حالاً لتطهير النفس عما سوى الله تعالى
يتطلع السالك إلى تجاوزه إلى مرحلة البقاء، والبقاء أكمل وأتم، فهو شعور بالذات
وبالسوى، أما الفناء فهو ذهول وغيبة عن النفس والسوى فقد جاء فى لطائف المنن لابن عطاء
الله السكندرى ت٧٠٩هـ:
فاعلم أنهما ولايتان: وليّ يفنى عن كل شيء، فلا يشهد مع الله تعالى
شيئا، ووليّ يبقى في كل شيء، فيشهد الله تعالى في كل شيء، وهذا أتم؛ لأن الله
تعالى لم يظهر المملكة حتى يشهد فيها. (ابن عطاء الله السكندرى: لطائف المنن ٢٨، تحقيق د. حسن جبر – دار
الحسين الإسلامية – القاهرة ٢٠٠٢م..)
والبقاء مطلوب لنفسه، فهو مستقر ومقام وغاية، بينما الفناء مطلوب
لغيره، فهو وسيلة لبلوغ تلك الغاية التي هي البقاء. يقول ابن عطاء الله السكندري:
فالفناء دهليز البقاء، ومنه يدخل إليه،
فمن صدق فناؤه صدق بقاؤه. ويشير إلى الفرق بين الفناء والبقاء بقوله: فالفناء
يوجب عذرهم، والبقاء يوجب نصرهم، الفناء يوجب غيبتهم عن كل شيء، والبقاء يحضرهم مع
الله تعالى في كل شيء، فلا ينقطعون عنه في شيء، الفناء يميتهم والبقاء يحييهم. [ابن عطاء
الله السكندري: لطائف المنن ٢٨،
تحقيق د. حسن جبر – دار الحسين الإسلامية – القاهرة ٢٠٠٢م. ص ٢٤ ].