Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المعراج

الكاتب

أ. د. محمد سعيد جمال الدين

المعراج

المعراج يعكس تجربة ثرية تجمع بين السرد النبوي والرؤى الصوفية والفلسفية، مما يبرز تأثيره العميق في تشكيل الإنسان وتقوية الروابط بين الأرض والسماء، وبين الجانبين المادي والروحي.

مفهوم المعراج وحقيقته

المعراج لغة: المِصْعَدُ والسُّلَّم، ويطلق على ما عَرج عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء [المعجم الوسيط]، والإسراء: من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، والمعراج: من بيت المقدس إلى السماوات العلى، وسدرة المنتهى، وقد حدث الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ أَتَانِي جِبْرِيلُ - عليه السلام - بِالْبُرَاقِ»، وقيل: أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب، والراجح من مجموع الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك فراشه في بيت أم هانئ الى المسجد، فلما كان في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أسري به وعرج، ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد.

والبراق: كما ورد في الحديث: «دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ..». [ابن هشام، السيرة النبوية ٤١٦١:١]

وبعد توقف قصير في بيت المقدس عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء، فشاهد النجوم، ونظام العالم العلوي، والسماوات، والتقى بأنبياء وملائكة، وشاهد الجنة والنار، وعاين مراتب أهل الجنة وأشباح أهل النار [راجع في حديث المعراج: صحيح مسلم ص ١٤٥، وصحيح البخاري ص ٤- ١٣٣، ومسند الإمام أحمد ص ٢٥٧، ٣٠٩، ٤٣١٠ والسنن للترمذي ص ٥، ٣٠٠ وما بعدها؛ وسيرة ابن هشام ٢:٢- ٣٦؛ والشفا للقاضي عياض ١- ٢٣٢]، ثم وصل إلى سدرة المنتهى، وبعد أن رأى ما بها من حسن وجمال، أوحى الله إليه ما أوحى، وفرض عليه الصلاة.

واختلف في المعراج هل كان بالروح، أم بالجسد والروح معًا؟ واختلف في أن الإسراء كان في اليقظة أم في المنام؟

 ويرى أغلب العلماء أن المعراج كان بالروح والجسد معًا، وهذا الرأي يأخذ صفة الإجماع عند علماء أهل السنة وعلماء الشيعة. [الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، ٤٠٦:٦ وما بعدها]

بينما يرى الفلاسفة المسلمون، وعلى رأسهم ابن سينا - استنادًا إلى آراء بطليموس في الهيئة والنجوم - أن المعراج روحاني؛ لأن المعراج الجسماني يقتضي تشتت الأفلاك، وهو محال.

أما عند المعتزلة، وبعض الفرق الكلامية التي تنحو منحى عقليًّا فترى أن المعراج رؤيا منامية، استنادًا إلى حديث عائشة رضي الله عنها: «وَاللهِ مَا فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَكِن عُرِجَ بِرُوحِهِ»، وعن الحسن: كان في المنام رؤيا رآها.

ومهما يكن من أمرٍ فقد أجمع العلماء والمفسرون على وقوع المعراج، لكن الخلاف بينهم حدث في زمن وقوعه وبدئه وكيفيته وتفصيلاته.

هل المعراج ممكن لغير الرسول صلى الله عليه وسلم؟

يرى الصوفية المسلمون - على وجه الخصوص - أن المؤمن بعبادته ورياضته الروحية، وببعده عن الدنايا، وتغلبه على شهواته، وإيثاره جانب الحق - تعالى - في نفسه، وبمراقبته لأعماله وأنفاسه، كل ذلك من شأنه أن يُشعِلُ في قلبه رغبة متواصلة في الرقي والسعي نحو التَّكَمُّلِ، ويحفز همته إلى التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، لعله ينال في النهاية نصيبًا من القرب من الحق تعالى، ويظل هذا الشوق مشتعلًا في نفسه، تَزِيدُ المحبَّةُ اشتعالًا وتضاعف من همته في مواصلة العروج الروحي، فقد جاء في الأثر: «الصَّلَاة مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ»، فالصلاة لو حسنت وتمت أركانها في حضور قلب وخشوع، نقلت المؤمن من دنيا المادة إلى إقليم الروح، ومن عالم الشهادة إلى عالم الغيب، وارتقت به درجات في سلم العروج حتى ينال قرب الحق تعالى، كما ورد في الأثر النبوي الشريف حديث يتضح منه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُنكر على أحدِ صحابته من الأنصار أن تنكشف له أمور من عالم الغيب؛ بسبب ما أَخَذَ به هذا الأنصاري نفسه من رياضة روحية، فلقد رويَ أن حارثة بن سراقة الأنصاري لقي الرسول صلى الله عليه وسلم فسأله: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يا حارثة؟ فَرَدَّ قَائِلًا: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا بالله حَقًّا، يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟» قال حارثة: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَإِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ، وَإِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ وَيَبْكُونَ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: عَرَفْتَ فَالْزَمْ، بَذَرَ الله الإيمان في قلبك». [رواه ابن ماجه في باب الأدب].

فمعراج المؤمن الروحي أمر ممكن غير مستبعد عند صوفية المسلمين، بشرط تربية النفس وترويضها على العزوف عن الدنيا، والإقبال على الملأ الأعلى والشوق إلى الحق تعالى.

انتقال المعراج إلى الأدب الإسلامي

 خامرت فكرة نزوع النفس إلى الملأ الأعلى عددًا من كبار الشخصيات الإسلامية في القرون الثلاثة الأولى للإسلام، وتبدو لنا محاولة من أنبل المحاولات في الفكر الإسلامي للانتقال بالموضوع من مجال الموروث الديني إلى نطاق التناول الأدبي، وكان الصوفي المعروف أبو يزيد البسطامي من أوائل الصوفية الذين تحدثوا عن معراج وقع له في المنام - ورؤيا الأولياء عند الصوفية أثر من آثار النبوة - رأى فيه كأنه قد عرج به إلى السماوات قاصدًا إلى لله تعالى، وكان يعرض له في كل سماء ما يجلُّ عن الوصف من المشاهد الطيبة الحسنة، وتدعوه الملائكة في كل سماء للمقام بينها، وهي تعجب من أمره لأنه آدمي ترابي، وليس بملائكي نوراني، فكيف يتسنى له بلوغ هذا المقام، لكن أبا يزيد كان يُعرض عنه قاصدًا وجه الحق تعالى، يحفزه الشوق إلى مواصلة السير والارتحال، وكان كلما ارتقى في سلم العروج يزداد نوره بالتدريج حتى غدا نوره ألمع من نور الملائكة، ولما وصل إلى السماء السابعة ناداه مناد: يا أبا يزيد، قف، قف، فإنك قد وصلت إلى المنتهى، فلم يلتفت إلى قوله، فلما علم الله تعالى صدق مراده صيره طيرًا أخذ يتنقل من مملكة إلى مملكة، ويقطع حُجُبًا بعد حُجُبٍ حتى يسمع نداءً من الحق تعالى: اُدْنُ منَّي، يصف أبو يزيد نفسه في هذا الموقف بأنه كان يذوب كما يذوب الرصاص، واستقبلته أرواح الأنبياء ثم استقبلته روح محمد صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، ورحب به وقال: إذا رجعت إلى الأرض أقرئ أمتي مني السلام، وانصحهم ما استطعت، وادعهم إلى الله عز وجل. [كتاب المعراج للقشيري، ص ١٢٩- ١٣٥].

 نستطيع أن نقف من هذه الرؤيا على أمور عدة، أهمها:

أولًا: أن القصة قائمة أصلًا على إخلاص القصد إلى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى الشواغل التي تشغل الإنسان عن هدفه الأسمى.

ثانيًا: جرت القصة في المنام، لكنها بدت وكأنها تجربة حية نابضة، ولا نعني بالتجربة هنا التجربة المادية المعملية، أو التجربة النفعية التي تقاس بما لها من آثار ناجحة، وإنما نعني بها انفعالًا وجدانيًّا يستغرق الإنسان بكل وجدانه وكيانه، كانت تجربة أبي يزيد حافزًا دفع عددًا من كبار الفلاسفة والصوفية والأدباء العرب والفرس والهنود على حد سواء لارتياد هذا المجال واقتحام ميدان التجربة بمنطلقات شتى ومداخل متعددة، فقدموا لنا في النهاية مجموعة من الأعمال والآثار الفكرية والأدبية تنطوي على مشاهد، تعد في الواقع من أروع مشاهد الفكر الإنساني بعامة.

المعارج الفلسفية

يقسم الفلاسفة الموجودات إلى قسمين: موجودات روحانية، وموجودات جسمانية:

أما الروحانية: فأهمها العقل الفعال، وأما الجسمانية: فهي عبارة عن عالم الأفلاك، وعالم الكون والفساد، وهو ما دون فلك القمر، وكل ما في عالم الفساد يزول ويفنى، لكن نفس الإنسان لانتمائها إلى العالم العلوي لا تتعرض للفساد.. والنفوس الإنسانية العاقلة هي التي تسعى إلى عالمها الروحي الذي أهبطت منه، حيث النعيم المقيم.

تناول ابن سينا (المتوفي سنة ٤٢٨ﻫ / ١٠٣٦م) قضية عروج النفس إلى الملأ الأعلى من الوجهة الفلسفية في كتابيه: "النجاة"، و"التنبيهات والإشارات"، وفي رسالة كتبها بالفارسية بعنوان: "معراجنامه" أي رسالة المعراج لكنه فيما يبدو وجد أن من الأوفق أن يتناول القضية بطريقة أدبية، وبأسلوب رمزي، فألف في الموضوع قصتين رمزيتين هما: "حي بن يقظان" و"رسالة الطير" وعرض للفكرة نفسها في قصيدة عربية مشهورة له عن النفس، تحدث فيها عن هبوط النفس من عالمها العلوي الأرفع دون أن تراها الأعين أو تدركها الأفهام، حيث تلقاها الجسم على كره منها لكنها ألفت وضعها الجديد، وبدا عليها أنها نسيت أصلها العلوي، بيد أنها كانت إذا تذكرت ذلك الأصل أخذت تبكي، وتنوح وتسجع سجع الحمام، فلما قربت عودتها إلى الأصل تغنت وهلَّلت حين أبصرت ما لا تدركه الأبصار، وغردت وهي صاعدة إلى علٍ: وفيما يلي بعض أبيات القصيدة: [ضيا بك، خرابات، ص ٢٨٣]

                        هَبَطَتْ إليك من المحل الأرفعِ         ورقَاءَ ذات تعزُّزٍ وتمنُّعِ

                        مَحجوبةٌ عن كل مُقْلَةِ عارفٍ         وهي التي سَفَرَتْ ولم تَتَبَرْقَعِ

                        وأظنها نسيت عُهودًا بالحِمَى          ومنازلًا بفُراقِهَا لم تَقْنَعِ

                         تبكي إذا ذَكرت ديارًا بالحِمَى          بمدامعٍ تَهْمِي ولمَّا تُقلعِ

                             حتى إذ قَرُبَ المسير إلى الحِمَى       ودَنَا الرَّحِيلُ إلى الفضاءِ الأوسعِ

                           سَجَعَتْ وقد كُشِفَ الغطاءُ فأبصرت     ما ليس يُدرك بالعيون الهُجَّع

                         وغدت تُغَرِدُ فوق ذِروَةِ شاهقٍ           والعلم يَرْفَعُ كُلَّ من لم يُرْفَعِ

وللإمام أبي حامد محمد الغزالي (المتوفى سنة ٥٠٥هـ/١١١١م) رسالة بالعربية سماها "رسالة الطير" وردت في مجموعة "الجواهر الغوالي من رسائل حجة الإسلام الإمام الغزالي": [طبع مصر ١٩٣٤م، ص ١٤٧- ١٥١] ذكر فيها أن أصناف الطيور اجتمعت، وزعمت أنه لا بد لها من ملك، واتفقوا على أنه لا يصلح لهذا الشأن إلا العنقاء وهي مقيمة ببعض الجزائر في الغرب، فجمعتهم داعية الشوق وهمة للوصول إليها فتناشدوا وقالوا:

                   قوموا إلى الدَّارِ من ليلى نُحيَّيها         نعم، ونسألها عن بعض أهليها

فناداهم من الغيب مُنادٍ يقول لهم: "لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، ولازموا أماكنكم ولا تفارقوا مساكنكم"، فلما سمعوا نداء التعذر من جناب الجبروت، ما ازدادوا إلا شوقًا وقلقًا وأرقًا وقالوا:

                          ولو داواك كُلُّ طبيبِ إنسٍ            بغير كلامِ ليلى ما شَفَاكَا

فقيل لهم أنتم مقبلون على وديان عميقة، وجبالٍ شاهقةٍ، وبحارٍ مُغرقةٍ، وأماكنِ القَرِّ، ومساكنِ الحَرِّ، فربما اخترمتكم المنيةُ قبل بلوغ الأمنية، فالأحرى بكم مُسَاكَنَة الأوكار قبل أن يستدرجكم الطمع، والطيور لا تصغي إلى هذا القول، ولا تبالي، بل رحلت بالهمة والشوق معًا، فهلك منهم طيور كثيرة في الطريق، حتى أشرفوا على جزيرة المَلِكِ، فرفض المَلِكُ لقاءهم، وقيل لهم: أتعبتم أنفسكم، فنحن الملك شئتم أو أبيتم، جئتم أو ذهبتم، لا حاجة بنا إليكم فأحسُّوا بالعجز، وبهرتهم العِزَّة، وقالوا: لا سبيل لنا إلى الرجوع فقد تخاذلت القُوى وأضعفّنَا الجَوَى، فليتنا تُركنا في هذه الجزيرة لنموت عن آخرنا، وأنشأوا يقولون شعرًا:

أَسُكَّانَ رَامَةَ هل من قِرًى             فقد دفع الليل ضيفًا قنوعًا

كفاهُ من الزاد أن تُمَهِدُوا               لهُ نظرًا وكلامًا وسيعًا

فلمَّا أحس الملك العنقاء منهم العجز والمسكنة قبلهم بفنائه، وقربهم إلى بابه.

سنائي والعطار:

 تتقدم المعارج الصوفية المبكرة منظومة شعرية نظمها بالفارسية الشاعر الصوفي سنائي الغزنوي (المتوفى سنة ٥٤٥ ﻫ/ ١١٥م) جعل عنوانها "سير العباد إلى المعاد" تأثر في أولها تأثرًا واضحًا بقصة حي بن يقظان، وقصيدة النفس لابن سينا لكنه ما لبث في نهاية منظومته أن تحرر من الفكر الفلسفي كلية حين اعتمد على التجربة "الحدسية" لا على العقل في مواصلة السير حتى المراحل العالية من المعراج. [راجع، رجاء عبد المنعم جبر، رحلة الروح بين ابن سينا وسنائي ودانتي ص ١٩]

كما تضم المعارج الصوفية أيضًا منظومة تعد من أروع المنظومات لا في الآداب الإسلامية وحدها بل في الآداب العالمية بعامة، وهي منظومة "منطق الطير" للشاعر الصوفي المشهور فريد الدين العطار[ترجمها إلى العربية بديع محمد جمعة، ونشرها بالقاهرة سنة ١٩٧٥]، وواضح أن العنوان مأخوذ من القرآن الكريم، وهي تشبه في خطوطها الأساسية رسالة الطير للإمام الغزالي، لكنْ بينهما فروق من أهمها: أنها كلها شعر، استخدم فيه العطار براعته في الابتكار والتخيل وتوظيف الرمز، وهي منظومة طويلة تبلغ زهاء خمسة آلاف بيت من الشعر وموضوعها ارتحال الطيور إلى "السيمرغ" أي العنقاء ووصولها إليه، ثم صدورها عنه وقد حققت وجودها بوجوده.

ابن عربي:

لقد بنى "محيي الدين بن عربي" أحد مؤلفاته على قصة المعراج، وأعني به كتابه "الإسرا إلى المقام الأسمى" وهو كتاب لم يحقق تحقيقًا علميًّا بعد فيما نعلم.

يقرر "ابن عربي" في مقدمة الكتاب - الذي كتبه نثرًا، وبأسلوب خلط فيه بين الحقيقة والمجاز - [اعتمدنا في هذا العرض على ما قدمه اسين بلاثيوس في كتابه: أثر الإسلام في الكوميديا الإلهية، وقد ترجمه إلى العربية الأستاذ جلال مظهر، ونشره بالقاهرة سنة ١٩٨٠م، انظر ص ٥٦ - ٥٧؛ كما نشر مقتطفات مبتسرة منه أيضًا الدكتور علي حسن عبد القادر، في مقدمته لكتاب المعراج للقشيري، ص٢ ١- ١٣ تلخيصًا للكتاب المذكور] أن الموضوع الذي يعالجه هو عروج الروح إلى السماء، ويبدأ قائلًا: (خرجت من أرض الأندلس متجهًا إلى القدس، أعتمد على دين الإسلام، ديدني الزهد، وزادي نكران الذات)، ويروي لنا أنه قابل شابًّا ذا طبيعة روحانية، أرسلته السماء ليقوده، ثم لا يلبث أن يقوده شخص آخر في أثناء صعوده إلى السماء من القدس، يصفه بأنه "مبعوث العناية الإلهية"، الذي صعد معه للسماوات السبع حتى وصلا إلى الحضرة الإلهية، ويشير "ابن عربي" إلى أن الأولياء ورثة الأنبياء، لسيرهم على دربهم واتباعهم لنهجهم وسنتهم، ووقفهم حياتهم كلَّها على التأملات والرياضات الروحية، وممارسة أسرار القرآن الكريم، وذكر الحبيب الأسمى (الله عز وجل)، فيصلون في النهاية إلى الحضرة العلية، ولن يصل الوليُّ - مهما بلغ من الكمال - إلى مرتبة الرسول في العروج بالروح والجسد معًا فإسراءات الأولياء، إسراءات روحانية برزخيه، يشاهدون فيها معاني متجسدة في صورة محسوسة للخيال، يُعطون العلم بما تتضمنه تلك الصور من المعاني، ولهم الإسراء في الأرض والهواء، غير أنهم ليس لهم قدم محسوسة في السماء، وبهذا زاد على الجماعية رسول الله بإسراء الجسم، واختراق السماوات والأفلاك حسًّا، وقطع مسافات حقيقية محسوسة، وذلك كله لورثته معنى لا حسًّا، فمعارج الأولياء معارج أرواح، ورؤية قلوب، وصور برزخيات، ومعانٍ متجسدات:

لله دَرُّ عصابة سارت بهم          نُجُب الفناء لحضرة الرحمن

والبراق تلك الدابة السماوية تحملهم إلى أطباق السماوات في رحلتهم إليها، وهي رمز الحب الإلهي، وأما القدس، تلك المدينة المقدسة، فرمز النور والحق، وعندها تبدأ أولى مراحل العروج، وهنا يمكث الأولياء قليلًا إلى جانب الحائط حيث مربط الأنبياء... وهو يمثل صفاء القلب، ولا يقربه المدنَّسون، وبعد أن يتناول الأولياء اللبن - رمز الفطرة - يطرقون باب السماء، فإذا دخلوا رأوا الجنة والنار وعندئذ يشاهدون بعيونهم اليمنى سعادة أصحاب النعيم، ويطلون بعيونهم اليسرى على ما يرون من أهوال نيران جهنم، وأخيرًا يصلون إلى سدرة المنتهى، رمز الإيمان والفضيلة، ويأكلون ملء بطونهم من ثمرها، وعند ذلك تبلغ أسمى قوى الإنسان ذروة كمالها، ثم يصلون بعد تحقق الكمال إلى آخر مرحلة في رحلتهم، وينكشف عنهم الحجاب، وتنكشف لهم المعاني الباطنة الكامنة.

ومن الواضح أن القصة تأويل صوفي للمعراج النبوي، يبين ابن عربي من خلاله صلاحية الصوفية - خاصة - للعروج بأرواحهم إلى الحضرة العلية، وتنقلهم بين المدارج الروحية الواحد تلو الآخر، متبعين سير النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما تتجلى في هؤلاء السالكين معاني الإيمان والفضيلة في أسمى صورها يتصفون بالكمال الإنساني، فتنكشف عنهم الحجب، وتظهر لهم المعاني الباطنة.

ومضى الركب فشمل تجارب لعدد كبير من المفكرين والصوفية كعبد الكريم الجيلي، وفخر الدين العراقي، وعلاء الدين السمناني وغيرهم، عبروا عنها بالعربية والفارسية.

الخلاصة

يُعدّ الإسراء والمعراج حدثًا تاريخيًا ومعجزة إسلامية اختلف العلماء في كيفيتها (بالروح أم بالجسد)، لكنهم أجمعوا على وقوعها؛ وقد ألهمت هذه الرحلة الصوفية والفلاسفة المسلمين فكرة "معراج المؤمن" الروحي. وأثبت الصوفية إمكانية عروج المؤمن بروحه إلى الحضرة العلية عبر الرياضة والإخلاص (كالصلاة)، ونقلوا التجربة إلى الأدب الرمزي (كرسائل الطير) للتعبير عن سعي النفس للكمال والعودة إلى عالمها الأسمى.

موضوعات ذات صلة

الاصطلام عند الصوفية، فهو حالة من الفناء والغيبوبة التامة عن الوجود الذاتي والخلق بسبب استغراق القلب في تجليات الحق. 

يطلق الحجاب في اللغة: على الستر، وقد ورد لفظ "الحجاب" في القرآن الكريم سبع مرات.

القُرب يستخدم بمعنى التقرب إلى الله بالطاعات، وفي القرآن وردت مشتقات القرب بمعانٍ متعددة.

موضوعات مختارة