Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

كشفُ الأستار وقنطرةُ الموتِ ومقامُ التوحيدِ ومراتبُ أهلِ التجريدِ من قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي

الكاتب

هيئة التحرير

كشفُ الأستار وقنطرةُ الموتِ ومقامُ التوحيدِ ومراتبُ أهلِ التجريدِ من قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي

للقلب أسرار للانتباه من خلال حِكم الإمام الرفاعي، فالموت قنطرة العبور من نوم الغفلة إلى يقظة المعرفة فلابد من التحقق بمقام العبودية، وهناك موازين دقيقة لمراتب العلماء والسالكين، فالحذر من غرور العلم وعُجب النفس الذي يقطع السالك عن حضرة القدس ويحرمه ثمرة الوصول.

انتباه القلوب وقنطرة الموت

قَالَ الإمام الرفاعي رضي الله عنه:

ثِقَلُ مَرَضِ المُوتِ أَوَّلُ قَنَاطِرِ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ عِندَ المَحْجُوبِينَ، وَهَذَا قِيلَ لنا: «مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا».

ثم قال رضي الله عنه:

حَضْرَةُ المُوتِ تَكْشِفُ الحُجُبَ، كَمَا وَرَدَ: "النَّاسُ نِيَامٌ، فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا".

لا يخفى أنَّ من تدبر هاتين الحكمتين، والدُّرَّتين اليتيمتين، أدرك أن سيدنا المؤلف، طوى فيهما أسرار العرفان، وأوضح ما يلزم في هذه الدنيا الفانية للإنسان، وبين للعاقل في الحكمة الأولى: أنَّ ثِقَل الموت، كالقنطرة يعبر عليها المحجوب - أي الغافل - إلى معرفة الله، فيذعن طبعه، وتعترف بشريته حالة إيقانه بمفارقة هذه الدنيا الدنية، أن مصيره إلى الله، وأنه لا ملجأ مِنَ الله إلَّا إليه.

ولينظر ما أحسن تتمة الحكمة الأولى فإنه ختمها بقوله: ولهذا قيل لنا: "مُوتُوا قَبلَ أَنْ تَمُوتُوا"، فإنَّه فَرَّق بهذه الكلمة بين الغافلين المحجوبين، والعارفين المتيقظين.

فالمحجوبون لا تنكشف لهم أسرار المعرفة بالله إلا بعد عبور قنطرة مرض الموت.

العارفون عملًا بأثر: "مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا" يقطعون عن أنفسهم الزكية علائق البشرية، ويرون أنفسهم وبقية الذرات المخلوقة محاطين بالعدم المحض، فتنطبع قلوبهم على الانتباه الخالص، فلا يؤثر فيهم حجاب الغين طرفة عين {أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ } [الأنعام: ٩٠] .

وانظر كيف أتى بالحكمة الثانية على نسق منيع، وأسلوب بديع، فقال: حضرة الموت تكشف الحجب، مُستدلًا بخبر: "النَّاسُ نِيَامٌ، فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا"، عِلمًا بقلَّة العارفين في كل زمن ، وقليل ما هم؛ وإيضاحًا لعجز المخلوقين كافَّةً عن العلم بالله في هذه الدار.

وشاهد ذلك أمر الله لنبيه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في القرآن العظيم بطلب زيادة العلم بقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا} [طه: ١١٤]، فما انكشف للعارفين في هذه الدار، بالنسبة لما سيظهر في الدار الآخرة، كالنُّقطة من البحر؛ فإنَّ عجائب القدرة وقوة سلطان الربوبية، لا يتمكن البشر قبل إزالة حجاب هذه الحياة أن يُحيط بفهمها، أو أن يتحمل دهشة الاطلاع عليها.

فلذلك عبر عن هذه الحياة: بالنوم؛ لانحجاب البشر بها عن حقيقة المعرفة؛ وعبر عن الموت: بالانتباه؛ لِحُصول القابلية الإنسانية من النوع الآدمي كل بنسبة مرتبته للاطلاع على حقيقة المعرفة بالله، وبعظمة سلطانه، وعزيز برهانه.

وما صح الاطلاع لأحد في هذه الدار إلا للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لقوة استعداده، ولياقة قابليته المحمدية، ولكونه حزب الله، سماه الله حزبًا، مع أنَّ الحزب لا يُطلق إلا على الجماعة، إشارةً لثبات قلبه الشريف، وفرط قوته، واستعداده، وقابليته لتلقي التجليات، تدنّيًا وتدليًا.

ويؤيد ما سبق من المقصود، قوله: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا» [البخاري بنحوه: ٦٦٣١، ومسلم: ٩٠١] صَلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وَورَّاثه وأحبابه أجمعين.

التوحيد الخالص والتحذير من العُجب

قال الإمام الرفاعي رضي الله عنه:

كُلُّ تَوْحِيدِكَ قَبْلَ تَنْزِيْهِهِ تَعَالَى شِرْكٌ التَّوحِيدُ: وُجْدَانٌ فِي القَلْبِ يَمْنَعُ عَنِ التَّعْطِيلِ والتَّشْبِيْهِ.

أراد رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: إسقاط تأثير الأسباب، وتنزيهه ل عن المشاركة والمجانسة في ذاته وصفاته، وقد فَسَرَّ هذه الحكمة بقوله في كتابه (البرهان): "طب بِرَبِّكَ عن الكُلِّ؛ فإِنَّ الرُّبوبيَّة تَقَدَّسَتْ وجَلَّتْ عن وَصْف المشاركة في كل حال".

رُدَّت أعمال الشرك إلى المشركين، وقُبلت أعمال التوحيد مِنَ المُوحّدين: {أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ} [الزمر:٣].

وقال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا} [الكهف: ١١٠]). انتهى.

ثم عرف التوحيد بوجدان سِر مُضمرٍ في القلب، يمنع خواطر التعطيل والتشبيه أن تمر على الحضيرة القلبية، وهذا هو التوحيد المحض؛ لأنَّ الله يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، وقد سبق على مثل هذا الكلام، وبه الكفاية.

ثُمَّ قَالَ الإمام الرفاعي رضي الله عنه:

رُحْ وتَعَالَ، كُلُّكَ خَيَالٌ، اِنْزِلْ يَا مِسْكِينُ عَنْ فَرَسِ عُجْبِكَ، رُبَّ عَثْرَةٍ، أَوْصَلَتِ الْحُفْرَةَ.

أراد رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ بقوله: رُحْ وتعال، كلك خيال؛ عدم البقاء في هذه الدار.

ومن هذا المعنى قول الصديق الأكبر رضي الله عنه:

كُلُّ امْرِءٍ مُصَبَحْ بِأَهْلِهِ *** والمُوتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ

ويؤيد ذلك قول الله تعالى لنبيه الطاهر المأمون: {إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر: ٣٠].

وقال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَعْلَمُ لَاسْتَرَاحَتْ أَنْفُسُكُمْ مِنْهَا» [الحاكم: ٦٦٤٠، والبيهقي في شعب الإيمان: ٩٨٤٦].

وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أيضًا: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ لَا تَدْرُونَ تَنْجُونَ أَو لا تَنْجُونَ» [بنحوه البخاري: ٦٦٣١ ، ومسلم: ٩٠١ ، الترمذي: ٢٣١٢، وابن ماجه: ٤١٩٠، والحاكم: ٧٩٠٥ واللفظ له].

فَمِنْ هذه الأخبار الشريفة المُحمَّديَّة، يُستدل على هوان الدنيا، وسرعة مرورها، ولزوم ترك العجب فيها.

وقد ورد ما هو أوضح من هذا؛ وهو أن عمرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حَصِيرٍ قَدْ أَثَرَ فِي جَنْبِهِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا، قَالَ: «مَالِي وَلِلدُّنْيَا، ومَا لِلدُّنْيَا وَمَالِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مَثَلِي، وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبِ سَافَرَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، وَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» [مسند الأمام أحمد: ٣٧٠٩، والطيالسي: ٢٧٥].

ومن هذا المعنى المبارك، قول مولانا السيد الشيخ سراج الدين الرفاعي المَخْزُومِي قُدِّسَ سِرُّهُ العَزِيز:

أَذَانُ النَّاسِ حِيثُ الطِّفْلُ يَأْتِي *** وتَأْخِيرُ الصَّلاةِ إِلى الوَفَاةِ

يُشِيرُ بَأَنَّ عَمْرَ المَرءِ فِيهَا *** كما بين الأذان إلى الصَّلاةِ

فكأن الإمام رضي الله عنه له يقول: أيها المسكين المغرور بهذه الحياة القصيرة، المعجب فيها بقوته، وحوله، وطوله، انزل عن فرس خيالك وعجبك، بحولك وقوتك؛ فإنَّ القوة، والحول، والطول، والقدرة والبقاء الله تعالى، والذي أنت فيه عَشْرَةٌ يوشك أن يوصلك حفرة العذاب بعد وصولك حفرة القبر.

وكأنه يقول رضي الله عنه في وجه آخر: أيها المعجب بنفسه على أبناء جنسه، تأدب مع الله وخَلْقِه، فَرُبَّ عَثْرَةٍ لك يقودك إليها عجبك وغرورك، وترفعك على الخلق، تصل بها إلى حفرة الانحطاط عن جاهك، وحياتك، وغير ذلك.

ويناسب هذا قول القائل:

كَمْ نِعْمَةٍ زَالَتْ بِأَدْنَى زَلَّةٍ *** ولِكُلِّ شَيْءٍ فِي تَقَلُّبِه سَبَب

ثم قال الإمام الرفاعي رضي الله عنه:

رُبَّ عِلْمٍ ثَمَرَتُهُ جَهْلٌ، وَرُبَّ جَهْلٍ ثَمَرَتُهُ عِلْمٌ.

وألحقها بقوله:

كَيْفَ يَصِحُ لَكَ عِزُّ العِلْمِ، وَأَنْتَ كَسَوْتَ عِلْمَكَ ثَوْبَ الذُّلَّ.

أراد رضي الله عنه بقوله: رُبَّ عِلمٍ ثَمرته جهل؛ أي: رُبَّ علم اختطفت صاحبه أجنحة الغرور بالعلم، فاكتفى به عن العمل، وتَعَالَى عن الخلق، فأنتج له العلم المذكور ثمرة القطيعة التي ينجها الجهل.

وأراد بقوله: ورُبَّ جهل ثمرته علمٌ؛ أي: ورُبَّ جهل ألزم صاحبه الانكسار والاحتقار لنفسه، فلزم أبواب العارفين، والعلماء العاملين، وأخذ عنهم، وانتفع منهم، فأورثه اعترافه بجهله وانكساره معه علمًا.

ثمرة العلم ومراتب السالكين والفقهاء

حال الصوفية والعلماء تحت أربع درجات

وما أحسن ما قاله سيدنا المؤلف رضي الله عنه في كتابه (البرهان) وهو: أي سادة، كُلُّ حال القوم من أولهم إلى آخرهم تحت أربع درجات، وكل حال العلماء والفقهاء كذلك.

فأما الدرجة الأولى من حال القوم فدرجة رجل طلب المرشد لما رأى من إقبال العامة على الطَّائفة، فأحب ذلك، وفرح بالرواق والجمعية والزي.

والدرجة الثانية: درجة رجل طلب المرشد عن حسن ظن بالطائفة، فأحبهم وأحب ما هم عليه، وأخذ بصميم القلب كلَّ ما نُقل عنهم، وأخذ منهم بالاعتقاد الصحيح النظيف.

الدرجة الثالثة: درجة رجل سلك المقامات، وقطع العقبات، وبلغ من الطريق العوالي

مِنَ الدرجات، ولكن وقف تارةً عند قوله تعالى: {سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا ... الآية} [فصلت: ٥٣].

فساعة يرى الكون بمشهد الآية التي أُرِيَت له، فيغيب بها عمن أراه إياها.

وساعة يرى نفسه بمشهد الآية التي أُريت له في نفسه، فيغيب بها.

وهذا المشهد مشهد الإدلال، ومنه تحصل الشَّطحات والتجاوز، وإظهار العلو على الأعالي، والبروز بحال السلطنة، والظهور بالقول والفعل، والحول والقوة.

والدرجة الرابعة: درجة رجل سلك الطريق مقتفيًا آثار النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، في كل قول وفعل وحال وخُلق، حاملًا راية العبدية، فارشًا جبين الذُّل في الحضرة الربانية،

يشهد على كلّ هامة: {كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ} [القصص: ٨٨].

ويقرأ من صحيفة جبهة كل ذرة مخلوقة: {أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ } [الأعراف : ٥٤].

يقف عند حده، ويبسط على تراب الأدب بساط خدّه، ويمر في أثناء سيره على عقبات الآيات، فينصرف عنها إلى المعبود: {وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا} [الكهف: ١١٠].

فصاحب الدرجة الأولى: محجوب.

وصاحب الدرجة الثانية: مُحِبُّ.

وصاحب الدرجة الثالثة: مشغول.

وصاحب الدرجة الرابعة كامل.

وفي كل درجةٍ مِنَ الدرجات المذكورات درجات كثيرة تظهر للعارف مِنْ حال الرجل.

وأما درجات العلماء والفقهاء:

فالدرجة الأولى: درجة رجل طلب العلم للمماراة، والجدال، والتفاخر، وجمع المال، وكثرة القيل والقال.

والدرجة الثانية: درجة رجل طلب العلم لا للمناظرة، ولا للرئاسة، ولكن ليحسب في أعداد العلماء، فيمدح بين أهله وعشيرته وأهل قريته، مكتفيًا بهذا المقدار، متمسكًا بالظاهر لا غير.

والدرجة الثالثة: درجة رجل حل عويص المشكلات، وكشف دقائق المنقولات والمعقولات، وغاص بحور الجَدَل، مُضمرًا الهمَّةَ لِنُصرة الشرع في أحواله، إلا أنه أخذته عزَّة العلم على مَنْ هو دونه.

وإذا انتصر للشرع وعُورض بدليل، اختطفته نصرة نفسه، فأفرط وأقام الأدلة على خصمه، وشَنَّع عليه، ورُبَّما كَفَّره وطعن فيه، وهجم عليه هجوم الحيوان المفترس، مع عدم رعاية الحد المحدود شرعًا في كل حال من أحواله وأحوال خصمه.

والدرجة الرابعة: درجة رجل علَّمه الله فنصب نفسه لتنبيه الغافل، وإرشاد الجاهل، ورد الشارد، ونشر الفوائد والنصيحة، وإنكار ما يُنكر شرعًا، وقبول ما يُقبل شرعًا، بحسن التجرد من الغرض.

يرى أنَّ الحسن ما حسَّنَه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، يأمر بالمعروف أمر حكيم غير غليظ ولا فظ، وينهى عن المنكر نهي مشفق غير ظالم ولا عاد.

فصاحب الدرجة الأولى: سيئ

وصاحب الدرجة الثانية: محروم

وصاحب الدرجة الثالثة: مغرور

وصاحب الدرجة الرابعة: عارف

وفي كل درجةٍ مِنَ الدرجات المذكورات كذلك درجات تظهرُ مِنْ حال الرجل.

والمعصوم من عصمه الله. انتهى.

فانظر ما أجمل هذا التفصيل الحسن، فإنَّه إذا فقهت استوفى مراتب الصوفية والفقهاء.

وتدبر كيف التفت مخاطبًا لمن أضاع ثمرة العلم، وطلب عزَّه، فقال له:

كيف يصح لك عز العلم الذي هو بركة العمل التي تنتج العلم اللدني، بشاهد قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ بِما يَعلَمُ، وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَم» [أبو نعيم في الحلية: ٦/ ١٦٣، ومعجم ابن المقرئ: ٣١٥]، وأنت كسوت علمك ثوب الذل والإهانة بترك العمل، والانحراف عن الطريق المستقيم، الذي به وصل أهل العلم بالله إلى الله؟!

وهذا عين مضمون البيت المنسوب إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه؛ وهو:

ولو أنَّ أَهْلَ العِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُم *** ولو عَظَمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعُظْمُوا

فتعظيمه في النفوس إنَّما هو تعظيم شعائر الله، قال تعالى: {ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} [الحج: ٣٢].

ومن كان عالمًا بالدُّنيا، جاهلًا بالآخرة، فهو مبغوض عند الله، بدليل قوله عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يبغضُ كُلَّ عالم بالدُّنيا، جَاهل بالآخِرَةِ» [بنحوه ابن حبان: ٧٢].

فالله نسأل، وبرسوله العظيم نتوسل، أن يجعلنا من العالمين العاملين المقبولين عنده المرضيين؛ إنه أرحم الراحمين.

الخلاصة

الموت الانتباه الحقيقي من نوم الغفلة، والسالك الصادق هو من يقطع علائق نفسه قبل رحيله، مدركًا أن التوحيد وجدانٌ قلبي ينفي التشبيه ويُسقط تأثير الأسباب في حظيرة التنزيه، وتتفاوت مراتب القوم والعلماء بين محجوبٍ ومغرورٍ وكاملٍ، والكمال لا يصح إلا باتباع الأثر والذل بباب المولى، فالعلم الذي لا يثمر عملًا وتواضعًا هو جهلٌ مقنّع يورث صاحبه القطيعة والذل، فمن عظّم العلم بصيانته والعمل به ورثه الله علم ما لم يعلم وألحقه بالعارفين.

موضوعات ذات صلة

في رحاب قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي تتجلّى أسرارُ التوكّل، وصفاءُ العقل.

تُشرق هذه الدرر بآداب العبودية والسلوك، حيث تؤسس لركني الخير بتقوى الله واتباع سنّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

الخير كله يكمن في اتباع نهج السلف الصالح، وأسمى مراتب السعادة في الدنيا والآخرة تتحقق بالاقتداء الكامل.

موضوعات مختارة