المجاهدة في اللغة: مأخوذة من الفعل (جَهَد) بمعنى
جدَّ، ويقال: جهد في الأمر، أي طلبه حتى وصل إلى الغاية، وبلغ المشقة، وجهد بفلان:
امتحنه، وجاهد العدو مجاهدة، وجهادًا: قاتله، واجتهد: بذل ما في وسعه. (مجمع اللغة العربية:
المعجم الوسيط، الطبعة الثالثة ١/١٤٧ مادة (جهد).)
وأصل المجاهدة "المفاعلة" حيث يقال: قد جهد فلان فلانًا
على كذا – إذا كربه وشق عليه – يجاهد جهدًا، فإذا كان الفعل من اثنين كل
واحد منهما يكابد من صاحبه شدة ومشقة، قيل: فلان يجاهد فلانًا – يعني أن كل واحد
يفعل بصاحبه ما يجهده ويشق عليه – فهو يجاهده مجاهدة وجهادًا (الطبرى: تفسير ٢/٣٦٧.) وهي بذلك تعنى الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل وبذل
الوسع، كما تعنى المحاربة(الجرجانى: التعريفات
ص١٨٠.)، واستفراغ الوسع في مدافعة العدو، ومغالبته.
أما معنى المجاهدة في الاصطلاح: فإنها
تأتى بمعان متعددة، فهى تعنى محاربة النفس الأمارة بالسوء بتحميلها ما يشق
عليها بما هو مطلوب في الشرع وحملها على المشاق البدنية ومخالفة الهوى. ويقصد بها –
أيضًا – بذل الوسع في فعل ما يرضى الله تعالى وترك ما يسخطه، واستدامة الجد وترك
الراحة. وقال بعض أكابر الصوفية: "ما أخذنا التصوف من القيل والقال
ولكن من الجوع، وترك الدنيا، وقطع المألوفات، وترك جميع المستحسنات. ومبنى طريق
القوم (أي الصوفية) في معاملاتهم لله تعالى على حسن المبايعة"
كما يراد بالمجاهدة كف النفس عن إرادتها من الشغل
بغير العبادة، والافتقار إلى الله عن كل ما سواه.
ويقول الألوسي عند تفسير قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}
[الحج:٧٨]: إنه شامل لجميع أنواع المجاهدة، ومنها جهاد النفس، وهو
بتزكيتها، بأداء الحقوق، وترك الحظوظ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه بالكونين،
وجهاد الروح بإفناء الوجود [عماد الدين الأموى:
حياة القلوب ص٢٣٧]. وقال
ابن بطال: "جهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل"( الآلوسى: روح المعانى ١٧/٢١٣.).
ويقول البغوي عند تفسير قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩]، قيل: المجاهدة:
هى الصبر على الطاعات. قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى، وقال الفضيل بن
عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به. وقال سهل بن عبد
الله: والذين جاهدوا إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وروى عن ابن عباس:
والذين جـاهـدوا في طاعتنـا لنهديـنهم سبـل ثوابنا" [ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح
البخاري ١١/٣٣٧- ٣٣٨].
وفي تفسير قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} قال الإمام القرطبى: "قيل عنى به
جهاد الكفار. وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به والانتهاء عن كل ما
نهى الله عنه، أي وجاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في
رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم. كما روى حيوة بن شريح
يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل" (ابن حجر: فتح البارى
١١/٣٣٧- ٣٣٨.)
ويرى الحكيم الترمذى – وهو من أكابر الصوفية – أن الله تبارك اسمه قد أمر
بالجهاد "فصار الجهاد على ضربين: مجاهدة العدو بالسيف، ومجاهدة الهوى والنفس
بسيف ترك المشيئة (البغوي: تفسير البغوي
١/٢٥٦). وهو يشير بذلك إلى أن الجهاد
نوعان: جهاد أصغر، وجهاد أكبر، وهما جهاد العدو، وجهاد النفس. والواقع
أن المجاهدة في الإسلام أنواع متعددة، منها:
١- مجاهدة العدو الظاهر:
وهذا العدو قد يكون كافرًا، أو
منافقًا، أو فاسقًا، وجهاد الكفار إنما يكون بالنفس والمال واللسان، قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: ٩٥]. وقد روى أنس رضي الله عنه أن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: «جاهدوا
المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (القرطبى: الجامع لأحكام
القرآن ٧/٤٤٩١.)
أما جهاد المنافقين فإنه يكون
بإقناعهم بالحجة الدامغة وإرشادهم إلى الإخلاص في القول: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: ٧٣].
وأما جهاد
الفساق فإنه يكون باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب، كما أمر النبى -صلى الله عليه وسلم-، حيث
قال: «من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم
يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (الحكيم الترمذى: كتاب ختم الأولياء ص٥٦.).
٢-مجاهدة
الشيطان:
وهذا النوع من المجاهدة إنما
يكون بدفع ما يأتى به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات، وما يحدثه من وساوس، ولقد حذرنا
الرسول -صلى الله عليه وسلم- منه؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما
أمرنا الله سبحانه وتعالى بألا نتبع خطواته {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة النور: ٢١].
٣- مجاهدة النفس:
وهذا النوع من المجاهدة إنما
يكون بقهر النفس على
التحلي بالمكارم، والتخلي عن الرذائل، وتعلم أمور الدين، والسير على منهج خير
المرسلين، والعمل بأحكام شريعة رب العالمين، وحمل النفس على المشاق البدنية ومخالفة
الهوى على كل حال، "فالمجاهد من جاهد نفسه" كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (رواه أحمد والنسائى والحاكم.).
وهذه الأنواع الثلاثة من
المجاهدة تدخل كلها، وتندرج جميعها تحت قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}
[الحج:٧٨] وهذا النوع من المجاهدة والنوع الذي
قبله هما موضع اهتمام الصوفية.
يضاف إلى ذلك أن نقول: إن من المجاهدة دعوة الناس إلى
الحق، وحثهم على العمل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وترك مجالس السوء، وهجر صحبة
الأشرار، ونبذ مودة العاصين، وقطع كل صلة بالفاسقين، وإعلان الحرب على الضالين
الغاوين المارقين، ونصب العالم نفسه للإرشـــــاد والوعـظ والهدايـــــــة
والنصيحة، وتفهيم الناس الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأحكام الفقهية، والسيرة
النبوية، وتاريخ أبطال الإسلام وحماته، والإقبال على النصيحة، والعمل بـها، والسعي
لجني ثمارهــا، ومحبـــة الصالحيـــن، وزيـــارة المتقيــن، ومـودة العاملين،
والاستضاءة بأنوارهم والاقتداء بأفعالهم.
كل من يفعل ذلك فهو مجاهد، وكل فعل من ذلك هو مجاهدة شريطة
أن يقصد به وجه الله عز وجل، وأن يراد به إعلاء كلمته، ورفع رايــة الحق، ومطاردة
الباطل، وبذل النفس في مرضاة الله تعالى، فإن أريد به شيء دون ذلك من حظوظ الدنيا
فإنه لا يسمى مجاهدة على الحقيقة؛ فمن جاهد ليحظى بمنصب، أو يظفر بمغنم، أو يظهر
شجاعة، أو ينال شهرة فإنه لا نصيب له في الأجر.
فالنية هى روح العمل، فإذا تجرد منها كان عملاً
ميتًا، لا وزن له عند الله، وإن الإخلاص هو الذي يعطي الأعمال قيمتها الحقيقية،
ومن هنا فإن المرء يبلغ بالإخلاص درجة الشهداء وإن لم يستشهد.
ويتصل بمفهوم المجاهدة عند الصوفية مصطلحان آخران هما: الرياضة والسفر؛
فبالمجاهدة تحصل رياضة النفس ولذلك يعرفون الرياضة بأنها المجاهدة والأدب مع
الله، أي: البعد عن الخواطر الشيطانية، وذلك بتجنب الشهوات ومخالفة أهواء النفس من
طلب اللذات والحظوظ الدنيوية.
والرياضة نوعان: رياضة الأدب، ورياضة الطلب؛ فرياضة الأدب في مخالفة هوى
النفس، ورياضة الطلب في الإخلاص والصدق في المجاهدة والصحة في المراد به من
الرياضة.
ومن هنا تكون الرياضة عبارة عن "تهذيب
ومخالفة وتربية وتأديب النفس بقصد الوصول بها إلى مكارم الأخلاق" (د. محفوظ عزام: الجهاد في ضوء الكتاب والسنة ص٨- ٩.)، فهي تهذيب الأخلاق النفسية،
فإن تهذيبها تمحيصها عن خلطات الطبع ونزعاته .( عماد الدين الأموي:
حياة القلوب ص٢٣٧.)وهي
أيضًا "كيمياء السعادة" التي هي "تهذيب النفس باجتناب الرذائل وتزكيتها
عنها واكتساب الفضائل وتحليتها بها". (د/ حسن الشرقاوى: معجم
ألفاظ الصوفية ص١٦٣، وانظر الجرجانى: التعريفات ص٢٣٨.)
أما "السفر" فهو
عبارة عن القلب إذا أخذ في التوجه إلى الحق تعالى بالذكر.(الجرجانى: التعريفات ص١٠٠.)
ويسمى ابن سبعين:
"الطريق العملي للتحقق بالمثل الأخلاقية العليا بالسفر، والذي يسلك هذا
الطريق بالمسافر، بما يصطنعه من رياضات عملية، والمقامات والأحوال هي مراحل السفر،
مثل التوبة والتقوى والورع والزهد والتوكل والرضا. وهذه الرياضات العملية كلها عند
"ابن سبعين" وغيره لابد أن تتم تحت إشراف شيخ مرشد.( المرجع السابق ص١٦٦.)
هذا هو مفهوم المجاهدة لغة واصطلاحًا – وكذلك اتصاله بمصطلحي الرياضة والسفر بحسب ما
نجده عند الصوفية. أما الآن فننتقل إلى نقطة أخرى هي بيان أهمية المجاهدة
وضرورتها.