تراوحت هذه المواقف بين الإعجاب الشديد بالتصوف والرفض
القوي له، وبين هذين الموقفين المتعارضين تماما وجدت بعض الآراء التي حاول أصحابها
أن يتخذوا موقفا وسطا بين الفريقين، وسوف
نحاول توضيح ذلك على النحو التالى:
كان للتصوف
أنصاره والمعجبون به، ومن الطبيعي أن يكون في مقدمة هؤلاء الأنصار الصوفيةُ أنفسهم؛
لأن انتسابهم إلى التصوف وتثبيتهم لدعائمه وتوضيحهم لأسسه خير شاهد على أنهم يجدون
فيه من الفضيلة والكمال ما لا يجدونه في سواه، ولأن تمسكم به، على الرغم مما نالهم
من الأذى أحيانا، خير دليل على اقتناعهم به وولائهم له، وحديث الصوفية عن التصوف
ورجاله حديث مملوء بالإعجاب والفخر.
فالتصوف عندهم
هو طريق موصل إلى ولاية الله تعالى، وهو مدرسة لتخريج الأولياء (كشف
المحجوب ٢/٤٤٢)
والصوفية كما يقول السهر وردي صاحب عوارف المعارف (٦٣٢هـ): "هم أهل القرب
والاجتباء، ألبسهم الله تعالى ملابس العرفان، وخصهم بين عباده بخصائص الإحسان،
فصارت ضمائرهم من مواهب الأنس مملوّة، ومرائي قلوبهم بنور القدس مجلوة، فتهيأت
لقبول الأمداد القدسية، واستعدت لورود الأنوار العلوية، أجسادٌ أرضية بقلوب سماوية،
وأشباح فرشية أرضية بأرواح عرشية، نفوسهم في منازل الخدمة سيارة، وأرواحهم في فضاء
القرب طيارة.
تسلَّوا
بالصلوات عن الشهوات، وتعوضوا بحلاوة التلاوة عن اللذات، يلوح من صفحات وجوههم بشر
الوجدان، وينم عن مكنون سرائرهم نضارة العرفان ... أوفر الناس حظا في الاقتداء
برسول الله، وأحقهم بإحياء سنته، والتخلق بأخلاقه، علومهم علوم الوراثة فهم
مع سائر العلماء في علومهم، ثم تميزوا عنهم بما من الله تعالى عليهم من العلم الذى
هو ثمرة الاتباع والتقوى". (عوارف
المعارف، ملحق بالإحياء للغزالي ٥/٥٩)
وعلى نفس المنوال ينسج
الكلاباذي (٣٨٠هـ) واصفا إياهم بما يذكره عنهم:
قوم
همومهم بالله قد علقت
فما
لهم همم تسمو إلى أحد
فمطلب القوم مولاهم وسيدهم
يا حسن مطلبهم للواحد الصمد
ما إن
تنازعهم دنيا ولا شرف
من المطاعم
واللذات والولد
ولا للبس
ثياب فائق أنق
ولا لروح
سرور حل في بلد
(التعرف
لمذهب أهل التصوف ص٢٦)
وتتردد تلك
النغمة الحارة في الإشادة بالصوفية في مقدمات كتب الصوفية وفي أثنائها وفي الحديث
عن شيوخهم وأعلامهم. ومن أمثلة ذلك ما كتبه القشيرى (٤٦٥هـ) في مقدمة رسالته حيث
يصف الصوفية بأنهم صفوة الأولياء، وأفضل الخلق بعد الأنبياء؛ ولذلك جعل الله
قلوبهم معادن أسراره واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره. (القشيرية: ١/١٨)
ولم ينفرد
الصوفية بهذا الإعجاب بالتصوف، بل إن
التصوف كان قادرا على أن يضم إلى رحابه أناسا لم يكونوا في مبدأ أمرهم من الصوفية،
بل رسخت مكانتهم وشاعت شهرتهم في ميادين أخرى من ميادين الثقافة الإسلامية وعلى
رأس هؤلاء، وفي الطليعة منهم يأتي الإمام أبو حامد الغزالي (٥٠٥ هـ) الذي كان من أكبر علماء الشافعية في الفقه
والأصول.
ومن أبرز الأشاعرة في مجال علم الكلام والعقيدة، ومن أشهر الذين تصدوا
للفلسفة بعد أن قرأ كتبها وعرف مواطن ضعفها، وألف في نقدها كتابه الشهير تهافت
الفلاسفة، وقد كان الإمام الغزالى أحد القائمين بالتدريس في المدرسة النظامية
بنيسابور ثم انتقل إلى بغداد للتدريس بالمدرسة النظامية بها.
وكان له فيها كثير من التلاميذ، ثم حدثت له أزمة نفسية دفعته إلى الشك في معارفه وفي
نيته في طلب العلم وتدريسه له، فحاول أن يلتمس طريقا إلى اليقين ورأى أن يمهد لذلك
بدراسة المناهج التي يزعم أصحابها أنهم يبتغون بها طلب الحق والوصول إليه.
وقد حصر هؤلاء في أربع فرق: فرقة المتكلمين، وفرقة
الباطنية التي هي طائفة من طوائف الشيعة القائلين بالاقتباس من الإمام المعصوم،
وفرقة الفلاسفة الذين يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان، وفرقة الصوفية الذين يَدَّعون
أنهم خواص الحضرة الإلهية وأهل المشاهدة والمكاشفة فبدأ بدراسة علم الكلام وقد ذكر
أنه لم يجد في علم الكلام شفاء لدائه، ولا وفاء بمطلوبه وهو اليقين.
ثم درس الفلسفة
ليعرف حقيقتها وليكون على بينة من أمرها: قبولا أو رفضا، واستغرقت تلك الدراسة ما
يقرب من ثلاث سنوات استطاع بعدها أن يعرف مذاهبها وعقائد أصحابها وقد انتهت تلك
الدراسة إلى تكفير قسم من الفلاسفة بسبب آرائهم في الإلهيات.
ولما ظهر له من
أن العقل ليس مستقلا بالإحاطة بجميع المطالب ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات،
فانتقل إلى دراسة مذهب الباطنية التعليمية وتبين له عدم كفايته أيضا، بل تبين له
أنه لا طائل لكلامهم ولا علم لديهم، وأن آراءهم لم تنتشر إلا لعدم العناية بالرد
عليهم.
ولم يبق أمامه
إلا طريق الصوفية فأقبل بهمته عليه، وظهر له
أن طريقهم يتكون من علم وعمل، فبدأ بالعلم، وساقه ذلك إلى مطالعة كتب الصوفية مثل
قوت القلوب لأبى طالب المكى، وكتب الحارث المحاسبى، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد،
والشبلي، وأبي يزيد البسطامي، ثم تبين له أن أخص خواصهم لا يمكن الوصول إليها
بالتعلم بل بالعمل والذوق والمجاهدة.
وتردد في سلوك
طريق الصوفية مدة استمرت نحو ستة أشهر ظل فيها مترددا - كما يقول - بين شهوات
الدنيا ودواعي الآخرة، وأورثه التردد حيرة وقلقا واضطرابا حتى أصيب بما يشبه الخرس،
فلم يعد قادرا على التدريس وترتب على ذلك أحزان أدت إلى ضعف قوته واعتلال بدنه،
وعندئذ لجأ إلى الله لجوء المضطر وسأله عونه وهدايته فاستجاب الله دعاءه وهون على
قلبه الإعراض عن الجاه والمال والأولاد.
فترك بغداد وذهب
إلى الشام فلبث بدمشق مدة تقرب من سنتين لم يكن له فيها شغل إلا الرياضة النفسية
والخلوة والمجاهدة والاشتغال بالذكر وتهذيب الأخلاق، ثم رحل إلى بيت المقدس ومنها
إلى مكة والمدينة، ثم رجع بعد ذلك إلى بغداد ولكنه آثر العزلة؛ حرصا على السلامة وتصفية
القلب للذكر
واستمر على هذا
النحو عشر سنوات انكشف له في أثنائها - كما يقول -أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها
وقد لخص رأيه في الصوفية والتصوف بقوله: «والقدْر الذي أذكره ليُنتفع به أني علمت يقينا أن
الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب
الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق؛ بل لو جُمِع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين
على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم لم يجدوا إليه سبيلا،
فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة. (المنقذ من
الضلال: ١٧٧، ١٧٨)
وقد كان للغزالى أثر كبير فى
انتشار التصوف وتحسين صورته والتمكين له بين المسلمين وكان
لهذا الانتصار أثره في تشجيع انتشار الطرق الصوفية الكبرى التي وجدت في القرن
السادس الهجري.
وما بعده كالقادرية نسبة إلى السيد عبد
القادر الجيلاني والرفاعية نسبة إلى السيد
أحمد الرفاعي، والأحمدية نسبة إلى السيد أحمد البدوي، والشاذلية نسبة إلى الشيخ
أبى الحسن الشاذلي، وغير ذلك من الطرق التى انتسب إليها عشرات
الآلاف بل الملايين من المسلمين الذين نظروا إلى التصوف على أنه طريق النجاة
ووسيلة القرب من الله، وأنه لا سبيل إلى مقارنة غيره به في الفضل والكمال.
ولم يكن العامة وحدهم هم الذين تأثروا
بالغزالي وموقفه من التصوف؛ بل تأثر به بعض علماء الكلام ورجال الفقه ومن أمثلة
هذا التأثر بين علماء الكلام أننا نجد فخر الدين الرازي (٦٠٦هـ) يذكر في كتابه
اعتقادات فرق المسلمين والمشركين أن أكثر من تحدث عن فرق الأمة لم يذكر الصوفية
بين هذه الفرق وذلك خطأ؛ لأن حاصل قول الصوفية أن الطريق إلى معرفة الله تعالى هو التصفية
والتجرد من العلائق البدنية. وهذا طريق حسن، ثم تحدث عن فرق الصوفية فذكر من بينهم
أصحاب الحقيقة الذين يؤدون الفرائض ويشتغلون بذكر الله اشتغالا دائما. ثم يصفهم
بأنهم خير فرق الآدميين.
(الكليات الأزهرية، ص ١١٥)
ومن أمثلة هذا التأثر بين الفقهاء أننا نجد قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب السبكي (٧٧١ هـ) يعيب طائفة من الفقهاء بأنها تهزأ بأهل التصوف
وتعيب عليهم بعض الأقوال والأحوال، ويرى أن الواجب تسليم أحوال القوم لهم، وحمل
كلامهم على محمل حسن كلما أمكن ذلك، ثم يقول: إننا جربنا فلم نجد فقيها ينكر على
الصوفية إلا ويهلكه الله، وتكون عاقبته وخيمة؛ وذلك لأنهم أهل الله تعالى وخاصته
وأكثر من يقع فيهم لا يفلح. (انظر: معيد النعم ومبيد
النقم، السبكي ط١: ص ٩٩).
وهكذا وجدنا من بين
علماء الكلام ورجال الفقه من يتعاطف مع الصوفية،
ويثنى على علومهم، ويدافع عنهم ضد من يهاجمهم.