وترجع نشأة الموحدين- الذين قاموا يدعون إلى تنقية العقيدة
الإسلامية مما أصابه من تحريف- إلى رجل من قبيلة هرغة، واسمه محمد بن تومرت ويعرف بالمهدى
بن تومرت، وفي نسبه أقوال مختلفة وبعضها ينسبه إلى الحسن بن على بن أبى طالب.
وكان مولده عام ٤٨٥ هـ / ١٠٩٢م، أو قبل ذلك على الأرجح، وفي
مطلع المائة السادسة الهجرية شد رحله إلى المشرق لطلب العلم، فسمع من أبى حامد الغزالي
وغيره من أعلام ذلك العصر، ثم عاد إلى المغرب، وأخذ يدعو الناس إلى العقيدة الصحيحة،
ونبذ كل ما يخالف تعاليم لإسلام، وتجرد للأمر بالمعروف والنهى عن لمنكر، مما كان سببا
في كراهية الحكام له، وطرده من بلاد المغرب التي مر بها.
ومن بينها تلمسان التي التقى فيها بتلميذه الشهير: عبد
المؤمن بن على الكومي سنة ٥١٠ هـ/ ١١١٦م، لكنه حاز إعجاب كثير من العامة، وأصبح له
مريدون يسيرون معه حيث سار، وفي طليعتهم عبد المؤمن الذي خصه ابن تومرت بمزيد اهتمام
وعناية أخذ ابن تومرت يجوب بلاد المغرب الأقصى يحيط به أتباعه، وهو لا يكف عن الدعوة
إلى التمسك بتعاليم الإسلام الصحيحة، وينحى باللائمة على المرابطين، الذين كان يرى منهم
تراخيا في هذه الصدد، على الرغم مما عرف عن على بن يوسف بن تشفين- أمير المرابطين يومئذ-
من الصلاح والتقوى والتمسك بعرى الإسلام. ويرى بعض المؤرخين أن مهاجمة ابن تومرت للمرابطين،
ودعوته إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إنما تخفي وراءها أهدافا سياسية، وسعيا
حثيثا إلى إقامة دولة مصمودية على أنقاض دولة المرابطين الصنهاجية. ولذلك اتخذ من قرية
(تينملل)- وهي في منازل قبيلة هرغة في أغمات (إيجيليز) عند منابع وأدى نفيس المنحدر
من جبال السوس- مركزا لإقامته ودعوته، حيث تسارعت إليه جموع المصامدة، فأخذ في إعدادهم
عسكريا وفكريا، ورتبهم طبقات، فأولهم: أهل الدار- وهم أهل بيته- ثم إيت عشرة (أهل عشيرة)
ثم إيت خمسين. وهكذا صارت تينملل معقلا لدعوة المهدى ابن تومرت وأتباعه من قبائل مصمودة.
ولما اطمأن إلى إخلاصهم له وقدراتهم العسكرية، بدأ الاصطدام بالمرابطين- الذين كانوا
قد دخلوا مرحلة الضعف والتفكك في الأندلس. وحقق الموحدون عدة انتصارات عليهم. غير أن
على بن يوسف أمير المرابطين، حشد لهم جيشا ضخما تمكن به من هزيمة الموحدين، الذين استحر
فيهم القتل، وأُسر منهم عدد ضخم، وعقب ذلك مات ابن تومرت زعيم الموحدين في عام ٥٢٤هـ/١١٣٠م.
بايع الموحدون عبد المؤمن بن على بناء على وصية ابن تومرت إليه من بعده، وكان اختياره
لقيادتهم موفقاً لما يتصف به عبد المؤمن من النجابة والعقل ومؤهلات القيادة الأخرى،
فتصدى للمرابطين، وبدأ يغزو بلادهم ويضمها إليه، فأخذ وهران ثم تلمسان ثم فاس ثم سلا،
وسبتة. وفرض الحصار بعد ذلك على مراكش عاصمة المرابطين، وألحَّ على فتحها أحد عشر شهرا
حتى سقطت سنة ٥٤٢ هـ/ ١١٤٧م، ومن ثم دانت لهم بقية بلاد المغرب جميعا من ساحل المحيط
إلى شرق طرابلس. وبذلك يكون الموحدون أول من جمع بلاد المغرب تحت لواء واحد، كما طردوا
النورمان من سواحل المغرب الأدنى. بعدئذ بدأ الموحدون جهادهم في الأندلس، وسجلوا صفحات
ناصعة في ميدان الدفاع عن الإسلام وأهله ضد نصارى أسبانيا والبرتغال، الذين انتهزوا
فرصة ضعف المرابطين، فأخذو يغيرون على المدن والقرى الإسلامية، ويضمون إلى أملاكهم
ما استطاعوا منها. فلم يجد مسلمو الأندلس ملاذاً يلجأون إلية إلا الموحدين، فبدأت وفودهم
تقبل على عبدالمؤمن بن على، تستصرخه لإنقاذ بلاد الإسلام من خطر النصارى، ونجدة إخوانه
في الدين من عدوانهم، فاستجاب لهم قائد الموحدين ووعدهم النصرة والمعونة العاجلة. كان
أول عبور للموحدين إلى الأندلس في سنة ٥٤٦هـ/ ١١٥١م، وذلك ردا على استيلاء ألفونسو
السابع ملك قشتالة وليون على المرية، فاستردتها جيوش عبد المؤمن، وفرض الموحدون سيادتهم
على ما بقي بأيدي المسلمين في الأندلس، وهو القسم الجنوبي منها، الذي يحده شمالا مجرى
الوادي آنه ثم مجرى نهر بلنسية.
رجع قائد الموحدين إلى المغرب، وشغل بالقضاء على المناوئين
لدولته في بعض أقاليم المغرب، لكنه لم يغفل عن متابعة أحوال الأندلس، حتى ألم به المرض
الذي توفي فيه سنة ٥٥٨هـ/ ١١٦٣م، بعد حكم امتد ثلاثة وثلاثين عاما، حيث بويع لابنه
أبى يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن بن على. في عام ٥٦٠ هـ/ ١١٦٥م جرد الموحدون حملة عسكرية إلى
الأندلس، لتعزيز الدفاعات الإسلامية في مواجهة العدوان الأسبانى. كذلك اصطدم جيش الموحدين
بقوات محمد ابن سعد بن مردنيس المتعاون مع الأسبان، حيث بلغ عدد النصارى المرتزقة في
جيشه الذي قاتل الموحدين- في موقعة فحص الجلاب قرب مرسيه- ثلاثة عشر ألف محارب! لكن
النصر الكبير كان حليف الموحدين فيها، حيث توفي ابن مردنيس فيما بعل . لم يتوقف جهاد
الموحدين في الأندلس، ففي سنة ٦٦هـ/ ١١٧١م، عبر الخليفة يوسف بن عبدالمؤمن بقوات كبيرة
من المغرب وانضم إليهم جيش الأندلس للقيام بأعمال الجهاد في عدة مناطق، وامتدت هذه
لحملة خمسة أعوام، عاد بعدها الخليفة إلى مراكش. لكنه في الجولة الأخيرة له ضد ملك
البرتغال: ألفونسو هنريكى- الذي يسميه مؤرخو المسلمين: ابن الريق- في موقعة استرداد
مدينة شنترين سنة ٥٨٠ هـ / ١١٨٤ م، أصيب يوسف بن عبدالمؤمن إصابة خطيرة توفي على إثرها،
حيث بويع بالخلافة بعده أكبر أبنائه يعقوب. الذي تلقب بالمنصور. وبعد أحداث وقعت في
الشمال الإفريقي، اتجه الموحدون نحو الأندلس، لاستئناف الجهاد ضد النصارى سنة ٥٨٦ هـ/
١١٩٠م حيث عقدت هدنة بين الطرفين. بعد انتهاء مدتها عاد الصدام بينهما في موقعة الأرك
الطاحنة. التي انتصر فيها الموحدون بقيادة الخليفة المنصور على ألفونسو الثامن وجيوشه
عام ٥٩١هـ/ ١١٩٥ م، حيث هدأ الضغط النصراني على الجزء الاسلامي من الأندلس إلى حين.
بعد بضع سنوات توفي يعقوب المنصور ثالث الموحدين عام ٥٩٥هـ/ ١١٩٩م، حيث خلفه ولده محمد
الناصر لدين الله، الذي وجه همه نحو إفريقيا والمغرب، فأنزل الموحدون ضرباتهم القاسية
بالثائرين عليهم والخارجين عن طاعتهم من بنى غانية المسوفين- وهم بقايا المرابطين-
وعرب الهلالية، فعادت إفريقيا والمغرب الأوسط وجزائر البليار إلى طاعة الموحدين سنة
٦٠٢هـ/ ١٢٠٥م. عاد ألفونسو الثامن إلى عدوانه على المسلمين، فعبر الناصر بقواته إلى
الأندلس، حيث التقى الفريقان في معركة قاسية تسمى (حصن العقاب) سنة ٦٠٩هـ / ١٢١٣ م،
وكان الضغط فيها شديد على المسلمين، فانتهى اللقاء بهزيمة الموحدين وتشتت قواتهم، ومن
ثم عاد الناصر إلى مراكش حزينا كسيرا، وما لبث أن توفي في العام التالي- حسرة وألما
على ما أصاب المسلمين وأصابه في موقعة حصن العقاب التي كانت نذيرا بزوال دولة الموحدين،
وانقسامها إلى ثلاث دول، هي: دولة بنى مرين، ودولة بنى حفص، ودولة بنى عبد الواد.
مراجع الاستزادة:
١- الكامل ف التاريخ ابن الاثير على بن محمد بن محمد- دار
صادر بيروت ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩م.
٢- التاريخ أندلسي-
الدكتور عبد الرحمن على الحجي دار الاعتصام القاهرة ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م.
٣- عمال الأعلام
(تاريخ المغرب العربي في العصر الوسيط) ابن الخطيب لسان الدين محمد بن عبد الله بن
سعيد بتحقيق أحمد مختار العبادي ومحمد إبراهيم الكتاني الدار البيضاء- المغرب ١٩٦٤م.
٤- ابن خلدون عبدالرحمن بن محمد: العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم
والبربر ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر. بيروت ١٩٥٨- ١٩٥٩ م.
٥- وفيات الأعيان
وانباء أبناء الزمان- ابن خلكان أحمد بن محمد بن أبى بكر بتحقيق إحسان عباس دار صادر
بيروت ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.
٦- تاريخ المغرب في
العصر لإسلامي- الدكتور السيد عبد العزيز- مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر- الإسكندرية.
٧- البيان المغرب
في أخبار الأندلس والمغرب- ابن عذارى أبوعبد الله محمد المراكشي جمع وتعليق إحسان عباس-
بيروت ١٩٦٧م.
٨- عصر المرابطين
والموحدين في المغرب والاندلس- عنان محمد عبد الله القاهرة ١٣٨٣- ١٣٨٤ هـ / ١٩٦٤م.
٩-
قيام دولة المرابطين- الدكتور حسن أحمد محمود- القاهرة ١٩٥٧م.
١٠- المعجب في تلخيص أخبار المغرب- عبل الواحد بن على المراكشي-
بتحقيق محمد سعيد العريان- القاهرة ١٣٨٣ هـ/٩٦٣ ١م.
١١ – الاستقصاء لأخبار
دول المغرب الأقصى- الناصر السلاوي أحمد بن خالد- بتحقيق ولدى المؤلف جعفر ومحمد- الدار
البيضاء ١٩٥٤ م.
١٢- معجم البلدان- أبو عبد الله ياقوت الرومي الحموي: بتحقيق فريد
عبد العزيز الجندي- دار الكتب العلمية- بيروت ١٤١٠هـ/ ١٩٩٠م.