حال الصوفية والعلماء تحت أربع درجات
وما
أحسن ما قاله سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان) وهو: أي سادة، كُلُّ
حال القوم من أولهم إلى آخرهم تحت أربع درجات، وكل حال العلماء والفقهاء كذلك.
فأما
الدرجة الأولى من حال القوم فدرجة رجل طلب المرشد لما رأى من إقبال العامة على
الطَّائفة، فأحب ذلك، وفرح بالرواق والجمعية والزي.
والدرجة
الثانية: درجة رجل طلب المرشد عن حسن ظن بالطائفة، فأحبهم وأحب ما هم عليه، وأخذ
بصميم القلب كلَّ ما نُقل عنهم، وأخذ منهم بالاعتقاد الصحيح النظيف.
الدرجة
الثالثة: درجة رجل سلك المقامات، وقطع العقبات، وبلغ من الطريق العوالي
مِنَ
الدرجات، ولكن وقف تارةً عند قوله تعالى: {سَنُرِيهِمۡ
ءَايَٰتِنَا ... الآية} [فصلت: ٥٣].
فساعة
يرى الكون بمشهد الآية التي أُرِيَت له، فيغيب بها عمن أراه إياها.
وساعة
يرى نفسه بمشهد الآية التي أُريت له في نفسه، فيغيب بها.
وهذا
المشهد مشهد الإدلال، ومنه تحصل الشَّطحات والتجاوز، وإظهار العلو على الأعالي،
والبروز بحال السلطنة، والظهور بالقول والفعل، والحول والقوة.
والدرجة
الرابعة: درجة رجل سلك الطريق مقتفيًا آثار النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، في كل
قول وفعل وحال وخُلق، حاملًا راية العبدية، فارشًا جبين الذُّل في الحضرة
الربانية،
يشهد
على كلّ هامة: {كُلُّ شَيۡءٍ
هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ} [القصص: ٨٨].
ويقرأ
من صحيفة جبهة كل ذرة مخلوقة: {أَلَا
لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ } [الأعراف : ٥٤].
يقف
عند حده، ويبسط على تراب الأدب بساط خدّه، ويمر في أثناء سيره على عقبات الآيات،
فينصرف عنها إلى المعبود: {وَلَا
يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا} [الكهف: ١١٠].
فصاحب
الدرجة الأولى: محجوب.
وصاحب
الدرجة الثانية: مُحِبُّ.
وصاحب
الدرجة الثالثة: مشغول.
وصاحب
الدرجة الرابعة كامل.
وفي
كل درجةٍ مِنَ الدرجات المذكورات درجات كثيرة تظهر للعارف مِنْ حال الرجل.
وأما درجات العلماء والفقهاء:
فالدرجة
الأولى: درجة رجل طلب العلم للمماراة، والجدال، والتفاخر، وجمع المال، وكثرة القيل والقال.
والدرجة
الثانية: درجة رجل طلب العلم لا للمناظرة، ولا للرئاسة، ولكن ليحسب في أعداد
العلماء، فيمدح بين أهله وعشيرته وأهل قريته، مكتفيًا بهذا المقدار، متمسكًا
بالظاهر لا غير.
والدرجة
الثالثة: درجة رجل حل عويص المشكلات، وكشف دقائق المنقولات والمعقولات، وغاص بحور
الجَدَل، مُضمرًا الهمَّةَ لِنُصرة الشرع في أحواله، إلا أنه أخذته عزَّة العلم
على مَنْ هو دونه.
وإذا
انتصر للشرع وعُورض بدليل، اختطفته نصرة نفسه، فأفرط وأقام الأدلة على خصمه،
وشَنَّع عليه، ورُبَّما كَفَّره وطعن فيه، وهجم عليه هجوم الحيوان المفترس، مع عدم
رعاية الحد المحدود شرعًا في كل حال من أحواله وأحوال خصمه.
والدرجة
الرابعة: درجة رجل علَّمه الله فنصب نفسه لتنبيه الغافل، وإرشاد الجاهل، ورد
الشارد، ونشر الفوائد والنصيحة، وإنكار ما يُنكر شرعًا، وقبول ما يُقبل شرعًا،
بحسن التجرد من الغرض.
يرى
أنَّ الحسن ما حسَّنَه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، يأمر بالمعروف أمر حكيم غير
غليظ ولا فظ، وينهى عن المنكر نهي مشفق غير ظالم ولا عاد.
فصاحب
الدرجة الأولى: سيئ
وصاحب
الدرجة الثانية: محروم
وصاحب
الدرجة الثالثة: مغرور
وصاحب
الدرجة الرابعة: عارف
وفي
كل درجةٍ مِنَ الدرجات المذكورات كذلك درجات تظهرُ مِنْ حال الرجل.
والمعصوم
من عصمه الله. انتهى.
فانظر
ما أجمل هذا التفصيل الحسن، فإنَّه إذا فقهت استوفى مراتب الصوفية والفقهاء.
وتدبر
كيف التفت مخاطبًا لمن أضاع ثمرة العلم، وطلب عزَّه، فقال له:
كيف
يصح لك عز العلم الذي هو بركة العمل التي تنتج العلم اللدني، بشاهد قوله صلى الله
عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ بِما يَعلَمُ، وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ
يَعْلَم» [أبو نعيم في الحلية: ٦/ ١٦٣،
ومعجم ابن المقرئ: ٣١٥]، وأنت كسوت علمك ثوب الذل والإهانة بترك العمل، والانحراف
عن الطريق المستقيم، الذي به وصل أهل العلم بالله إلى الله؟!
وهذا
عين مضمون البيت المنسوب إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه؛ وهو:
ولو أنَّ أَهْلَ العِلْمِ صَانُوهُ
صَانَهُم *** ولو عَظَمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعُظْمُوا
فتعظيمه
في النفوس إنَّما هو تعظيم شعائر الله، قال تعالى: {ذَٰلِكَۖ
وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ}
[الحج:
٣٢].
ومن
كان عالمًا بالدُّنيا، جاهلًا بالآخرة، فهو مبغوض عند الله، بدليل قوله عليه
الصلاةُ والسَّلامُ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يبغضُ كُلَّ عالم بالدُّنيا، جَاهل بالآخِرَةِ»
[بنحوه ابن حبان: ٧٢].
فالله
نسأل، وبرسوله العظيم نتوسل، أن يجعلنا من العالمين العاملين المقبولين عنده
المرضيين؛ إنه أرحم الراحمين.