Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

اتجاهات المسلمين نحو التصوف (٢)

الكاتب

أ. د/ عبد الحميد مدكور

اتجاهات المسلمين نحو التصوف (٢)

من الأسباب الرئيسة التي جعلت وجود فريق يهاجم التصوف منذ نشأته، صعوبة فهم العقول العادية لأذواق الصوفية ومعارفهم، أو إلى خطأ ارتكبه أحدهم فيتم تعميمه على الجميع. كما أن من أبرز خصوم التصوف ابن الجوزي، الذي رغم نقده الشديد لبعض ممارسات الصوفية، إلا أنه لم ينكر التصوف في ذاته كمنهج في تهذيب النفس وتزكيتها.

موقف الناس من التصوف

غير أن الساحة لم تقتصر على هؤلاء الذين يعجبون بالتصوف أو يدافعون عنه بل شاركهم فيها منذ بدأت نشأة التصوف من يهاجمون التصوف ويشنون عليه الحملات ويكيلون لأهله الاتهامات.

ويتحدث الشعراني الذي كان يعيش في القرن العاشر الهجري (ت ٩٧٣)‏ عن ذلك فيقول: إن الكلام في هذه الطائفة لم ينقطع من عصر ذي النون المصري، وأبى يزيد البسطامي (من صوفية القرن الثالث الهجري) إلى وقتنا هذا.

ويؤكد هذا بسرد قائمة كبيرة من الصوفية الذين كانوا موضعا للهجوم والاتهام، وهو يفسر الهجوم على الصوفية بأسباب منها: علو أذواقهم،  وسمو معارفهم إلى مستوى يجعل من الصعب على كثير من العقول إدراكها وفهمها، لأنها ليست من معارف العقل المعتاد؛ ولأنها تأتى بغتة من غير نقل ونظر، ولذلك أنكرها الناس وجهلوها، ومن أنكر طريقا من الطرق عادى أهله،  ثم يضيف الشعراني إلى ذلك سببا آخر هو كراهة غالب الناس أن يكون لأحد شرف بمنزلة أو اختصاص، ومبعث ذلك هو الحسد والبغضاء، وبَيَّنَ أن الأنبياء أنفسهم لم ينجوا من إنكار الناس عليهم أن يكونوا أهلا لاصطفاء الله لهم لمنصب النبوة.

وأوضح صوفي آخر – من قبل -هو أبو عبد الله محمد بن خفيف (٣٧١هـ) أن من أسباب الهجوم على الصوفية أن خصومهم ربما عثروا على خطأ لأحد الصوفية فلا يكتفون بالهجوم على هذا الصوفي وحده، بل يهاجمون الصوفية جميعًا أي: أنهم يؤاخذون جمهور الصوفية بجريرة واحد منهم، وليس الصوفية بمعصومين عن الخطأ، ولكن الإنصاف يقتضي أن يكون الهجوم أو الاتهام مقصورا على من يستحقه، خاصة إذا تبرأ الصوفية من هذا القول وردوه على صاحبه.

على أن من أهم الأسباب التى أدت إلى الهجوم على التصوف تلك الآراء المنحرفة التى قال بها بعض المنتسبين إلى التصوف ممن زاغت بصائرهم، أو تلك الآراء التي اقتبسها بعض الصوفية من صوفية آخرين من خارج الإسلام كالحلول، ووحدة الوجود، ونحوها.

وعلى الرغم من أن جمهور الصوفية وقف لهذه الآراء بالمرصاد وأعلن براءته منها، كان لهذه الآراء أثر سيئ على التصوف كله، فلقد كانت أشبه ببقعة الحبر التي يمكن أن تتسبب في تعكير كمية كبيرة من المياه.

ممن وقفوا للتصوف بالمرصاد

ومهما كانت دوافع الهجوم على التصوف فإن خصوم التصوف – قديمًا وحديثًا - قد هاجموا التصوف مهاجمة شديدة، وحاربوه حربا لا هوادة فيها.

وكان من أشد هؤلاء وأطولهم نفسا في الهجوم على الصوفية من القدامى أبو الفرج بن الجوزي (٥٩٧هـ) الذي ألف كتابا سماه تلبيس إبليس حاول أن يلفت فيه النظر إلى مكائد إبليس ومصائده التي يوقع بها الناس في الضلال عن دينهم.

وقد اتسم هجومه بالشدة، وقد ذهب إلى أن السبب الأصلي في تلك الأخطاء التي وقع فيها الصوفية يرجع إلى أن إبليس أغواهم بترك العلم، وزين لهم الاكتفاء بما يعتقدون أنه علم ذوقي لدني، وتفرع على ذلك ما وقعوا فيه من غلو وإسراف ومبالغة تتعلق بزهدهم فى الدنيا، وإيثارهم الجوع والعزلة، وتركهم العمل والتداوي من المرض بدعوى التوكل، وقعودهم بلا عمل في الزوايا والرباطات، واعتمادهم على غيرهم في معاشهم، وتركهم الزواج تشبها بالرهبان.

ويمكن القول بأن بعض ما قاله ابن الجوزي في نقد الصوفية كان له ما يسوغه من سلوك بعض الصوفية وآرائهم وخاصة لدى من وقعوا في المغالاة، وقد كان من هؤلاء من دخلوا إلى الصحراء بغير زاد، وقعدوا عن العمل بدعوى التوكل، أو ظنوا أن التصوف هو لبس المرقعات وحضور مجالس السماع والإنشاد التي يقال فيها قصائد الغزل، وذكر الحكايات عن كرامات الشيوخ وإطلاق العبارات التي توهم أن صاحبها من أهل الكشف والشهود والولاية.

ولقد كان ابن الجوزي على حق في نقده لتلك الأمور وأمثالها مما يجري مجراها، ولكن حملته القاسية قد أوقعته في التحامل أحيانا كما أنها استدرجته إلى التعميم أحيانا أخرى، ومن دلائل ذلك اتهامه للصوفية بترك العمل والتكاسل عن طلبه، وقد قال ابن الجوزي نفسه عن أقوال شيوخ التصوف ما يدحض هذا الاتهام بالنسبة لبعض الصوفية على الأقل وهو يروي قول سهل التستري لرجل جاء إليه يحمل دواة حبر: اكتب وإن استطعت أن تلقى الله وبيدك المحبرة والكتاب فافعل، وقال مرة أخرى: ما من طر يق إلى الله أفضل من العلم، فإن عدلت عن طريق العلم خطوة تهت في الظلام أربعين صباحا. (تلبيس إبليس ص٣١٣، ٣١٤)

‏وكان أبو القاسم الجنيد يقول: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم عن علمنا.

وقد دعا السري السقطي للجنيد بقوله: جعلك الله صاحب حديث صوفيا ولا جعلك ‏صاحب حديث.

ويفسر أبو طالب المكي تلك العبارة؛ بقوله: يعني إذا ابتدأت بعلم الحديث ومعرفة الأصول والسنن ثم تزهدت وتعبدت تقدمت في علم الصوفية وكنت صوفيا عارفا، وإذا ابتدأت بالتعبد والتقوى والحال شغلت بها عن العلم والسنن، فخرج إما شاطحا أو عالما لجهلة بالأصول فالسنن، فأحسن أحوالك أن ترجع إلى العلم الظاهر وكتب الحديث.   (قوت القلوب: ١/٣٢٢)

المطلوب في كل الأحوال الاعتدال

والمطلوب في كل الأحوال هو الاعتدال كما يقول الخراز، ولذلك ينصح المريد بأن يأخذ من الحلال ما لا بد منه على قدر معرفته بنفسه، وعليه ألا يحملها فوق طاقتها فتنقطع، وألا يصير معها إلى ما تهواه من السرف، ولكن يأخذ ما يقيمها بلا تقتير ولا سرف في الطعام واللباس والمسكن.                           (انظر: الخراز أبو سعيد، الطريق إلى الله أو كتاب الصدق: ٣٤) 

خلاصة كلام ابن الجوزي في التصوف

وعلى الرغم من تحامل ابن الجوزي على الصوفية يمكن أن نستخلص من كلامه عنهم ما يدل على أنه لا ينكر طريق التصوف في ذاته، وإنما ينكر ما وقع فيه من أخطاء، ويدل على ذلك قوله في أول حديثه عن التصوف.

إن هذا الاسم ظهر قبل سنة مائتين، وأن أوائل الصوفية عبروا عن التصوف بعبارات كثيرة حاصلها أن التصوف هو رياضة النفس ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق السيئة إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح فى الدنيا والثواب في الآخرة، ثم نقل من أقوال الصوفية ما يدل على هذه المعاني وعلق عليها بقوله: وعلى هذا كان أوائل القوم. (انظر: تلبيس إبليس: ١٥٧-١٥٨)

‏وربما كان رأيه هذا هو الذي جعله يخصص كتابا كبيرا من كتبه هو صفة الصفوة ‏الذي يقع في أربعة أجزاء، وفيه يترجم للصوفية ويحكى أحوالهم على نحو ما فعل الصوفية في كتب طبقات الصوفية والنساك والأولياء.

من خصوم التصوف

ولا يفوتنا بعد أن أوضحنا رأى ابن الجوزي أن نشير إلى أن خصوم التصوف لم يكونوا من الفقهاء أو المحدثين فقط بل كان من بينهم – كذلك- بعض علماء الكلام وبخاصة من متكلمي المعتزلة، كما كان من بينهم بعض الفلاسفة كابن باجة وابن رشد بسب الطابع العقلى الغالب على فلسفتهما.

دفاع الصوفية

ولا يفوتنا كذلك أن نشير إلى أن الصوفية لم يقفوا أمام الهجوم عليهم مكتوفي الأيدي، بل دافعوا عن أنفسهم وأوضحوا آراءهم، ودفعوا عنها الشبهات، ثم انتقلوا أحيانا إلى موقع الهجوم فقدموا وجهات نظرهم وساقوا ملاحظاتهم وانتقاداتهم لتلك العلوم الأخرى وأصحابها ومن ثم وجدنا لهم آراء في نقد بعض رجال الفقه والحديث وبعض علماء الكلام، كما أنهم أوضحوا أن منهجهم في المعرفة يسمو على منهج الفلاسفة، ونكتفي بهذه الإشارة العابرة عن تفصيل كثير لا يتسع له المقام.(انظر مثلاً المغنى للقاضي عبد الجبار ج١٥، النبوات وتدبير المتوحد لابن باجه، ومناهج الأدلة لابن رشد).

الخلاصة

الهجوم على التصوف تعود أسبابه إلى صعوبة فهم العقول لمعارف الصوفية وأذواقهم الروحانية، أو إلى إدانة جميع الصوفية بسبب خطأ فرد منهم. وأن ابن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس" كان من أشد المهاجمين، لكنه مع ذلك لم يُنكر التصوف في ذاته، بل انتقد الانحرافات التي ظهرت فيه، مما يؤكد أن الاعتدال هو المنهج المطلوب.

موضوعات ذات صلة

نشأ التصوف كحركة روحية مميزة في منتصف القرن الثاني الهجري، وازداد انتشاره بعد ذلك.

إذا كان هناك فريق يتعصب للتصوف وينتصر له، وفريق يهاجم التصوف وينقده.

الاصطلام عند الصوفية، فهو حالة من الفناء والغيبوبة التامة عن الوجود الذاتي والخلق بسبب استغراق القلب في تجليات الحق.

موضوعات مختارة