Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دور التصوف في الجهاد

الكاتب

أ. د/ حسن الشافعي

دور التصوف في الجهاد

في صفحات التاريخ تتجلّى شهادات ساطعة عن دور التصوف كمحرك رئيسي للمقاومة الوطنية ضد الغزاة، ليبرز كقوة روحية وفاعلة في ساحات الجهاد على امتداد العالم الإسلامي.

التصوف كقوة مقاومة عبر التاريخ

عن دور التصوف في المقاومة الوطنية، تأتي شهادة التاريخ ناصعة من كل ساحات الجهاد ضد الغزاة في العالم الإسلامي كله شرقه وغربه، خلال القرنين الأخيرين اللذين شهدا وقائع الغارة الاستعمارية الباغية وانتفاض المقاومة الوطنية ضدها، وقبل أن نستعرض في عجالة هذا الدور المجيد للمناضلين الذين خرجوا من محاريب الذكر والدعاء إلى ساحات التضحية والفداء، نتساءل ـ لماذا كان هذا الدور المتميز، لهؤلاء النبلاء الذين يطالعنا موكبهم الجليل، لا يكاد ينتهي أبدًا؟

التصوف يحارب الفساد فى الارض

والجواب يتمثل في أمور:

أولاها: الإرث النبوي، يقول أحد صوفية الهند: لقد بلغ محمد ـ صلى الله عليه وسلم: إلى مقام قاب قوسين ثم عاد مرة أخرى، والله لئن وصلت إلى هناك، فلن أعود أبدًا، ويعقب محمد إقبال على هذا القول بأنه يجسد الفرق بين الوعي الصوفي البحت والوعي النبوي الرسالي، وقد قرر المتابعون للتجربة الصوفية الإسلامية أنها تحاكي المعراج المحمدي في مراحله الثلاث: سفر من الخلق إلى الحق، وسفر في الحق - تعالى، وسفر من الحق إلى الخلق من جديد، فلا بد للصوفي العارج على القدم المحمدي من عودة لكي يمارس دوره في هداية الآخرين؛ للتخلي عن الرعونات البشرية، وحفزهم للتحخلي ولو جزئيًّا بالكمالات الإلهية، ودفعهم - أو المهيأ منهم خاصة  ـ  للإقلاع الروحي في معراجهم الخاص لنيل حظهم من الوراثة النبوية والاغتسال بالأنوار الإلهية، فقد اقتضت قداسة هذا الحرم، حرم القلوب الإنسانية، ألا يقترب منها أو يتعامل معها إلا الأنبياء، وورثتهم في بعض ذلك الفقهاء والعلماء الذين يعملون على إرشاد النفوس وتهذيبها وفق معطيات الوحي، وينهضون بدور رفيع القدر في خدمة مجتمعاتهم، وقيادتها، {يٰٓأيها ٱلذين ءامنوٓا إذا قيل لكمۡ تفسحوا في ٱلۡمجٰلس فٱفۡسحوا يفۡسح ٱلله لكمۡۖ وإذا قيل ٱنشزوا فٱنشزوا يرۡفع ٱلله ٱلذين ءامنوا منكمۡ وٱلذين أوتوا ٱلۡعلۡم درجٰتٖۚ وٱلله بما تعۡملون خبيرٞ} [المجادلة: ١١] أما وراثة النبوة في إرشاد النفوس وتهذيبها، وقيادة الأرواح والعروج بها، فقد حظي بها قوم من الزهاد العارفين بعد عصر الصحابة والتابعين - وهؤلاء هم الصوفية -وربما جمع بعضهم بين الاجتهاد العلمي والعرفان الروحي، كالبصري، وابن المبارك، والجنيد، والمحاسبي، والتستري، والغزالي وأمثالهم، لما تهيأ لهم - مع العلم الظاهر - من هذا الإرث النبوي الروحي الذي يحفظ شعلة الحب واليقين والتنوير الروحي متقدة في صميم القلب، تستمد زيتها من معين الفطرة والوحي والإلهام المتجدد في معارج السمو الروحي، قال تعالى: {ٱلله نور ٱلسمٰوٰت وٱلۡأرۡضۚ مثل نوره كمشۡكوٰةٖ فيها مصۡباحٌۖ ٱلۡمصۡباح في زجاجةٍۖ ٱلزجاجة كأنها كوۡكبٞ دريٞ يوقد من شجرةٖ مبٰركةٖ زيۡتونةٖ لا شرۡقيةٖ ولا غرۡبيةٖ يكاد زيۡتها يضيٓء ولوۡ لمۡ تمۡسسۡه نارٞۚ نورٌ علىٰ نورٖۚ يهۡدي ٱلله لنوره من يشآءۚ ويضۡرب ٱلله ٱلۡأمۡثٰل للناسۗ وٱلله بكل شيۡءٍ عليمٞ} [النور: ٣٥]. 

وثانيها: أن من أنبل مهام التصوف أنه يحفز همم السالكين للتعلق بالمثل العليا والسعي لتحقيق نوع من البطولة الخلقية - هكذا وضع العقاد حقيقة التصوف [العقاد- مجلة الرسالة– العدد الممتاز ص٣] ـ إذ يقاوم السالك نفسه وهواه، ويتشبه بأخلاق مولاه ـ عز وجل - مؤتسيًا بمظهر الكمال الإنساني محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله، ويبقدر ما يكتسبه من هذه الأخلاق يكون حظه من التصوف، "التصوف خلق ـ كما يقول الكتاني ـ فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصفاء".

 وأول هذه الأخلاق السخاء أسوة بإبراهيم الذي أراد أن يضحي بولده، وآخرها الفقر أسوة بمحمد، -عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه -، فلا عجب أن تصدر التضحيات عن مثل هؤلاء - ونحن نتكلم عن صوفية الحقائق والأخلاق لا صوفية الرموز والأرزاق - في يسر وسهولة، كأنها طبيعة ثانية وملكة مواتية، يقول الشيخ الرئيس منذ ألف عام في إشاراته وتنبيهاته: وهو من هو غير متهم بانحياز إلى القوم: العارف شجاع، وكيف لا! وهو بمعزل عن تقية الموت، وجواد، وكيف لا! وهو بمعزل عن محبة الباطل، وصفاح عن الذنوب، وكيف لا! ونفسه أكبر من أن تجرحها زلة بشر، ونساء للأحقاد، وكيف لا وذكره مشغول بالحق" [أبو اليزيد العجمي: في التصوف الإسلامي، دار الثقافة العربية ١٩٩٦م ص٢٢].

ويقول الأديب العربي المعاصر، ومؤرخ الوجدان المصري نجيب محفوظ، حدث الشيخ عبد ربه التائه قال: أغرتني نشوة الطرب ذات مرة بالتمادي في الطرب، حتى طمعت أن أثب من الطرب الأصغر إلى الطرب الأكبر، فسألت الله أن يكرمني بحسن الختام، عند ذلك همس في أذني صوت: (لا بارك الله في الهاربين)، وسألت الشيخ عبد ربه التائه: متى يصلح حال البلد؟ فأجاب: عندما يؤمن أهلها بأن عاقبة الجبن أخوف من عاقبة السلامة [ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، المطبعة الخيرية بالقاهرة ١٣٢٥هـ، ٢/٢٣].

والثالثة: قد يظن أن الفناء، وهو أحد نتائج الرحلة الروحية في المعراج الصوفي، ضرب من إضعاف الذات أو انحلالها، وقد غلط بعض السالكين في ذلك، وإنما هو التخلي عن أوصاف الخلق، والتحلي بأوصاف الحق، بل هي عملية تنمية روحية وأخلاقية للذات الإنسانية مستمرة ومتجددة، تكتمل بتكميل العبودية الخالصة لله ـ وهو مقام الفقر ـ حين يصير مراد الحق هو مراد العبد، وهنا يصبح العبد المؤمن - كما يقول إقبال: سيفًا في يد القدرة، تقذف به على الباطل فيدمغه؛ ألا ترىي إلى الشيخ أبي المواهب الشاذلي، وهو في مقام الخشوع والتذلل والدعاء، يخاطب مولاه رامقًا راجيًا: واقذف بي على الباطل بأنواعه في جميع بقاعه، فأدمغه بالحق على الوجه الأحق [نقلًا عن جريدة الأهرام يوم ١٠/ ١٢/ ٢٠٠٤م ملحق الجمعة الصفحة الأولى].

ومن ثم كان التصوف صرخة مقاومة ضد الفساد الاجتماعي، بل لعله نشأ أصلًا ردة فعل لهذا الفساد.

التصوف رمز الكفاح والنضال

وأخيرًا: فإن التصوف حركة شاملة ذات طابع (راديكالي) تتناول نفس المريد من الداخل، وتقوم على مبدأ التغيير الذاتي القرآني، ولكن لها تجلياتها المتعددة: الفكرية، والفنية، والاجتماعية، والثقافية بل والسياسية أحيانًا، ومن الطبيعي لحركة شاملةٍ كهذه - وإن كان جوهرها هو الإحياء الروحي - ألا تخلو في تاريخها الطويل منذ القرن الثاني الهجري من مظاهر ضعف وانحراف عن طابعها الأصيل، بل إن الشيوخ يشكون منذ بدء التدوين من أغلاط للقوم وبدع شاعت بينهم في الفكر والعمل، وانتسب إليه قومٌ لا هَم لهم إلا البطالة والتمشيخ المظهري الزائف.. وربما كان من الظلم أن يحكم على التصوف وأهله بحال هؤلاء الواغلين.

وفيما يتصل بحركات المقاومة الوطنية، يحلو للبعض أن يورد مثالًا هنا ومثالًا هناك لحالات من الضعف والتهاون، أو الممالأة للغزاة والمستعمرين؛ كبعض رجال الخلوتية في مصر إبان الحملة الفرنسية [منبع السعادات في الأوراد والصلوات، الوظيفة الشاذلية لسيدي أبي المواهب الشاذلي ط مصطفى البابي الحلبي بمصر - بدون تاريخ ص١٦٧]، وبعض المواقف التي ساقت إليها اعتبارات محلية لبعض التيجانية من الأمير عبد القادر في الجزائر، ناسين ما قام به التيجانية أنفسهم من مقاومة شرسة ضد الفرنسيين في غرب أفريقية [فريد دي يونج: تاريخ الطرق الصوفية في مصر - سلسلة تاريخ المصريين عدد ٧٩ - ترجمة عبد الحميد الجمال، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ١٩٩٥م ص١٠]، وهذا في الحقيقة حكم جائر في سياق التضحيات الجمة التي قدمتها الحركة الصوفية على امتداد العالم الإسلامي - مما سنعرض له في الفقرة التالية لهذا التقديم - الأمر الذي دعا بعض العلماء حين تعرض لهذا الجانب أن يستشهد ببيت الحطيئة [عبد الله عبد الرازق إبراهيم أضواء على الطرق الصوفية في القارة الأفريقية - مكتبة مدبولي بالقاهرة- ١٩٩٠م ص٧ وما بعدها]:

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من * * * اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

ثم أضاف: كيف يصح القول إذن، مع هذه الشهادات المتواترة المتلاحقة، أن التصوف هو رمز البطالة والكسل، وأن الفرار من معترك الحياة والانسحاب رمز المتصوفين الذين آثروا الانعزال، ومالئوا بعض الحكومات الأجنبية، أو خدموها: فهناك عدد أكبر من أئمة التصوف الذين فاقوا أولئك المنتسبين إلى الطرق، وامتازوا عليهم في الكفاح، والجهاد، والقتال، والنضال، والبقاء في معترك الحياة [الندوي أبو الحسن: ربانية لا رهبانية، دار الشروق بمصر ط٢ بدون تاريخ ص١٩].

الخلاصة

أثبت التصوف عبر التاريخ أنه لم يكن انعزالًا عن الواقع، بل قوة ناعمة شكّلت وجدان الأمة في مواجهة الغزاة، إذ وحّد المتصوفة بين الجهاد الروحي والنضال الوطني، فأسهموا في بناء مقاومة تستمد قوتها من الإيمان واليقين بالله، فكانوا نموذجًا فريدًا للربط بين الروحانية والعمل الثوري.

موضوعات ذات صلة

الإماتة تعني مفارقة الحياة.

المجاهدة في التصوف هي بذل أقصى الجهد في محاربة النفس والشيطان، وحملها على الطاعات ومخالفة الهوى، بهدف الوصول إلى مرضاة الله. 

الفتح نقيض الإغلاق وعند الصوفية كل ما يفتح به الله سبحانه وتعالى على عبده والفتح المبين ما يفتح على العبد من مقام الولاية وهو فتح للقلب.

موضوعات مختارة