Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المجاهدة

الكاتب

أ.د/ محفوظ عزام

المجاهدة

المجاهدة في التصوف هي بذل أقصى الجهد في محاربة النفس والشيطان، وحملها على الطاعات ومخالفة الهوى، بهدف الوصول إلى مرضاة الله. يُعتبر هذا "الجهاد الأكبر" عند الصوفية، وهو أساس السير في طريق الله وتزكية النفس.

مفهوم المجاهدة

المجاهدة في اللغة: مأخوذة من الفعل (جَهَد) بمعنى جدَّ، ويقال: جهد في الأمر، أي طلبه حتى وصل إلى الغاية، وبلغ المشقة، وجهد بفلان: امتحنه، وجاهد العدو مجاهدة، وجهادًا: قاتله، واجتهد: بذل ما في وسعه. (مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، الطبعة الثالثة ١/١٤٧ مادة (جهد).)

وأصل المجاهدة "المفاعلة" حيث يقال: قد جهد فلان فلانًا على كذا – إذا كربه وشق عليه – يجاهد جهدًا، فإذا كان الفعل من اثنين كل واحد منهما يكابد من صاحبه شدة ومشقة، قيل: فلان يجاهد فلانًا – يعني أن كل واحد يفعل بصاحبه ما يجهده ويشق عليه – فهو يجاهده مجاهدة وجهادًا (الطبرى: تفسير ٢/٣٦٧.) وهي بذلك تعنى الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل وبذل الوسع، كما تعنى المحاربة(الجرجانى: التعريفات ص١٨٠.)، واستفراغ الوسع في مدافعة العدو، ومغالبته.

أما معنى المجاهدة في الاصطلاح: فإنها تأتى بمعان متعددة، فهى تعنى محاربة النفس الأمارة بالسوء بتحميلها ما يشق عليها بما هو مطلوب في الشرع وحملها على المشاق البدنية ومخالفة الهوى. ويقصد بها – أيضًا – بذل الوسع في فعل ما يرضى الله تعالى وترك ما يسخطه، واستدامة الجد وترك الراحة. وقال بعض أكابر الصوفية: "ما أخذنا التصوف من القيل والقال ولكن من الجوع، وترك الدنيا، وقطع المألوفات، وترك جميع المستحسنات. ومبنى طريق القوم (أي الصوفية) في معاملاتهم لله تعالى على حسن المبايعة"

كما يراد بالمجاهدة كف النفس عن إرادتها من الشغل بغير العبادة، والافتقار إلى الله عن كل ما سواه.

ويقول الألوسي عند تفسير قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:٧٨]: إنه شامل لجميع أنواع المجاهدة، ومنها جهاد النفس، وهو بتزكيتها، بأداء الحقوق، وترك الحظوظ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه بالكونين، وجهاد الروح بإفناء الوجود [عماد الدين الأموى: حياة القلوب ص٢٣٧]. وقال ابن بطال: "جهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل"( الآلوسى: روح المعانى ١٧/٢١٣.).

ويقول البغوي عند تفسير قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩]، قيل: المجاهدة: هى الصبر على الطاعات. قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى، وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به. وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وروى عن ابن عباس: والذين جـاهـدوا في طاعتنـا لنهديـنهم سبـل ثوابنا" [ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١١/٣٣٧- ٣٣٨].

وفي تفسير قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} قال الإمام القرطبى: "قيل عنى به جهاد الكفار. وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي وجاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم. كما روى حيوة بن شريح يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل" (ابن حجر: فتح البارى ١١/٣٣٧- ٣٣٨.)

ويرى الحكيم الترمذى – وهو من أكابر الصوفية – أن الله تبارك اسمه قد أمر بالجهاد "فصار الجهاد على ضربين: مجاهدة العدو بالسيف، ومجاهدة الهوى والنفس بسيف ترك المشيئة (البغوي: تفسير البغوي ١/٢٥٦). وهو يشير بذلك إلى أن الجهاد نوعان: جهاد أصغر، وجهاد أكبر، وهما جهاد العدو، وجهاد النفس. والواقع أن المجاهدة في الإسلام أنواع متعددة، منها:

١- مجاهدة العدو الظاهر: 

وهذا العدو قد يكون كافرًا، أو منافقًا، أو فاسقًا، وجهاد الكفار إنما يكون بالنفس والمال واللسان، قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: ٩٥]. وقد روى أنس رضي الله عنه أن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (القرطبى: الجامع لأحكام القرآن ٧/٤٤٩١.)  

أما جهاد المنافقين فإنه يكون بإقناعهم بالحجة الدامغة وإرشادهم إلى الإخلاص في القول: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: ٧٣].

وأما جهاد الفساق فإنه يكون باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب، كما أمر النبى -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال: «من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (الحكيم الترمذى: كتاب ختم الأولياء ص٥٦.).

٢-مجاهدة الشيطان:

وهذا النوع من المجاهدة إنما يكون بدفع ما يأتى به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات، وما يحدثه من وساوس، ولقد حذرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- منه؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما أمرنا الله سبحانه وتعالى بألا نتبع خطواته {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة النور: ٢١].

٣- مجاهدة النفس:

وهذا النوع من المجاهدة إنما يكون بقهر النفس على التحلي بالمكارم، والتخلي عن الرذائل، وتعلم أمور الدين، والسير على منهج خير المرسلين، والعمل بأحكام شريعة رب العالمين، وحمل النفس على المشاق البدنية ومخالفة الهوى على كل حال، "فالمجاهد من جاهد نفسه" كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (رواه أحمد والنسائى والحاكم.).

وهذه الأنواع الثلاثة من المجاهدة تدخل كلها، وتندرج جميعها تحت قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:٧٨] وهذا النوع من المجاهدة والنوع الذي قبله هما موضع اهتمام الصوفية.

يضاف إلى ذلك أن نقول: إن من المجاهدة دعوة الناس إلى الحق، وحثهم على العمل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وترك مجالس السوء، وهجر صحبة الأشرار، ونبذ مودة العاصين، وقطع كل صلة بالفاسقين، وإعلان الحرب على الضالين الغاوين المارقين، ونصب العالم نفسه للإرشـــــاد والوعـظ والهدايـــــــة والنصيحة، وتفهيم الناس الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأحكام الفقهية، والسيرة النبوية، وتاريخ أبطال الإسلام وحماته، والإقبال على النصيحة، والعمل بـها، والسعي لجني ثمارهــا، ومحبـــة الصالحيـــن، وزيـــارة المتقيــن، ومـودة العاملين، والاستضاءة بأنوارهم والاقتداء بأفعالهم.

كل من يفعل ذلك فهو مجاهد، وكل فعل من ذلك هو مجاهدة شريطة أن يقصد به وجه الله عز وجل، وأن يراد به إعلاء كلمته، ورفع رايــة الحق، ومطاردة الباطل، وبذل النفس في مرضاة الله تعالى، فإن أريد به شيء دون ذلك من حظوظ الدنيا فإنه لا يسمى مجاهدة على الحقيقة؛ فمن جاهد ليحظى بمنصب، أو يظفر بمغنم، أو يظهر شجاعة، أو ينال شهرة فإنه لا نصيب له في الأجر.

فالنية هى روح العمل، فإذا تجرد منها كان عملاً ميتًا، لا وزن له عند الله، وإن الإخلاص هو الذي يعطي الأعمال قيمتها الحقيقية، ومن هنا فإن المرء يبلغ بالإخلاص درجة الشهداء وإن لم يستشهد.

  ويتصل بمفهوم المجاهدة عند الصوفية مصطلحان آخران هما: الرياضة والسفر؛ فبالمجاهدة تحصل رياضة النفس  ولذلك يعرفون الرياضة بأنها المجاهدة والأدب مع الله، أي: البعد عن الخواطر الشيطانية، وذلك بتجنب الشهوات ومخالفة أهواء النفس من طلب اللذات والحظوظ الدنيوية.

والرياضة نوعان: رياضة الأدب، ورياضة الطلب؛ فرياضة الأدب في مخالفة هوى النفس، ورياضة الطلب في الإخلاص والصدق في المجاهدة والصحة في المراد به من الرياضة.

ومن هنا تكون الرياضة عبارة عن "تهذيب ومخالفة وتربية وتأديب النفس بقصد الوصول بها إلى مكارم الأخلاق" (د. محفوظ عزام: الجهاد في ضوء الكتاب والسنة ص٨- ٩.)، فهي تهذيب الأخلاق النفسية، فإن تهذيبها تمحيصها عن خلطات الطبع ونزعاته .( عماد الدين الأموي: حياة القلوب ص٢٣٧.)وهي أيضًا "كيمياء السعادة" التي هي "تهذيب النفس باجتناب الرذائل وتزكيتها عنها واكتساب الفضائل وتحليتها بها". (د/ حسن الشرقاوى: معجم ألفاظ الصوفية ص١٦٣، وانظر الجرجانى: التعريفات ص٢٣٨.)

أما "السفر" فهو عبارة عن القلب إذا أخذ في التوجه إلى الحق تعالى بالذكر.(الجرجانى: التعريفات ص١٠٠.)

ويسمى ابن سبعين: "الطريق العملي للتحقق بالمثل الأخلاقية العليا بالسفر، والذي يسلك هذا الطريق بالمسافر، بما يصطنعه من رياضات عملية، والمقامات والأحوال هي مراحل السفر، مثل التوبة والتقوى والورع والزهد والتوكل والرضا. وهذه الرياضات العملية كلها عند "ابن سبعين" وغيره لابد أن تتم تحت إشراف شيخ مرشد.( المرجع السابق ص١٦٦.)

هذا هو مفهوم المجاهدة لغة واصطلاحًا – وكذلك اتصاله بمصطلحي الرياضة والسفر بحسب ما نجده عند الصوفية. أما الآن فننتقل إلى نقطة أخرى هي بيان أهمية المجاهدة وضرورتها.

أهمية المجاهدة وضرورتها

المجاهدة مطلب إسلامي مهم، ومبدأ إسلامي عظيم، ومن هنا رأي بعض أكابر الصوفية أن "المجاهدة سفينة النجاة تنتهي بصاحبها إلى بر السلامة" (المرجع السابق، ص٢٣٤، ص١٠٥.)

فالمجاهدة امتثال لأمر شرعي حث عليه القرآن الكريم في آيات كثيرة، وأكدت عليه السنة المشرفة وظهر واضحًا جليًا في فعل النبى -صلى الله عليه وسلم- والصحابة – رضى الله عنهم –

فمن القرآن الكريم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩]، وقال جل شأنه: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: ٧٨].

ومن السنة المشرفة ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه. وما يزال عبدى يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» رواه البخاري.

وعن عائشة -رضي الله عنها -أن النبي -صلى الله عليه وسلم-  كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه (تتشقق). فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» متفق عليه.

وعن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت:  «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر» متفق عليه.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة، فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه»  متفق عليه.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «المجاهد من جاهد نفسه في الله» رواه الترمذى وابن حبان.

فهذه الآيات التى سقناها، وهذه الأحاديث التي ذكرناها تعدُّ – في الحقيقة – مصدرًا إسلاميًا خالصًا للصوفية في اعتماد المجاهدة مبدأً رئيسًا لمذهبهم وطريقتهم في الوصول إلى الله عز وجل.

ومن هنا نجد أئمة الصوفية وشيوخهم يجمعون على أنه لا يفتح على المُريد بشيء من ثمرات التصوف أو يكشف له شيء منها بغير لزوم المجاهدة (د. أبو الوفا التفتازانى: ابن سبعين وفلسفته الصوفية ص٤٠٩.)، التى أثبتها جميع المحققين، وقالوا: "إنها أسباب المشاهدات.. فمن يجاهد يشاهد" (عماد الدين الأموي: حياة القلوب، ص٢٣٧.). ونقل القشيري عن شيخه أبي علي الدقاق: "من زين ظاهره بالمجاهدة حسن الله سرائره بالمشاهدة، واعلم أن من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمعة تنير له الطريق" (د. حسن الشرقاوى: معجم ألفاظ الصوفية ص٢٥٢.). فحركات الظواهر توجب بركات السرائر، إذ الحركة بركة.

ومن هنا نعلم أهمية المجاهدة وضرورتها للنفس الإنسانية، فالنفس لها صفتان تمنعانها من الخير: "انهماكها في الشهوات وامتناعها عن الطاعات"  (ابن حجر: فتح البارى م١١ص٣٣٨.)، لذا فإنها إذا "جمحت عند ركوب الهوى وجب كبحها بلجام التقوى، وإذا حرنت عند القيام بالموافقات يجب سوقها على خلاف الهوى، وإذا ثارت عند غضبها فمن الواجب مراعاة حالها، فما من منازلة أحسن عاقبة من غضب يُكسر سلطانه بخلق حسن، وتخمد نيرانه برفق، فإذا استحلت شراب الرعونة فضاقت عن كل شيء إلا عن إظهار مناقبها، والتزين لمن يظهر إليها ويلاحظها، فمن الواجب كسر ذلك عليها، وإحلالها بعقوبة الذل بما يذكرها من حقارة قدرها وخساسة أصلها وقذارة فعلها؛ وجهد العوام في توفية الأعمال، وقصد الخواص إلى تصفية الأحوال، فإن مقاساة الجوع والسهر سهل يسير، ومعالجة الأخلاق والبعد عن سفسافها صعب شديد". ( القشيري: الرسالة القشيرية في علم التصوف ص ٩٩) لكن كيف تكون المجاهدة ، وهل الأخلاق قابلة للتغيير عن طريق المجاهدة؟.

كيفية المجاهدة

يرى الصوفية أن تكون المجاهدة والرياضة بالتنقل والتدريج والرفق بالنفس شيئًا فشيئًا فلا يهجم الصوفي على نفسه بما يشق عليها من الأعمال حتى لا تنفر نفورًا شديدًا يخشى منه الترك والخروج بالكلية، فيجب الرفق بالنفس إلى أن تتعود ذلك، فإن المنبت لا أرض قطع ولا ظهرا أبقى

"فإذا أراد المجاهد نقل نفسه عن عوائدها المذمومة إلى المحمودة فليمنعها من الفعل المذموم وليذكرها ما ورد فيه من الوعيد على فعل المذموم، والوعد على فعل المحمود، فإن ثقل عليه ذلك قطع عنها لذاتها الناجزة، وداوى نفسه بترك الشهوات العاجلة، كما فعل أبو طلحة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في إخراج حديقة عن ملكه لله تعالى لكونها أشغلته عن الحضور بقلبه في صلاته فجعل ذلك تأديبا لنفسه وعقوبة لها". ( عماد الدين الأموى: حياة القلوب ص ٢٤٧‏.)

ويرى إبراهيم بن أدهم أن المجاهد لا ينال درجة الصالحين إلا إذا جاز ست عقبات، فهو يقول: اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات:

أولها: أن تغلق باب النعمة، وتفتح باب الشدة.

والثانية: أن تغلق باب العز، وتفتح باب الذل.

والثالثة: أن تغلق باب الراحة، وتفتح باب الجهد.

والرابعة: أن تغلق باب النوم، وتفتح باب السهر.

والخامسة: أن تغلق باب الغنى، وتفتح باب الفقر.

والسادسة: أن تغلق باب الأمل، وتفتح باب الاستعداد للموت.

فعند ابن أدهم تكون المجاهدة بترك النعمة واعتماد الشدة، والتخلي عن العز واتباع الذل، وهجر الراحة إلى الجهد، والنوم إلى السهر، ورذل الغنى، والركض وراء الفقر، ونبذ الأمل والاستعداد للموت. ( القشيرى: الرسالة القشيرية ص ٩٨- ٩٩‏).

أما الغزالي فيرى أن هناك شروطا يجب تقديمها عند من يريد المجاهدة وهي: "رفع السد والحجاب الذي بينه وبين الحق، فإن حرمان الخلق عن الحق سببه تراكم الحجب ووقوع السد على الطريق. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: ٩]‏. 

وإلسد بين المريد وبين الحق أربعة: المال، والجاه،والتقليد، والمعصية .. ويدفع قواطع الطريق أربعة أمور: الخلوة، والصمت، والجوع، والسهر .. فهذه الأربعة جنة وحصن بها تدفع عنه القواطع وتمنع العوارض القاطعة للطريق. فإذا فعل ذلك اشتغل بعده بسلوك الطريق. [الغزالى: إحياء علوم الدين ٣/٨١‏، ٨٢‏].

ويرى ابن عجيبة أن على من يريد المجاهدة أن يحتال مع نفسه شيئا فشيئا فيعلمها "الصمت وحده، ثم العزلة" ثم يقدمها للقليل فإذا استأنست به زادها شيئا أخر، أحب الأعمال إلى الله أدومها، وإن قل، ولا يعلمها البطالة . [الهجويري: كشف المحجوب، ص٤٣١].

والمجاهدة تدل في حقيقة الأمر على أن الأخلاق تقبل التغيير بطريق الرياضة والمجاهدة.

وهنا نلحظ مناقشة ذكية للإمام الغزالى حول قبول الأخلاق للتغيير، فنجده يرد على من يزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها فيقول: «بعض من غلبت البطالة عليه استثقل المجاهدة والرياضة والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق . . فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها فإن الطباع لا تتغير. واستدل فيه بأمرين:

أحدهما: أن الخُلُق هو صورة الباطن، كما أن الخلق هو صورة الظاهر. فالخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها، فالقصير لا يقدر أن يجعل طويلا ... ولا القبيح يقدر على تحسين صورته ، فكذلك القبح الباطن يجرى هذا المجرى.

 والثانى: أنهم قالوا : حُسن الخلق يقمع الشهوة والغضب، وقد جربنا ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج والطبع، فإنه قط لا ينقطع عن الآدمى فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة، فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة وذلك محال وجوده.

فنقول: لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات، ولما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "حسنوا أخلاقكم"، وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خُلُق البهيمة ممكن، إذ ينقل البازى من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، ‏والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد» وكل ذلك تغيير للأخلاق؟!...

وأما الخيال الآخر الذي استدلوا به:  وهو قولهم إن الآدمي ما دام حيا فلا تنقطع عنه الشهوة والغضب وحب الدنيا، وسائر هذه الأخلاق، فهذا غلط وقع لطائفة ظنوا أن المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها، وهيهات! فإن الشهوة خُلقت لفائدة، وهي ضرورية في الجبلة، فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان، ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل، ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ‏ولهلك. ..

وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية، ‏بل المطلوب ردها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط. والمطلوب. في صفة الغضب حُسن الحمية وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعًا. وبالجملة أن يكون في نفسه قويًا ومع قوته منقادًا للعقل" (القشيري: الرسالة القشيرية، ص٩٨.)

من هنا نعلم أن أخلاق الإنسان تتغير بالمجاهدة والرياضة ولكن يجب أن نؤكد في هذا المقام أن الإنسان هو الذي يتغير، أما الصفات الخلقية نفسها فهي ثابتة لا تتغير وغير  نسبية.

الخلاصة

المجاهدة عند إطلاقها تتسع لتشمل معاني كثيرة جدا عند السادة المتصوفة، فالمجاهد يجاهد في سبيل الله وهذا معنى، ويجاهد جهادًا عظيما في الله -سبحانه وتعالى- قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩]، والصوفية جعلوا من مجاهدة النفس أو جهاد النفس باب كبير في صحة السير إلى الله سبحانه وتعالى، فأساس تزكية النفس إنما هو بترك الهوى، ومخالفة النفس، ومجاهدة الشيطان.

موضوعات ذات صلة

في صفحات التاريخ تتجلّى شهادات ساطعة عن دور التصوف كمحرك رئيسي للمقاومة الوطنية ضد الغزاة.

الفتح نقيض الإغلاق وعند الصوفية كل ما يفتح به الله سبحانه وتعالى على عبده والفتح المبين ما يفتح على العبد من مقام الولاية وهو فتح للقلب.

التَّحلِّي عند الصوفية ليس مجرد تزيُّن خارجي بالأقوال والأعمال، بل مسار تدريبي وتعبدي يقود إلى التخلق بالأخلاق الإلهية.

موضوعات مختارة